أعمال واستثمار

الضرائب الذكية في بلد فقير: أين يمكن الجباية من دون خنق؟

إن فرض الضرائب، في جوهره، ليس مجرد عملية جباية مالية تهدف إلى ملء خزائن الدولة. بل هو انعكاس للعقد الاجتماعي بين الدولة والمواطنين، ومؤشر على مدى كفاءة الدولة في توزيع الثروات وتحقيق التنمية.

ولكن، ماذا يحدث عندما تصبح الجباية أداة للاستسهال، تستهدف الشرائح الأكثر ضعفاً في المجتمع، وتغض الطرف عن الثروات الضخمة والأنشطة الاقتصادية غير الرسمية؟ وكيف يمكن لدولة، كحال الدول النامية والفقيرة، أن تبني نظاماً ضريبياً فعالاً يحقق التوازن الصعب بين زيادة الإيرادات وتجنب خنق النشاط الاقتصادي، أو تعميق الفقر؟

هذا المقال يغوص في هذه المعضلة الاقتصادية المتأصلة، ويستكشف المسارات الممكنة لبناء سياسة ضريبية عادلة ومستدامة تخدم المواطن والاقتصاد معاً، وتتجاوز الحلول السهلة التي غالباً ما تكون أكثر تكلفة على المدى الطويل.

كيف يمكن لدولة فقيرة أن تجمع ضرائب من دون أن تخنق النشاط الاقتصادي أو تزيد الفقر؟

تستطيع الدول الفقيرة تحقيق التوازن بين جمع الضرائب وتحفيز الاقتصاد من خلال العمل على تصميم نظام ضريبي يرتكز على توسيع القاعدة الضريبية بدلاً من زيادة معدلات الضرائب الحالية. حيث يجب التركيز على دمج القطاع غير الرسمي، الذي يشكل غالباً نسبة ضخمة من اقتصادات الدول النامية، في المنظومة الرسمية، بدلاً من رفع النسبة على دافعي الضرائب الحاليين. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تبسيط الإجراءات الضريبية، وتقديم حوافز للشركات الصغيرة والمتوسطة للتسجيل، مثل تخفيضات ضريبية مؤقتة أو تسهيلات إدارية.

وبهدف تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان عدم تحميل العبء الأكبر على الشرائح الأكثر ضعفاً في المجتمع، يجب أن يتم تصميم النظام الضريبي ليكون تصاعدياً، حيث يدفع الأثرياء نسبة أعلى من دخلهم كضرائب مقارنة بالفقراء. ويمكن تطبيق ذلك من خلال فرض ضرائب على السلع الفاخرة والكمالية، مقابل إعفاء السلع والخدمات الأساسية التي يستهلكها الفقراء أو إخضاعها لضريبة القيمة المضافة بنسب منخفضة جداً.

كما أن تحسين كفاءة التحصيل الضريبي باستخدام التكنولوجيا الحديثة في عملية جمع الضرائب، يمثل أيضاً عاملاً حاسماً لزيادة الإيرادات بعيداً عن عمليات الفساد والرشاوى، وهو ما أشار إليه الخبير الاقتصادي السوري أدهم قضيماتي، خلال تصريحات إعلامية.

الضرائب على الدخل والرواتب الصغيرة والمتوسطة: أسهل ولكن؟

يمثل فرض الضرائب على الرواتب والدخول الصغيرة والمتوسطة في سوريا مساراً سهلاً ومباشراً لخزينة الدولة، إذ يضمن تدفقاً نقدياً شبه مضمون يمكن اقتطاعه من المنبع مباشرةً من الموظفين وأصحاب الدخول المسجلة. لكن هذا الاستسهال في التحصيل يخفي وراءه تبعات اقتصادية واجتماعية عميقة تفاقم من الأزمة المعيشية.

حيث إن تركيز العبء الضريبي على هذه الشريحة، التي تشكل العمود الفقري للطبقة الوسطى، يؤدي إلى تآكل قدرتها الشرائية المنهكة أصلاً بفعل سنوات الحرب والتضخم الجامح. فكل ليرة تُقتطع كضريبة من راتب محدود هي في الواقع خصم من سلة الغذاء الأساسية أو من القدرة على تحمل تكاليف التعليم والصحة.

وينتج عن ذلك حلقة مفرغة، فإضعاف هذه الشريحة يقلص من قدرتها على الاستهلاك والادخار، مما يخنق الطلب في السوق المحلية ويحد من قدرة المشاريع الصغيرة على النمو، ويدفع بالكثير من الأنشطة الاقتصادية والأفراد المهرة نحو القطاع غير الرسمي أو الهجرة، هرباً من الاقتطاعات الضريبية التي لا تقابلها خدمات عامة ذات جودة.

وبهذا، يتحول ما يبدو أنه حل سهل للتحصيل إلى عامل يفاقم الركود الاقتصادي ويزيد من عمق الفجوة الاجتماعية، بدلاً من أن يكون أداة لتحقيق تنمية مستدامة وعدالة توزيعية.

الضرائب على السلع الكمالية والأنشطة الفارهة

من منظور اقتصادي واجتماعي، تبدو الضرائب المفروضة على السلع الكمالية والأنشطة الفارهة أداة مثالية لتحقيق العدالة الضريبية وزيادة إيرادات الدولة دون المساس بالطبقات الفقيرة والمتوسطة. نظرياً، هي ضريبة تصاعدية تستهدف من يملكون القدرة الأعلى على الدفع، وتساهم في تمويل الخدمات العامة الأساسية. إلا أن فاعلية هذا الإجراء في سياق اقتصادات هشة وضعيفة مثل سوريا، تصطدم بواقع معقد.

إن الأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال لديهم القدرة والوسائل لتجنب هذه الضرائب بسهولة، فهم يلجؤون إلى الشراء من الأسواق الخارجية، أو تسجيل ممتلكاتهم الفاخرة في ملاذات ضريبية، أو استغلال الثغرات القانونية وعمليات التهرب الضريبي المعقدة. بالتالي، قد لا تحقق ضريبة الرفاهية هدفها في رفد خزينة الدولة، بل قد تدفع بالاستثمارات المحلية في قطاعات السياحة والترفيه الفاخر إلى الانكماش أو العمل في الظل.

في الحالة السورية، يلاحظ وجود اقتصاد فاخر موازٍ يعمل خارج المنظومة الرسمية، حيث تتم المعاملات نقداً أو عبر قنوات غير خاضعة للرقابة، مما يجعل الضريبة حبراً على ورق لا تطال المستهدفين الحقيقيين، وتصبح مجرد إجراء رمزي يفتقر إلى الأثر الفعلي في تحقيق العدالة المنشودة.

نحو عقد ضريبي جديد: الثقة والشفافية قبل الجباية

إن الحل الأمثل لجمع الضرائب في دولة مثل سوريا لا يكمن في استنساخ نماذج ضريبية معقدة أو التركيز على سياسات جباية قسرية، بل في إعادة بناء العقد الاجتماعي المفقود بين الدولة والمواطن. حيث أنه قبل البحث عن مصادر ضريبية جديدة، يجب على الدولة أن تثبت أنها جديرة بثقة دافعي الضرائب، ويبدأ ذلك بخطوات عملية وملموسة تتمثل في الشفافية المطلقة حول كيفية إنفاق الإيرادات الضريبية، وربطها بشكل مباشر بتحسين الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والبنية التحتية.

ومن هنا نجد أن الأولوية لا يجب أن تكون لرفع معدلات الضرائب، بل لتوسيع القاعدة الضريبية عبر دمج الاقتصاد غير الرسمي بذكاء، من خلال حوافز مُبسطة ومُغرية، لا عن طريق الملاحقة والعقوبات. وأن النظام الضريبي الأكثر فعالية لسوريا يجب أن نظام بسيط وواضح، يركز على ضرائب الأرباح الرأسمالية والثروات الكبيرة والأنشطة الريعية، مع تخفيف العبء بشكل كبير عن الرواتب والدخول الصغيرة والاستهلاك الأساسي.

قرأ أيضاً: حين يسيطر اقتصاد الظل.. قراءة في واقع سوريا الاقتصادي المعقد

في الختام، إن بناء نظام ضريبي فعال هو في جوهره مشروع لبناء دولة حديثة وشرعية، فالناس على استعداد للدفع عندما يرون أن أموالهم تُستثمر في مستقبلهم، لا عندما يشعرون أنها مجرد جباية تذهب لجيوب الفاسدين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى