المجتمع السوري

الضرائب “الصحية” على الكحول والدخان: هل نكرر خطأ تركيا أم نخطو نحو البرازيل؟

بقلم: ديانا الصالح

أثارت تصريحات وزير المالية السوري يسر برنية حول زيادة الضرائب الصحية على منتجات التبغ والمشروبات المضرة بالصحة والعالية السكر، موجة جدل واسعة بين مؤيد يرى فيها خطوة إيجابية لمحاربة استهلاكها المرتفع والاستفادة من عوائدها للنفقات الصحية العامة، وتيار آخر معارض يراها عديمة الجدوى لا سيما أن النسبة الضريبية ستكون منافسة بالتالي لا تتماشى مع التضخم وستبقى معدلات الاستهلاك على حالها مع ازدياد النشاط بالأسود، وفقاً لرأيهم.

وفي هذا السياق يثور تساؤل هام: هل الزيادة الضريبية كفيلة بالحدّ من الاستهلاك العالي لتلك المنتجات المضرة بالصحة؟ للإجابة عن ذلك لا بد من استحضار الإجراءات الرسمية التي اتخذتها العديد من الدول لمكافحة استهلاكها، مع الوقوف عند الناجح منها والمخفق.

للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..

الضرائب الصحية حلٌّ مثالي ولكن؟

تحثّ منظمة الصحة العالمية بشكل مستمر على ضرورة اتخاذ قضية محاربة التبغ والمشروبات الكحولية والسكرية أولوية لدى مختلف الدول، نظراً لما تسببه من مخاطر صحية عالية مثل الإصابة بالسرطان والسكري وأمراض القلب وغيرها.

وفي هذا السياق، تدعو المنظمة إلى رفع نسبة الضرائب الصحية على منتجات الدخان والمشروبات الكحولية والمحلاة، بما يتماشى مع التضخم، لتحقيق موازنة حقيقية قادرة على الحد منها بشكل فعلي، محذّرة من إخفاق أي مساع دون تحقيق هذه الموازنة.

عموماً، في حال زيادة الضرائب الصحية بشكل تنافسي بمعدلات أدنى من الدول الأخرى دون مراعاة التضخم، ستؤدي حتماً إلى استمرار الاستهلاك، الذي قد يفضي إلى تحقيق الحكومة لإيرادات ضريبية قصيرة المدى، وزيادة نشاط سوق التهريب والسوق بالأسود، بالتالي لن تستفيد القطاعات الصحية على المدى الطويل.

عدة دول تبنت الإجراءات المطلوبة عالمياً للحد من التدخين والكحول مثل البرازيل وتركيا وهولندا إلى جانب موريشيوس، ولكن تطبيقها لم يكن مثالياً لدى الكثير منها، فقد واجهت تحديات أعاقت سير خطتها كما هو مطلوب كالتهريب والسوق السوداء، نستعرض لكم أهم هذه الإجراءات كما يلي:

زيادة الضرائب

تعتبر زيادة الضرائب أقوى أسلحة مكافحة المنتجات المضرة بالصحة وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، وهذا ما يتجلى بالاستراتيجية الوطنية الشاملة التي اعتمدتها البرازيل كونها حققت نجاحاً مثالياً في تطبيق رفع الضرائب بما يتماشى مع معدلات التضخم سنوياً، الأمر الذي أدى إلى انخفاض معدلات التدخين بشكل ملحوظ من 25% خلال عام 2000 إلى 12% عام 2025.

في حين بقيت المشروبات الكحولية والمحلاة تمثل تحدياً بارزاً لخطة البرازيل الضريبية، نظراً لتعاظم دور السوق غير الرسمية إلى جانب التهريب والمواد المغشوشة، حيث أكدت تقارير عالمية أن السوق السوداء للكحول أدت إلى خسارة ما يقارب 86 مليار ريال برازيلي، والتي تستخدمها الشركات المنتجة كورقة ضغط على الحكومة، معتبرة أن زيادة الضرائب تعني إنعاش التهريب والأسواق غير القانونية، الأمر الذي دفع الجهات المعنية البرازيلية إلى اتخاذ قرار إجراء إصلاح ضريبي عام 2025 على أن يبدأ تطبيقه قريباً.

انطلاقاً مما سبق، تؤكد منظمة الصحة العالمية أن إجراءات رفع الضرائب وحدها غير كافية، ما لم ترافقها عدة خطوات تتمثل بتحديث نسبة الضرائب بشكل دوري، وتفعيل الرقابة على الأسواق، إضافة إلى الحد من عمليات التهريب والغش، حتى تتمكن تلك الأداة القوية (الزيادة الضريبية) من إنجاز مهمتها بإرهاق القدرة الشرائية للمستهلك تجاه الكحول، مما يؤدي إلى تخفيض معدلات الاستهلاك الضار بشكل ملحوظ.

بالنسبة لزيادة الضرائب على التبغ في تركيا، فلم يكن له تأثير إيجابي بل على العكس ارتفع عدد المدخنين إلى 21.1 مليون فرد تقريباً، وبلغت نسبة التدخين حوالي 30.8 ٪ من الأشخاص البالغين خلال عام 2025، وذلك يعود لعدم توافق الضرائب مع معدل التضخم.

وفي تفاصيل الخطة الضريبية التي أقرتها الحكومة التركية لمنتصف عام 2026، حددت نسبة الضريبة على الكحول والسجائر بحوالي 7.95% مقابل معدل تضخم يقارب 10%، أي أن النسبة الحديثة لا تزال أيضاً أدنى من معدل التضخم، كما أن لجوء الأفراد إلى التبغ المقطع قد أدى إلى تراجع الأثر الضريبي بشكل ملموس.

احتكار الدولة للبيع

إنّ سياسة احتكار الدولة لبيع الكحول ضمن الدول الشمالية، مثل النرويج وجزر فارو وأيسلندا إلى جانب فنلندا والسويد، قد لاقت استحساناً جيداً من قبل “الصحة العالمية”، التي أكدت بدورها فضل حصر البيع بالجهات الحكومية على تراجع استهلاك الكحول بشكل نسبي مع الحد من أضراره وخروج الكحول والمنتجات السيئة من السوق.

ففي النرويج على سبيل المثال، تحتكر الشركة الحكومية Vinmonopolet بيع كافة مشروبات الكحول التي تحتوي ما يزيد عن 4.75%، ما يعكس نظاماً احتكارياً ناجحاً نسبياً نتيجة لتسجيلها مستويات استهلاك للكحول أدنى بكثير من متوسط عدة دول أوروبية حيث تبلغ 7 – 8 لترات تقريباً من الكحول النقي.

وقد أظهرت المقارنة بين الدول التي لديها احتكار حكومي للكحول، وتلك التي اعتمدت السوق الخاصة، تبايناً في أنواع الكحول المتوفرة، حيث مالت الدول التي لديها احتكار مرتفع إلى توفير نوعيات أفضل جودة وأقل ضرراً على الصحة مقارنة بالدول التي فتحت سوقها، مثل فرنسا.

التحول نحو البدائل المستدامة

في محاولة للحد من استهلاك التبغ، اعتمدت العديد من الدول سياسة دعم مزارعي التبغ لتبديل محاصيلهم بأخرى صحية وأكثر استدامة، مثل كينيا وفيتنام وتركيا إلى جانب البرازيل، وكانت النتائج متباينة: ففي البرازيل لم يتحقق التحسن المطلوب نتيجة لبقاء الكثير من المزارعين ضمن إطار زراعة التبغ المعروف بربحيته الأعلى، فضلاً عن مشاكل التسويق. أما في كينيا وفيتنام فقد تمكنت من تغيير مسار العديد من المزارعين نحو البدائل الزراعية الأخرى، وتخفيض نسبة الاعتماد على منتجات التبغ.

بينما شهدت تركيا نجاحاً ملحوظاً في تحويل ميول المزارعين نحو المحاصيل البديلة، ما أدى إلى انخفاض نسبة الأراضي الزراعية الخاصة بالتبغ، وذلك نتيجة لإلغائها برنامج دعم منتجات التبغ سنة 2002، وتوجيهه إلى برامج الدعم الخاصة بالمحاصيل البديلة.

إضافة إلى ما سبق توجد العديد من الإجراءات التي تم اتخاذها من قبل السلطات على مستوى العالم، لمحاربة التدخين والمشروبات الكحولية والمحلاة على حدّ سواء، منها حظر الإعلانات التجارية الخاصة بتلك المنتجات مع مرافقتها بحملات توعية من شأنها رفع الوعي الاجتماعي، وبالتالي الحصول على مساندة المجتمع المدني في تحقيق تلك الغاية المنشودة. ولكن نسبة نجاحها متفاوتة وفقاً للطريقة المتبعة في تنفيذها، فالدول التي اتخذت إجراء الحظر مع حملات توعية مؤقتة قصيرة المدى باءت جهودها بالإخفاق، بل وشجعت أيضاً اتساع رقعة السوق السوداء وعمليات التهريب.

في النهاية، تبقى مسألة إجراءات المحاربة الجدية لآفتي التدخين وغيرها من المنتجات المضرة بالصحة مرهونة بتطبيقها الصحيح، فزيادة الضرائب الصحية يجب أن تراعي معدل التضخم والحظر يجب أن يرافقه برامج توعوية بعيدة المدى مع إيجاد بدائل صحية مستدامة لمزارعي التبغ الذين يعتمدون على هذه المحاصيل كمصدر رزق مربح وتمويلهم بالدعم الكافي، فضلاً عن أهمية الوقوف إلى جانب المدخنين ومدمني الكحول، لتخطي تلك المرحلة دون الوقوع بأزمات نفسية عبر توفير الدعم الصحي والنفسي اللازم.

اقرأ أيضاً: الضرائب الذكية في بلد فقير: أين يمكن الجباية من دون خنق؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى