سياسة

«العاصي».. قصة النهر الذي جفّ لأول مرة في حياته!

الكاتب: أحمد علي

لم يتخيل سكان القرى والبلدات الممتدة على ضفتي نهر العاصي أن يستيقظوا يوماً على مجرى خالٍ تماماً من الماء، وأن يتحول الشريان الذي تعلّموا على صوته وحركة مياهه إلى أرض متشققة تصعد منها غبرة الجفاف بدل رائحة الطين الرطب. المشهد الذي تداولته مقاطع الفيديو خلال الأيام الأخيرة لم يكن مجرد صورة عابرة، بل لحظة صادمة تختصر تحوّل نهر تاريخي إلى سرير من الغبار، وتكشف عمق أزمة المياه التي تعيشها سوريا والمنطقة.

تحوّل خبر جفاف نهر العاصي لأول مرة في تاريخه إلى موضوع رئيسي على منصات الإعلام والتواصل الاجتماعي، ليس لأنه حدث نادر فحسب، بل لأنه يمسّ حياة مئات آلاف المزارعين والصيادين والسكان الذين يرتبط أمنهم الغذائي ومعيشتهم اليومية بهذا النهر. وبقدر ما يحمل المشهد من حزن وحنين للماضي، فهو يطرح أسئلة قاسية عن الأسباب الحقيقية، وعن المستقبل الذي ينتظره والذي ينتظره السوريين إذا استمرت الأمور كما هي.

جفاف نهر العاصي بداية الحكاية

تؤكد تقارير صحفية وبيئية متطابقة أن جفاف نهر العاصي في سوريا حدث لأول مرة منذ بدء تسجيل تدفقاته، بعد أن تراجعت الهطولات المطرية بشكل كبير، وانخفضت الينابيع المغذية للنهر، ووصل منسوب مخزون سد الرستن إلى حدوده الدنيا، وهو السد الرئيس الذي ينظّم جريان العاصي في المنطقة الوسطى.

في محافظة حمص، تحدثت مديرية الموارد المائية عن عام يعدّ من “أكثر الأعوام جفافاً منذ نحو مئة عام”، مع هطول 141 ميليمتراً فقط من أصل نحو 400 ميليمتراً تمثل المعدل السنوي المعتاد، ما انعكس مباشرة على كل المصادر المائية، وفي مقدمتها نهر العاصي.

كما سجّلت الأرقام الرسمية تراجع تصريف النهر عند دخوله الأراضي السورية إلى أقل من مترين مكعبين في الثانية، ثم إلى أقل من نصف متر مكعب عند سد الرستن، أي إلى مستوى لا يكفي عملياً لاستمرار الجريان الطبيعي في المجرى.

نهر متمرد وتاريخ عريق

يحمل العاصي اسمه من “عصيانه” لاتجاه غالبية الأنهار في المنطقة؛ فهو يجري من الجنوب إلى الشمال، من منابعه في هضبة الهرمل في لبنان، مروراً بمحافظتي حمص وحماة وسهل الغاب، ثم يعبر إلى الأراضي التركية قبل أن يصب في البحر المتوسط بطول يقارب 571 كيلومتراً. هذا الامتداد جعل منه نهراً عابراً للحدود، ومورداً مشتركاً بين ثلاث دول، وعنصراً مهماً في الأمن المائي والزراعي لسوريا ولبنان وتركيا معاً.

على ضفافه نشأت مدن، وازدهرت حضارات، ودارت نواعير حماة قروناً طويلة ترفع الماء من النهر لتسقي البساتين وتجلب الحياة إلى السهول المجاورة. لكن القصة القديمة لهذا النهر المتمرد اكتملت اليوم بفصل جديد عنوانه جفاف نهر العاصي، بعدما تراجع ماؤه إلى درجة توقفت معها النواعير عن الدوران، وغابت صورة النهر الأخضر من قلب المدينة.

أسباب خفية وراء الجفاف

يسهل تعليق ما حدث على شماعة “قلة المطر”، لكن القراءة الأعمق تكشف أن جفاف نهر العاصي هو نتيجة تراكب عوامل مناخية وسياسية وإدارية، فسوريا تعيش منذ سنوات موجة جفاف تُعدّ من الأسوأ منذ عقود، إذ تشير تقارير إلى أن البلاد تواجه أسوأ موجة جفاف منذ أكثر من 30 عاماً، مع تراجع كبير في معدلات الأمطار والثلوج وانخفاض منسوب الأنهار الرئيسة، وعلى رأسها الفرات والعاصي.

تعرّضت البنية التحتية المائية خلال سنوات الحرب لأضرار كبيرة، من محطات ضخ وسدود وقنوات ري، ما جعل إدارة الموارد المائية أكثر صعوبة وتعقيداً، كما أن الاعتماد المتزايد على الآبار الجوفية، كثير منها غير مرخّص، أدى إلى استنزاف المخزون الجوفي دون تعويض كافٍ من الأمطار، فزاد الضغط على النهر نفسه.

وتقارير دولية عن حوض العاصي تشير منذ سنوات إلى أن النزاع المسلح والتوسع العمراني والزراعي غير المنظم ساهمت جميعها في تقليل كفاءة استخدام المياه ورفع مستويات الهدر والتلوث.

ولا يمكن تجاهل بُعده العابر للحدود، إذ يعتمد جريان العاصي في سوريا على الوارد المائي من لبنان، الذي يعاني هو أيضاً من مواسم جفاف متتالية وتراجع كبير في مخزون السدود، ما يعني أن النهر يدخل الأراضي السورية وهو أضعف من أي وقت مضى.

زراعة مهددة وقرى قلقة

النتيجة المباشرة لـ جفاف نهر العاصي ظهرت في سهل الغاب ومحيط مدينة حماة، حيث تحوّل المجرى إلى برك راكدة وأرض متشققة، وانقطعت المياه عن مساحات واسعة من الأراضي الزراعية التي كانت تعتمد على النهر في ري القمح والخضروات والأشجار المثمرة. تقارير ميدانية تحدثت عن مزارعين اضطروا إلى ترك أراضيهم بوراً أو تقليص مساحاتها إلى الحد الأدنى، مع ارتفاع كلفة ضخ المياه من الآبار وغياب بدائل مستدامة.

وتلقّى القطاع السمكي ضربة قاسية أيضاً؛ إذ أدت موجات الجفاف المتتالية وانخفاض منسوب المياه إلى تراجع إنتاج المزارع السمكية في سهل الغاب من نحو 40% إلى أقل من 10%، حسب شهادات محلية، واضطر أصحابها إلى ضخ المياه من الآبار بتكاليف باهظة أو إيقاف نشاطهم بالكامل.

ومع انحسار المياه، نفقت أعداد كبيرة من الأسماك في المجرى نفسه، وظهرت مستنقعات ملوثة تهدد الصحة العامة كما تهدد ما تبقى من التنوع الحيوي في النهر.

هذه الخسائر لا تعني توقف بضعة مشاريع زراعية أو سمكية فحسب، بل تمسّ الأمن الغذائي لأسر كاملة تعتمد على النهر في رزقها اليومي، في بلد يعاني أصلاً من تراجع إنتاج القمح والمحاصيل الأساسية بفعل الجفاف والظروف الاقتصادية الصعبة.

من الأزمة إلى الحلول

تحويل قصة جفاف نهر العاصي من مأساة إلى نقطة تحوّل يتطلب رؤية مختلفة لإدارة الماء في سوريا، تنطلق من الاعتراف بأن التغير المناخي حقيقة، وأن النزاعات الطويلة تترك أثرها في كل تفصيل من تفاصيل الحياة، وأن الماء لم يعد مورداً متاحاً بلا حدود.

الخطوة الأولى هي بناء نظام إدارة متكامل لحوض النهر، يأخذ في الاعتبار علاقة العاصي بالأنهار والموارد الجوفية المجاورة، ويدمج الزراعة، والطاقة، واحتياجات المدن ضمن خطة واحدة، بدلاً من التعامل المجتزأ الذي يغلب عليه الطابع الإسعافي.

على المستوى العملي، يمكن التوسع في أنظمة الري الحديث قليلة الفاقد، وتشجيع زراعة المحاصيل الأقل استهلاكاً للمياه، وتحديث شبكات الري القديمة التي تهدر كميات كبيرة قبل أن تصل إلى الحقول. كما يمكن الاستثمار في إعادة استخدام مياه الصرف المعالجة في ري بعض المحاصيل، وتطوير برامج توعية مجتمعية حول ترشيد الاستهلاك وحماية الأنهار من التلوث. وعلى المستوى الإقليمي، يحتاج النهر إلى تفاهمات واضحة وعادلة بين الدول الثلاث التي يمر بها، لضمان حد أدنى من التدفق البيئي يحفظ الحياة في مجراه حتى في سنوات الجفاف.

وفي النهاية، لا يروي مشهد جفاف نهر العاصي قصة نهر واحد فقط، بل يلخص وضعاً مائياً مقلقاً يطال معظم أنهار المنطقة. وإذا كان العاصي، بكل تاريخه ورمزيته، قد وصل إلى هذه اللحظة الحرجة، فإن الرسالة واضحة: إعادة التفكير في علاقتنا بالماء لم تعد خياراً ترفيهياً، بل شرطاً أساسياً لاستمرار الحياة في الشمال السوري وفي سوريا كلها.

اقرأ أيضاً: «نهر الجنة».. كيف جفَّ نهر بردى ووصل إلى هذه الحال؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى