أعمال واستثمار

الطاقة السورية بين شيفرون وكركوك–بانياس: هل تبدأ مرحلة التنفيذ لا مذكرات التفاهم؟

الكاتب: أحمد علي

لا يعود قطاع الطاقة من الخراب بالتوقيعات وحدها، فقد تحمل مذكرة تفاهم اسم شركة كبرى، وقد يمر موكب صهاريج من حدود إلى ميناء، لكن السؤال يبقى في مكان آخر، هل بدأ التنفيذ فعلاً، أم أن سوريا تدخل موسماً جديداً من الوعود الثقيلة؟

العنوان اليوم له طرفان واضحان، شيفرون في البحر، وكركوك–بانياس على البر. الأول يفتح باب التنقيب البحري للمرة الأولى بجدية بعد سنوات الحرب والعقوبات، والثاني يعيد إلى الواجهة خطاً قديماً كان يصل نفط العراق بالمتوسط قبل أن يتوقف نهائياً عام 2003. بينهما تقف الطاقة السورية أمام امتحان مختلف. فلم يعد المطلوب إعلان نوايا، بل قدرة على تحويل الجغرافيا إلى بنية عمل.

الطاقة السورية بين البحر والخط القديم

وقّعت الشركة السورية للنفط في 4 شباط 2026 مذكرة تفاهم مع شيفرون الأميركية وشركة UCC Holding القطرية، التابعة لمجموعة Power International Holding، لتقييم فرص التنقيب عن النفط والغاز في المياه السورية. وهذا ليس عقد إنتاج بعد، لكنه ليس تفصيلاً صغيراً أيضاً. فوجود شركة بحجم شيفرون في ملف بحري سوري يعني أن الباب الذي كان مغلقاً تقريباً بدأ يتحرك.

ثم جاءت خطوة أيار 2026 لتدفع الأمر درجة أخرى، فقد أعلنت الشركة السورية للنفط تحديد موقع بحري لأول مشروع نفط وغاز في المياه العميقة مع شيفرون وUCC Holding، تمهيداً لاستكمال العقود وبدء الأعمال الفنية في الصيف. وهنا يظهر الفرق بين مذكرة التفاهم وبين أول خطوة تنفيذية. فالتحديد الفني للرقعة لا يعني اكتشافاً، ولا يعني إنتاجاً قريباً، لكنه ينقل الملف من الكلام العام إلى مساحة يمكن قياسها ومسحها واختبارها.

ولكي لا يجري تضخيم الصورة، يجب تثبيت حدها. الاستكشاف البحري طريق طويل. تصريحات الرئيس التنفيذي للشركة السورية للنفط يوسف قبلاوي تحدثت عن إمكان بدء التحضير والحفر قبل الصيف، وعن فترة قد تصل إلى أربع سنوات للوصول إلى احتياطيات غاز محتملة. هذا يعني أن أثر شيفرون، إن نجح، لن يحل أزمة الكهرباء أو الوقود في الأشهر المقبلة. البحر لا يعطي جواباً سريعاً.

لكن الأهمية ليست زمنية فقط. سوريا قبل 2011 كانت تنتج نحو 380 ألف برميل يومياً، وكانت صادرات النفط، وفق تقارير دولية، تدر أكثر من 3 مليارات دولار في 2010. الحرب كسرت هذه البنية. الحقول تضررت، خطوط النقل تعطلت، المصافي عملت تحت ضغط، والعقوبات ضيّقت الحركة المالية والتقنية. لذلك فإن عودة الشركات الكبرى، بعد تخفيف العقوبات الأميركية والأوروبية في 2025، تعني أن ملف الطاقة لم يعد محصوراً بإدارة النقص. بدأ يبحث عن إعادة بناء.

كركوك–بانياس ليس ذكرى

في الجهة الأخرى يتحرك خط كركوك–بانياس من الذاكرة إلى الحسابات العملية. الخط بُني عام 1952 لنقل النفط من حقول كركوك العراقية إلى ميناء بانياس السوري على المتوسط، وتوقف مرات عدة قبل أن يتوقف نهائياً عام 2003 بعد أضرار الحرب. طاقته التاريخية كانت تدور حول 300 ألف برميل يومياً. الرقم هنا مهم لأنه يوضح لماذا يعود الخط كلما ضاقت طرق التصدير العراقية.

العراق يصدر عادة نحو 3.6 ملايين برميل يومياً، وكان نحو 3.4 ملايين برميل منها يخرج عبر مرافئ البصرة قبل صدمة حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز مؤقتاً. عندما يتعرض هذا الممر للضغط، يصبح المتوسط فكرة عملية لا خريطة قديمة. لذلك بدأ العراق منذ نيسان 2026 بتصدير الفيول عبر ميناء بانياس بعد نقله بالصهاريج داخل الأراضي السورية، ثم بدأ الحديث عن توسيع المسار ليشمل الخام والنفتا.

الأرقام التي نشرتها رويترز تكشف أن الأمر خرج من نطاق الاجتماع السياسي. العراق منح عقوداً لتوريد نحو 650 ألف طن متري من الفيول شهرياً بين نيسان وحزيران، بينما قالت مصادر سورية وعراقية إن الخام قد يبدأ بالعبور إلى سوريا بحدود 50 ألف برميل يومياً عندما تجهز منشآت التحميل. كما تحدثت مصادر سورية عن قدرة بانياس على تفريغ متوسط يقارب 900 صهريج يومياً، وعن فتح مساحات تفريغ إضافية للتعامل مع الخام والنفتا.

هذا تنفيذ، لكنه تنفيذ اضطراري ومؤقت ومكلف. الصهريج ليس خط أنابيب. الطريق المتضرر ليس ممراً استراتيجياً مستقراً. وقد تحدثت تقارير عن ازدحام طويل للصهاريج، وحوادث على الطرق، واعتراضات محلية في الشمال الشرقي بسبب أسعار الوقود وتردي المعيشة. لذلك تبدو عودة كركوك–بانياس الحقيقية مرتبطة بإحياء الأنبوب لا بمجرد استمرار النقل البري.

وقد بدأت بغداد ودمشق فعلاً مناقشة إحياء الخط، وتحدثت تقارير في 2025 عن تعيين مستشار دولي لتقييم حالته وجدوى تشغيله، إلى جانب لجنة فنية مشتركة. هذا يعني أن القرار لم يعد أمنية عراقية فقط، لكنه ما زال بعيداً عن الضخ المنتظم. فالخط يمر في جغرافيا سياسية وأمنية معقدة، ويحتاج إلى تأهيل محطات ومقاطع وأنظمة قياس وحماية، كما يحتاج إلى اتفاق واضح حول الرسوم والملكية والمسؤولية.

الاختبار في التنفيذ

تتجمع أمام سوريا اليوم ثلاث طبقات في ملف الطاقة. طبقة عاجلة اسمها عبور الفيول والنفط العراقي عبر بانياس. طبقة متوسطة اسمها إعادة تأهيل خط كركوك–بانياس وربط العراق بالمتوسط. وطبقة أطول زمناً اسمها الاستكشاف البحري مع شيفرون وشركات أخرى مثل TotalEnergies وQatarEnergy وConocoPhillips التي وقعت مذكرة لمراجعة بلوك بحري قرب اللاذقية.

هذه الطبقات لا تلغي بعضها. لكنها لا تعني الشيء نفسه. عبور النفط يعطي سوريا رسوماً ودوراً لوجستياً، لكنه لا يبني وحده قطاع طاقة. إحياء الأنبوب قد يحولها إلى ممر إقليمي، لكنه سيجعل أمنها وطرقها ومنشآتها جزءاً من حسابات النفط العراقي. أما الاستكشاف البحري فقد يفتح مورداً سورياً جديداً، لكنه يحتاج إلى سنوات واستثمارات وتثبيت قانوني ومالي لا يحتمل الارتجال.

الفرق بين المذكرة والتنفيذ يظهر هنا. التنفيذ ليس صورة توقيع، بل قدرة على حل التفاصيل الثقيلة. من سيدفع كلفة التأهيل؟ من يؤمن الطريق؟ كيف تُحسب رسوم العبور؟ هل تبقى عوائد الطاقة داخل حسابات عامة شفافة؟ هل ينعكس أي تحسن على الكهرباء والوقود والأسعار؟ هذه الأسئلة ليست إدارية. إنها جوهر المسألة.

البنك الدولي عدّ تأهيل قطاع الكهرباء استثماراً حاسماً لتحسين معيشة السوريين وعودة الخدمات، ووافق في حزيران 2025 على منحة بقيمة 146 مليون دولار لمشروع طارئ في الكهرباء. هذه الإشارة تضع ملف النفط والغاز في مكانه الصحيح. الطاقة ليست ملف شركات فقط. هي خبز، ونقل، ومصنع، ومشفى، ومدرسة، وساعات كهرباء. إذا بقيت العوائد في مستوى الترانزيت والصفقات، فلن يشعر الناس بالتحول.

هناك فرصة حقيقية، وهذا واضح. العقوبات خفّت، الشركات الكبرى عادت لتختبر المياه، العراق يبحث عن طريق لا يمر كله عبر الخليج، وسوريا تمتلك ساحلاً يمكن أن يكون ذا قيمة إقليمية. لكن الفرصة لا تكفي. البلدان لا تنهض من الحرب لأنها وقعت مذكرات، بل لأنها بنت مؤسسات قادرة على تنفيذ ما توقعه، ومراقبة ما تنفذه، وتوزيع نتائجه بطريقة تمنع عودة الاحتكار والفساد.

الخلاصة أن الطاقة السورية تقف بين بداية تنفيذ وبقايا وعود. شيفرون ليست إنتاجاً غداً، وكركوك–بانياس ليس أنبوباً عاملاً بعد. لكن المسارين معاً يقولان إن موقع سوريا بدأ يدخل مجدداً في حسابات الطاقة الإقليمية. الاختبار الآن ليس في عدد المذكرات، بل في تحويلها إلى عقود واضحة، وبنية آمنة، ومردود داخلي ملموس. دون ذلك ستبقى الطاقة خبراً كبيراً على الورق، وحاجة يومية معلقة في حياة الناس.

اقرأ أيضاً: وزارة الطاقة تشكل لجنة لتحديد أسعار المحروقات والثروات المعدنية

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى