الطائفية في الحرب السورية: سبب أشعل الصراع أم نتيجة لمأساته؟

الكاتب: أحمد علي
في المشهد السوري الدامي الممتد منذ عام 2011، تحضر الطائفية كإحدى العدسات التي يفسر بها كثيرون جذور الصراع وتفاصيله. تظهر على سطح الأحداث أصواتٌ وشعاراتٌ ذات طابع طائفي، حتى يخيل للبعض أن الحرب السورية لم تكن إلا انفجاراً لعقود من الاحتقان المذهبي. ولكن هل كانت تلك الطائفية شرارةً أشعلت فتيل الحرب فعلاً، أم أنها لهبٌ مستعر أذكته نار الصراع المستمر، واستفادت منه أيادي النظام؟ للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي النظر في حقيقة أسباب الثورة السورية ومسار أحداثها، وكيف تفاعلت الهويات المذهبية مع الحرب. فالصورة ليست بالأبيض والأسود؛ إذ تختلط فيها جذور سياسية واقتصادية – اجتماعية عميقة مع تناقضات طائفية كانت كامنة قبل الحرب ثم طفت على السطح أثناءها.
الطائفية في الحرب السورية: تناقضٌ ثانوي لا سبب أصيل
عندما اندلعت الثورة السورية في ربيع 2011، لم تكن بدوافع طائفية على الإطلاق. خرج السوريون بمختلف طوائفهم إلى الشوارع مطالبين بالحرية والكرامة وتحسين ظروف المعيشة بعد عقود من الحكم الاستبدادي، متأثرين بموجة ما سمي بالـ «الربيع العربي» في المنطقة. وشدد المتظاهرون السلميون في بدايات الثورة على شعار الوحدة الوطنية، مؤكدين أن “كل السوريين هم شعب واحد”، رافعين شعار “واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد”. كان هذا التأكيد على الهوية الوطنية الجامعة دليلاً واضحاً على أن الفوارق المذهبية لم تكن هي المحرك الأساسي للاحتجاجات الشعبية.
ورغم أن بنية النظام الحاكم حملت في طياتها بعداً طائفياً في التركيبة السياسية والأمنية – إذ هيمن مسؤولون من فئات محددة على مفاصل الجيش والأجهزة الأمنية لعقود – فإن جوهر الثورة كان انتفاضة شعبية عامة ضد القمع والفساد، لا ضد فئة بعينها. أراد المتظاهرون التخلص من الديكتاتورية بغض النظر عن الانتماء الطائفي لرأس النظام. صحيح أن سيطرة أبناء طائفة معينة على أجهزة القمع في الدولة ولّد شعوراً لدى كثيرين بأن السلطة فئوية التوجه، لكن النظام نفسه لم يكن نظاماً دينياً طائفياً بمقدار ما كان نظاماً سلطوياً تهيمن عليه عائلة الأسد وحاشيتها.
لذلك يؤكد محللون كثر أن الطائفية في الحرب السورية مجرد تناقض ثانوي وليست هي أساس الصراع. ولم تكن الثورة السورية بالتأكيد ذات دوافع طائفية؛ بل كانت الطائفية أحد العوامل الثانوية التي ظهرت خلال الصراع وكان لها تأثيرٌ مدمرٌ. ورغم أنها لم تكن شرارة البداية، أصبحت لاحقاً وقوداً يُغذي نار الحرب.
اقرأ أيضاً: من هو جمهور السياسة من السوريين في 2025؟
الحرب السورية تفجِّر الخلافات الطائفية
مع تحول الثورة السلمية إلى نزاع مسلح وحرب شاملة، طفت على السطح أسوأ كوابيس الطائفية الكامنة. شهدت البلاد خلال سنوات الحرب انتهاكات واعتداءات متبادلة ذات طابع طائفي من مختلف الأطراف، مما قوض جسور الثقة بين مكونات المجتمع. تناقلت الأخبار وقوع مذابح وعمليات تطهير وتهجير وخطف وعنف جنسي على أساس الهوية المذهبية. ومثل هذه الجرائم والانتهاكات عمّقت مشاعر الخوف والكراهية بين الطوائف، وأضعفت الآمال بأي مصالحة قريبة بين السوريين المتحاربين.
زاد من اشتعال نار الفتنة أيضاً خطاب الكراهية والتحريض الطائفي الذي صاحب الحرب. ظهرت شعارات طائفية خطيرة في بعض التجمعات، مثل هتاف “العلوي عَ التابوت والمسيحي عَ بيروت” الذي رفعه متشددون من المعارضة في بدايات الأزمة، كما بثّت بعض القنوات الدينية من الخارج خطباً تصب الزيت على النار، أشهرها خطاب داعية معروف عام 2013 وصف فيه “العلويين” بأنهم “أشد كفراً من اليهود والنصارى”.
على الجانب الآخر، استغل النظام السوري هذه الخطابات لإثارة مخاوف “الأقليات” وتصوير الثورة على أنها مؤامرة أصولية تستهدفهم. وهكذا انتشر التخويف المتبادل: المعارضة تتهم النظام بأنه طائفي يستهدف “السنّة”، والنظام يصوّر نفسه كحامي “الأقليات” من “التطرف السنّي”. بل إنّ النظام كان يستخدم زبانيته بشكل مقصود لإخافة “الأقليات”. وفي حديث لأحد المصادر الخاصة بـ «سوريا اليوم 24»، أكّد أحد العارفين بأنّ النظام كان – أثناء المعارك الشديدة في حمص – يرسل سيارات بمكبرات صوت لتضع خطباً قرآنية وأغاني جهادية في أحياء “العلويين”.
بل إنّ النظام غالى في غيّه أكثر من ذلك، إذ كان يعقد الاتفاقات السرية والمشبوهة مع جهات متطرفة دينياً، بحيث يساعدها، أو يسمح لها على أقلّ تقدير – عبر سحب حواجزه وجنوده – بالدخول وارتكاب المجازر في قرى ومناطق يسكنها ما يسمّى “بالأقليات الدينية”. حدث ذلك على الأقل في سلميّة، وفي السويداء، وبعض مناطق البادية.
ساهم هذا الاستقطاب الإعلامي والميداني في دفع الكثير من أبناء “الأقليات الدينية” إلى الإنكفاء خلف النظام طلباً للحماية. شعر العديد منهم بأنهم مجبَرون على الوقوف إلى جانب النظام خوفاً من انتقام طائفي محتمل في حال انتصار المعارضة. وقد غذّى النظام ذاته هذه المخاوف عبر دعايته، في حين تبنّت بعض الفصائل الإسلامية المتشددة خطاباً طائفياً صريحاً ضد كل من لا ينضوي تحت رايتها. والنتيجة كانت دوران عجلة الاستقطاب: كلما ازداد عنف الصراع، ازداد الانقسام المذهبي رسوخاً، وكلما تعمق الشرخ الطائفي، أصبح الصراع أشد ضراوة وتعقيداً.
بمرور الوقت، أدى صعود الجماعات الجهادية في صفوف المعارضة إلى إضفاء طابع طائفي أوضح على بعض جبهات القتال. فمع سيطرة فصائل إسلامية متشددة على مناطق واسعة – مثل تنظيم “داعش” – ارتفعت حدة الاستقطاب المذهبي بشكل أكبر. كذلك، كرست سنوات القتال فعلياً انقسامات جغرافية وديمغرافية على أسس طائفية وعرقية في سوريا؛ فقد أفرزت الحرب “كيانات” أمر واقع ذات صبغة محددة: إدارة ذاتية كردية في الشمال، ووضع خاص لأهل الجبل في السويداء، وجبال الساحل ذي الأغلبية العلوية التي كانوا يسمونها “بخزانه البشري”.
هكذا فجّرت الحرب السورية التناقضات المذهبية الكامنة وحوّلتها من حالة خامدة تحت السطح إلى محرّك رئيسي يدفع عجلة الصراع. وما بدأ كثورة شعبية ذات مطالب سياسية مشروعة، انزلق تدريجياً – بفعل القمع الوحشي وسنوات القتال والتعبئة المتبادلة – نحو صراع يرى البعض أنه بات في جوهره صراعاً طائفياً بين مكونات دينية. ورغم أن هذه الرؤية تختزل المشهد وتعتم على حقيقة الأسباب العميقة، فإنها تعكس مدى تغلغل العامل الطائفي في جسد الحرب السورية بعد كل ما جرى.
واقع موضوعي لا يمكن تجاهله
قد يذهب البعض إلى القول إنه ينبغي إبعاد العامل الطائفي تماماً عند تحليل الأزمة السورية، والتركيز فقط على العوامل السياسية والاقتصادية – الاجتماعية الجوهرية. وهنا من المفيد التوضيح أنه لا شك أن الطائفية لم تكن المحرك الأساسي للثورة، لكن التناقضات الطائفية التي برزت خلال الحرب أصبحت واقعاً موضوعياً لا يمكن إنكاره.
فسنوات الاستبداد الطويلة في ظل حكم البعث غذّت بشكل غير مباشر علاقات ريبة وعداء بين مكونات المجتمع السوري، رغم حرص النظام على خطاب قومي ظاهري. وحين اندلعت شرارة الثورة وتبعتها نار الحرب، تفاعلت تلك الخلفيات الكامنة مع الأحداث لتصبغها بألوان طائفية قاتمة. أضف إلى ذلك أن التدخلات الإقليمية خلال الصراع وبعده ساهمت بقوة في تعميق الشرخ المذهبي بين السوريين. هذه كلها عوامل موضوعية جعلت الهويات الطائفية تبدو كأنها اللاعب المهيمن في المشهد السوري الراهن، بعد أن كانت مجرد ولاءات ثانوية تحت سطح السياسة.
ختاماً، إن الطائفية في الحرب السورية لم تكن إذن سبب اندلاعها، بل نتيجة أفرزتها تعقيدات الصراع وعنفه وتدخلات الآخرين فيه. لكنها نتيجة سرعان ما تحولت إلى عامل يغذي الحرب ويطيل أمدها في حلقة مفرغة. من هنا، فإن أي تحليل موضوعي للأزمة السورية لا يمكن أن يتجاهل ذلك. صحيح أن جذور المشكلة سياسية مرتبطة بالاستبداد والفساد وغياب العدالة، لكن التوترات الطائفية أصبحت جزءاً من واقع الحرب ولا بد من معالجتها عند البحث عن مخرج ومستقبل آمن للسوريين.
وربما يكمن الأمل في إدراك السوريين أنفسهم، بعد كل هذه المآسي، أن انقساماتهم المذهبية كانت إلى حد كبير نتاج استغلال سياسي وظرف تاريخي مأساوي أكثر من كونها عداوات أصيلة وقدر محتوم. عندها فقط يمكن أن تتراجع نار الطائفية المشتعلة، ليحل محلها إحساس جديد بهوية وطنية مشتركة تُضمّد الجراح وتجمع كافة أبناء البلد على مصير ومستقبل واحد.
اقرأ أيضاً: هل ستشن أنقرة «حرباً ضروساً» ضد قسد وأكراد سوريا؟









