الضغوط النفسية في جوارح السوريين بين الوطن والمنفى

لا مفر من القيود. كأن القدر مُصمم على تكبيل السوريين. فمن ينفد من قيود المادة تلاحقه قيود الروح.. الضغوط النفسية تحاصر الشعب السوري في خِضم يومه وتلاحقهم أينما حلّوا داخل أسوار الوطن وخارجه. في الداخل ظَللت وطأة الحرب على قلوب السوريين ونشرت جراحها. فبين باحثٍ عن مُحب مفقود هنا ولقمة عيشٍ هناك تمزقت جوارح السوريين. فَرضت تحديات الحالة السورية نفسها جاثمة على قلوب الشعب السوري.. فارضةً إيقاعات معيشية صعبة، فتفاصيل الحياة في الداخل دائماً ما تتحول ومهما كانت صغيرة لمعركة وجودية يومية تستنزف أرواح السوريين قبل أجسادهم.
أما خارج البلاد، الحنين وحش باسم لطيف.. ينهش عقل المنفيين عن الوطن والمبعدين قسراً عنه قبل أن يجهز على قلوبهم ألماً واشتياقاً لمحبيهم وأهلهم. يُثقل الفقدان كاهل السوري في الغربة فيزيد كُربته في الغربة كُربة، ويبقيه شعوره بالعجز والهجران طَريح ضغوطٍ نفسية حاصرته.. لتتركه يصارع في الحياة بين خيط النجاة والغرق في بحر الاشتياق.
أثر الضغوط النفسية على السوريين بين الداخل والخارج
وفق مسح أجرته منظمة الصحة العالمية عام 2020، وكانت الحرب في سوريا ما تزال قائمة وتشهد صراعات عنيفة، أكدت المنظمة إصابة 44% من المشاركين المقيمين داخل سوريا باضطراب نفسي حاد، و27% بالأعراض الكاملة للاضطراب النفسي الحاد المصاحب لاضطراب إجهاد ما بعد الصدمة، وهو حسب الرابطة الأميركية لعلم النفس، جملة من مشاعر مزعجة، تتعلق بتجارب سابقة، قد تستمر لفترات طويلة، وقد يعيش المصابون الحدث مرة أخرى من خلال ذكريات الماضي أو الكوابيس.. في حين تشير تقديرات أممية إلى أن فرداً من كل 5 أفراد يقيمون في منطقة تشهد نزاعاً مسلحاً في البلاد، قد عانى من اضطرابات ما بعد الصدمة، ومن ضعف في مؤشرات الصحة. هذا ما ينطبق على ملايين السوريين الذين عنوا من ويلات الحرب على مدار 14 عاماً.
في سياق متصل أكدت مصادر أممية أخرى أن نحو 50% من إجمالي السكان، لا سيما فئة النساء والأطفال، في حاجة إلى خدمات صحية نفسية ودعم نفسي اجتماعي. كما يرى أحد الباحثين ومختصي النفس السوريين، أن المواجهات والصراع العسكري، والحالات الطارئة والتي تكون دامية في بعض الأحيان، إلى جانب خوض غمار تحديات سبل العيش السائدة منذ أكثر من عقد من الزمن وفقاً للحالة السورية، أودت لتفاقم الحالة الصحية لملايين السوريين، سواء في المناطق التي كانت تسيطر عليها حكومة بشار، أو في المناطق المحررة آنذاك.
كما أفادت دراسة أجريت في آذار من العام 2023 أن نحو 260 تجمعاً سكنياً شمال غرب سوريا، أعرب 65% من سكانه عن حاجتهم إلى خدمات الصحة الذهنية والدعم النفسي والاجتماعي. هذه الدراسة شملت لقاءات مع نحو 1600 شخصاً.
أما الهاربون من الموت في الخارج، أفادت السلطات التركية بأن 55% من اللاجئين السوريين على أراضيها في حاجة إلى دعم نفسي. في الأردن لا يختلف الأمر، فلقد أجريت دراسة نشرتها الصحة العالمية عن تقييم أجرته مؤسسة أسترالية وطنية أن 13% من الشباب اللاجئين السوريين الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و24 عاماً، ظهرت عليهم أعراض سريرية للاكتئاب.
كما بينت دراسة أجرتها الغرفة الألمانية الاتحادية للمعالجين النفسيين، في السياق ذاته أن نصف اللاجئين السوريين لديها يعانون من مشاكل عقلية. بينما أكد الأطباء أن حوالي 75% من حالات الاكتئاب هي حالات غير مشخصة ولا تراجع الطبيب، وتختلف الأسباب في ذلك بين عدم ادراك المريض لحالته وعدم وعيه لأهمية مراجعة الطبيب، إضافةً إلى القيود الاجتماعية والفقر.
اقرأ أيضاً: العودة إلى سوريا… ما الذي ينتظر اللاجئين؟
الأزمات القلبية تتصاعد بين الشباب كلما ازدادت الضغوط
نتيجة تفاقم الأزمة الاقتصادية في سنين الحرب العجاف، ارتفعت نسبة الاضطرابات النفسية لدى كل من الرجال والنساء خاصة اضطرابات القلق والاكتئاب، والسبب حسب المرضى هو الغلاء والشعور بالعجز عن تأمين مستقبل لأطفالهم. أفادت تقارير طبية أن أسباب ارتفاع الجلطات القلبية والدماغية لدى الشباب دون الثلاثين والراشدين دون الخمسين في سوريا، وتزايد نسبة القلق والرهاب الاجتماعي والوسواس القهري يرجع للظروف المعيشية السيئة التي شهدتها وتشهدها البلاد حتى هذه اللحظة. الفئة الأكثر تأثراً بالصراع هي فئة الأطفال، فقد ظهرت عليهم اضطرابات نفسية وسلوكية لم تكن منتشرة بشكل كبير في المجتمع السوري مثل: التوحد.
العيادات النفسية في البلاد، بات يغزوها المرضى لسوء الحالة الاقتصادية وتنامي شعور العجز عندهم لعدم قدرتهم على دعم عائلاتهم، أو حتى إطعام أطفالهم فقد انطفأ مستقبلهم بالكامل. كل ذلك إلى جانب التفكير المستمر في كيفية الحصول على أبسط متطلبات الحياة وتأمينها في ظل الغلاء الحالي.
في سياق متصل، سُجلت حالات الانتحار عند النساء بشكل أكبر من الرجال، في حين ظهرت الاضطرابات المزاجية عند الرجال أكثر. كما تزايدت لدى عامة الشعب بمختلف شرائحه حالات الاضطرابات المزاجية التي ترافقت بنوبات غضب بعضها كان حاد بشكل كبير. نجم عن تلك الضغوط النفسية مشكلات أسرية واجتماعية هددت الأمن النفسي للفرد وفككت بعض الأسر.
حسب اخصائيين نفسيين يكمن الحل، في رفع المجهود والمستوى الاقتصادي في البلاد، وذلك عبر رفع الرواتب وتسهيل قروض السكن لأن نسبة كبيرة من الشعب السوري اليوم يعيش في بيوت مستأجرة، وعشوائية غير صحية وغير مؤهلة للسكن.. فكيف يمكن تربية جيل سليم ومعافى نفسياً فيها وتأسيس أسرة مستقرة؟
اقرأ أيضاً: هوس التجميل في سوريا.. رفاهية كاذبة تخفي ضغوط اقتصادية واجتماعية
كيف نبدأ طريق التعافي النفسي في بلاد لم تتعافَ بعد؟!
في بلد لم يتعافَ بعد، ليس هناك حلول أكثر منطقية وواقعية من بناء شبكات دعم اجتماعي صغيرة تبدأ من العائلة لتخفيف الضغوطات ومشاعر العزلة عن المجتمع تحديداً في ظل تخبطاته الحالية. يجب على الفرق التطوعية والإنسانية مد جسور العون عبر إقامة مبادرات محلية مجانية تتضمن جلسات حوار مجتمعي تتخللها ورشات دعم نفسي يشرف عليها أناس مختصون.
تدريج عادات صحية ضمن الروتين اليومي بما يتناسب مع حياة الشعب السوري الحالية، عل وعسى تساهم في الاستقرار النفسي مثل ممارسة الرياضة الخفيفة وتنمية الفنون كالموسيقى وأخذها كوسيلة للتفريغ البسيط.
يجب استغلال المنصات الإعلامية والإلكترونية المحلية ذات التأثير الكبير لتقديم الدعم النفسي لكل أفراد الشعب، وإتاحة الاستشارات المجانية عن بعد من قبل المختصين النفسيين كلٌ حسب قدرته فجزء من عملهم إنساني أكثر من كونه مادي. بالنهاية حلقة الشفاء النفسي مترابطة يجب علينا جميعاً العمل لإنجاحها.. فلا شفاء للفرد دون محيطه والعكس صحيح.









