الطبقة وغرب الفرات: بوابة الصراع على النفط والمياه والسيادة السورية

بقلم هلا يوسف
تتجه الأنظار المحلية والإقليمية والدولية في المرحلة الراهنة نحو منطقة غرب الفرات، التي تشهد تصعيداً عسكرياً ملحوظاً بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية (قسد). وتنبع حساسية هذه المنطقة من كونها البوابة الجغرافية والعسكرية المؤدية إلى شرق الفرات، حيث تتركز الثروات النفطية والمائية والزراعية الأهم في سوريا، والتي ما تزال خاضعة لسيطرة قسد. وعليه، فإن السيطرة على غرب الفرات هي أيضاً خطوة استراتيجية ذات أبعاد اقتصادية وسياسية وعسكرية عميقة.
وفي هذا السياق، تبرز مدينة الطبقة بوصفها مركز الثقل الأبرز في غرب الفرات، لا سيما بعد إعلان الجيش السوري السيطرة عليها. ويستدعي هذا التطور التوقف عند الأهمية الاستراتيجية والعسكرية والاقتصادية للمدينة، إضافة إلى موقعها ضمن المشهد الأوسع لمنطقة غرب الفرات.
الأهمية الجغرافية والاستراتيجية لمدينة الطبقة
مدينة الطبقة هي مركز الطاقة والمياه في شمال سوريا، تقع على الضفة الجنوبية لنهر الفرات، غرب مجراه، وتشكل نقطة وصل حيوية بين شرق الفرات وغربه، وبين مدينة الرقة وريف حلب الشرقي. يمنح هذا الموقع المدينة دوراً محورياً في التحكم بعقد المواصلات الرئيسية، سواء على المستوى المدني أو العسكري. كما تضم المدينة مطار الطبقة العسكري، ما يعزز من قيمتها العملياتية لأي قوة تسيطر عليها.
وقبل التطورات العسكرية الأخيرة، كانت الطبقة تشكل مركزاً إدارياً مهماً ضمن مناطق سيطرة قسد منذ انسحاب قوات النظام السابق منها عقب سقوطه، إذ استخدمت كنقطة إدارة وتنظيم بين شرق وغرب الفرات، إضافة إلى كونها مركز إدارة لغرب محافظة الرقة. كما تضم المدينة مركزاً رئيسياً لتوزيع الكهرباء يغطي مساحة تقارب 50 كيلومتراً مربعاً، ما جعلها شرياناً حيوياً للطاقة في المنطقة.
أما على الصعيد الاجتماعي، فقد تميز مجتمع الطبقة بطابع مدني مختلط، واستقطبت المدينة أعداداً كبيرة من العمال والموظفين قبل اندلاع الثورة السورية، نتيجة وجود سد الفرات والمشاريع المرتبطة به في مجالات الطاقة والزراعة.
إدارياً، تُعد الطبقة ثاني أكبر مدن محافظة الرقة بعد مركز المحافظة، وتقع على بعد نحو 55 كيلومتراً غرب مدينة الرقة، وحوالي 140 كيلومتراً شرق مدينة حلب، ما يعزز دورها كحلقة وصل بين الشمال السوري وشرقه.
وتتضاعف أهمية مدينة الطبقة بوجود سد الفرات (سد الطبقة)، الذي يُعد أحد أكبر السدود في سوريا والوطن العربي. ولا يقتصر دور السد على توليد الطاقة الكهربائية، بل يشكل العمود الفقري لمشاريع الري والزراعة في مساحات واسعة من شمال وشرق سوريا. وبذلك، يتحول السد إلى ورقة ضغط سياسية واقتصادية شديدة الحساسية.
حيث يقع سد الفرات على نهر الفرات، الذي يبلغ طوله نحو 2800 كيلومتر، وينبع من تركيا قبل أن يمر عبر سوريا والعراق، ويبلغ طول السد نحو 4.5 كيلومترات، وارتفاعه قرابة 60 متراً، فيما يصل عرضه عند القاعدة إلى 512 متراً. وتشكل المياه المحتجزة خلفه بحيرة يزيد طولها عن 50 كيلومتراً، وتغطي مساحة تقارب 630 كيلومتراً مربعاً، بسعة تخزينية تصل إلى 12 مليار متر مكعب، ما يجعلها أكبر احتياطي مائي في سوريا.
أي تهديد لأمن السد أو استقراره لا يقتصر تأثيره على مدينة الطبقة أو محافظة الرقة فحسب، بل قد يؤدي إلى كارثة إنسانية وبيئية واسعة النطاق، تشمل فيضانات قد تطال مناطق شاسعة في شمال سوريا والعراق على حد سواء.
اقرأ أيضاً: كاريكاتير: ذهب الفرات الفالصو والحقيقي!
التقسيم العمراني والبنية الاجتماعية
تنقسم مدينة الطبقة عمرانياً إلى قسمين رئيسيين. يتمثل القسم الأول في المدينة الجديدة التي أُنشئت بعد بناء سد الفرات عام 1968، وتعرف باسم مدينة الثورة. أما القسم الثاني فهو المدينة القديمة، المعروفة تاريخياً باسم الطبقة، والتي كانت في الأصل بلدة صغيرة اكتسبت أهميتها من موقعها القريب من نهر الفرات، وخصوبة أراضيها الزراعية، وقربها من بحيرة السد ومعالم أثرية وسياحية بارزة مثل قلعة جعبر ومنطقة الكرين.
يغلب الطابع العشائري على سكان أحياء المدينة القديمة، وتُعد عشائر الناصر والوهب والمنغية من أبرز المكونات الاجتماعية فيها. في المقابل، تتميز مدينة الثورة بطابع أكثر تنوعاً، إذ استقطبت العاملين في سد الفرات من مختلف المحافظات والمكونات السورية، إضافة إلى ما كان يعرف “بمساكن الضباط” أو الحي الرابع.
تعاقب القوات المسيطرة على المدينة
مع اندلاع الثورة السورية، كانت الطبقة من أوائل المدن التي شهدت حراكاً مدنياً مناهضاً للنظام السوري. ففي نيسان 2011، أي بعد شهر واحد فقط من انطلاق الثورة، خرجت مظاهرة حاشدة من جامع الحمزة باتجاه دوار الكنيسة. وكغيرها من المدن السورية، واجهت الطبقة حملة قمع شديدة، شملت الاعتقالات والملاحقات الأمنية بحق المشاركين في الاحتجاجات.
في 12 شباط 2013، تمكن الجيش السوري الحر من السيطرة على المدينة بعد معارك استمرت عدة أيام، بمشاركة فصائل أبرزها لواء أويس القرني، الذي شكل أبناء المدينة غالبية مقاتليه، إلى جانب كتيبة البراء بن مالك، وبدعم من لواء التوحيد العامل في حلب آنذاك. عقب ذلك، جرى تشكيل مجلس محلي من أبناء المدينة لإدارة شؤونها.
لم تستمر سيطرة الجيش الحر طويلاً، إذ سقطت المدينة بيد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) مطلع عام 2014، بعد معركة عنيفة استمرت 14 يوماً، وذلك عقب سقوط مدينة الرقة. وضُمت الطبقة لاحقاً إلى ما أطلق عليه التنظيم اسم “الخلافة الإسلامية”.
غالبية عناصر التنظيم في المدينة كانوا من المقاتلين الأجانب، ولا سيما من الشيشان والأوزبك، واتخذوا من مساكن الضباط والمناطق المحيطة ببحيرة السد مقرات لهم. وخلال هذه المرحلة، شهدت المدينة قبضة أمنية قاسية، وعمليات إعدام علنية، إضافة إلى ممارسات الترهيب التي فرضتها “الحسبة” على المدنيين.
وفي السادس من تشرين الثاني 2016، أطلقت قسد حملة “غضب الفرات” للسيطرة على محافظة الرقة. وبعد تقدمها في الأرياف الشرقية والشمالية والغربية، شنت هجوماً على مدينة الطبقة في آذار 2017، تخلله إنزال جوي بدعم من التحالف الدولي. وفي مطلع أيار 2017، تمكنت قسد من السيطرة على المدينة بعد معارك عنيفة مع تنظيم داعش.
وشهدت الطبقة لاحقاً جهوداً محلية لإعادة تأهيل البنية التحتية، شملت إصلاح الطرق وشبكات المياه والكهرباء، وإعادة افتتاح مئات المدارس وعشرات المراكز الصحية، إضافة إلى إنعاش القطاع الزراعي المرتبط بالسد، وتشجيع المشاريع الاقتصادية الصغيرة. كما أُعيد إحياء النشاط الثقافي والاجتماعي عبر المركز الثقافي والفني، في محاولة لاستعادة الطابع التعددي للمدينة.
اقرأ أيضاً: نهر الفرات يلفظ أنفاسه.. من ينقذ شريان الحياة في سوريا والمنطقة؟!
غرب الفرات: مثلث الطبقة – مسكنة – دير حافر
لا يمكن فهم أهمية الطبقة بمعزل عن مدينتي مسكنة ودير حافر، إذ تشكل المدن الثلاث مثلثاً استراتيجياً حاسماً لأي قوة تسيطر عليه. تقع دير حافر على بعد نحو 50 كيلومتراً شرق حلب، وتُعد ملتقى طرق مؤثراً على خطوط التماس في ريف حلب الشرقي. وهي منطقة ذات طابع عشائري ريفي، شهدت وجوداً لقسد لفترة قصيرة “منذ سقوط النظام السابق” قبل أن يستعيدها الجيش السوري عقب انسحاب قواتها.
أما مسكنة، فتبعد قرابة 100 كيلومتر عن مدينة حلب، وتشكل عقدة وصل بين شرق حلب ومناطق الرقة. تعاملت قسد معها كمنطقة ضبط أمني أكثر من كونها منطقة اندماج سياسي واجتماعي، لكنها شكّلت نقطة ارتكاز سمحت بالتحكم بمحاور الحركة بين شرق حلب والرقة ومحيط بحيرة الفرات.
الحقول النفطية في محيط المدينة
أعلن الجيش السوري أمس السبت، عن السيطرة على ثلاثة مواقع نفطية هي حقل صفيان، وعقدة الرصافة، وحقل الثورة (الطبقة)، وهي من أهم المناطق النفطية في شمال وشرق سوريا، لما تحمله من أهمية اقتصادية وعسكرية.
حيث يقع حقل صفيان في الريف الجنوبي الشرقي لمحافظة الرقة، ويُعد من الحقول متوسطة الإنتاج، وقد سيطرت عليه قسد عام 2017. أما عقدة الرصافة، فهي نقطة تقاطع لخطوط نقل النفط والغاز جنوب غرب الرقة. في حين يُعد حقل الثورة من أكبر الحقول النفطية في المنطقة قبل عام 2011، وسيطر عليه تنظيم داعش بين عامي 2014 و2017 قبل انتقاله إلى قسد.
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن الإنتاج الإجمالي للحقول الثلاثة يتراوح بين 3000 و6000 برميل يومياً، بإيرادات شهرية تقدر بنحو 4 إلى 5 ملايين دولار، ما يمنح الجهة المسيطرة قدرة على التحكم بحركة النفط شرق الفرات.
اليوم، ومع اقتراب الجيش السوري من بسط سيطرته الكاملة على مدينة الطبقة ومطارها العسكري، تواجه المنطقة تحديات جسيمة، أبرزها الدمار الواسع، وانتشار الألغام، والتهديد الأمني من خلايا تنظيم داعش، إضافة إلى انخفاض منسوب مياه الفرات وتأثيره على الزراعة وتوليد الكهرباء.
ويبقى السؤال مفتوحاً حول المرحلة المقبلة: هل تتجه الأمور نحو مواجهة واسعة في شرق الفرات مع قوات قسد للسيطرة على مركز الثقل النفطي والزراعي والمائي؟ إذ تشير معظم التحليلات إلى أن استعادة السيادة السورية الكاملة ستظل رهناً بالسيطرة على هذه المنطقة الحيوية.
اقرأ أيضاً: قنابل موقوتة في شرق الفرات!









