سياسة

الصندوق السيادي السوري: هل يتحول من مؤسسة مالية إلى “محرّك سياسي للتعافي”؟

الكاتب: أحمد علي

لا يكفي أن توجد الأموال كي يبدأ التعافي. المال وحده قد يرمم طريقاً أو يفتح مصنعاً أو يحرك مشروعاً متوقفاً، لكنه قد يتحول أيضاً إلى دورة جديدة من الامتيازات إذا غابت القواعد. من هنا تبدو فكرة الصندوق السيادي السوري أكبر من مؤسسة مالية. هي اختبار لطريقة إدارة ما بعد الحرب، ولمن سيستفيد من الأصول المعطلة، ولما إذا كانت الدولة ستستخدم أدواتها لإحياء الإنتاج أو لإعادة توزيع النفوذ.

الصندوق السيادي السوري بين الاستثمار والتعافي

عادة ترتبط الصناديق السيادية بفوائض مالية كبيرة. دول نفطية تستثمر جزءاً من دخلها، أو بلدان تضع مدخرات عامة في أسواق عالمية لحماية المستقبل. الحالة السورية مختلفة تماماً. لا توجد فوائض واسعة تبحث عن عوائد خارجية. الموجود هو اقتصاد منهك، أصول متوقفة، منشآت عامة لا تعمل بكفاءتها، مشاريع خاصة تعثرت، ويد عاملة واسعة تبحث عن فرصة.

لذلك لا يمكن قراءة الصندوق السيادي السوري كأداة استثمارية تقليدية فقط. إذا أُريد له أن يكون مؤثراً، فعليه أن يتحول إلى أداة لتوجيه التعافي. أي أن يربط التمويل بالإنتاج، والأصول بالتشغيل، والشراكات بنتائج قابلة للقياس. بهذا المعنى يصبح الصندوق طرفاً في السياسة الاقتصادية، لا لأنه يصدر بيانات سياسية، بل لأنه يقرر عملياً أين تذهب الموارد، وأي مشروع يستحق الإنقاذ، وأي أصل يجب أن يعود إلى الدورة الاقتصادية.

اجتماع غرفة تجارة دمشق مع الصندوق يفتح هذه الزاوية تحديداً. التجار يعرفون أين تتعطل السوق، وأين تختنق حركة البضائع، وأي مشروع يحتاج إلى تمويل تشغيل لا إلى رأس مال ضخم. لكنهم أيضاً أصحاب مصالح. لذلك لا يكفي أن يستمع الصندوق إلى السوق. عليه أن يوازن بين صوت القطاع الخاص والمصلحة العامة، وبين السرعة المطلوبة للتشغيل والضوابط التي تمنع المحاباة.

تحريك المشاريع المتعثرة عنوان عملي. مصنع متوقف قد يكون أكثر فائدة من مشروع جديد يبدأ من الصفر. مستودع مهمل يمكن أن يتحول إلى مركز لوجستي. أرض غير مستثمرة قد تصبح ورشة إنتاج أو منطقة خدمات. شركة عامة متعثرة يمكن إدخالها في شراكة إذا كان نشاطها قابلاً للحياة. في بلد يحتاج إلى وظائف وإنتاج محلي وتقليل استيراد، يصبح تشغيل الموجود أحياناً الطريق الأقصر.

لكن الإنقاذ ليس قيمة بحد ذاته. بعض المشاريع تعثر بسبب الحرب والتمويل والطاقة والنقل. بعضها تعثر بسبب سوء الإدارة. وبعضها لم يعد صالحاً اقتصادياً. هنا تظهر وظيفة الصندوق كأداة فرز. لا ينبغي أن يمول كل مشروع متوقف لأنه متوقف. يجب أن يسأل عن فرص التشغيل، وعن إمكانية الإنتاج، وعن قدرة المشروع على دفع رواتب، واستبدال استيراد، وخلق قيمة محلية.

حماية المنتج الوطني لا تعني إغلاق السوق

حماية المنتج الوطني تبدو عبارة جذابة، لكنها تحتاج إلى ضبط. المنتج المحلي لا يُحمى بمنع الاستيراد وحده، ولا بإعطاء امتياز دائم لمصنع لا يطور نفسه. الحماية الجدية تعني أن لا يُترك المنتج السوري أمام كلفة طاقة مرتفعة، وتمويل غائب، وبضائع مستوردة أرخص، وتهريب يضرب الأسعار من الخلف.

إذا مول الصندوق مصنعاً غذائياً أو نسيجياً أو دوائياً، فيجب أن يكون التمويل مشروطاً بنتائج. فرص عمل واضحة. إنتاج قابل للقياس. سعر لا يستغل المستهلك. استخدام مواد محلية عندما يكون ذلك ممكناً. قدرة على التصدير أو على تقليل فاتورة الاستيراد. من دون هذه الشروط يتحول التمويل إلى دعم مفتوح، وقد يستفيد منه من يملك القدرة على الوصول لا من يملك القدرة على الإنتاج.

بهذا المعنى، يمكن للصندوق أن يعمل كأداة تصحيح. فهو ليس مصرفاً تجارياً يبحث عن رهن عقاري فقط، وليس وزارة توزع منحاً. يفترض أن يكون بين الاثنين. يمول ما يخدم التعافي، ويرفض ما يراكم الريع، ويربط كل ليرة بنتيجة اجتماعية أو إنتاجية.

الأصول غير المفعلة والاختبار الأصعب

الأصول غير المفعلة هي جوهر الرهان. سوريا تملك أراضي ومبانٍ ومنشآت وشركات ومواقع إنتاجية لا تعمل كما يجب. هذه الأصول لا تتحول إلى ثروة لأنها موجودة على الورق. قيمتها تظهر عندما تدخل في دورة إنتاج أو خدمة أو تشغيل.

لكن إدارة هذه الأصول تحتاج إلى شفافية صارمة. من يقيّم الأصل؟ من يقرر إدخاله في شراكة؟ هل يُباع أم يؤجر أم يستثمر بعقد طويل الأمد؟ هل تُنشر المعايير؟ هل توجد جهة رقابية قادرة على وقف عقد إذا أضر بالمصلحة العامة؟ هذه أسئلة ضرورية، لأن التجربة السورية السابقة حملت أمثلة كثيرة عن انتقال أصول عامة إلى مصالح خاصة تحت عناوين استثمارية براقة.

الصندوق، إذا أراد بناء ثقة، يحتاج إلى قواعد معلنة. قائمة بالأصول المطروحة. معايير لاختيار الشركاء. شروط للعائد العام. تقدير لعدد فرص العمل. جدول زمني للتنفيذ. لا يحتاج الناس إلى كل التفاصيل التجارية، لكنهم يحتاجون إلى معرفة الاتجاه. هل تُدار هذه الأصول لصالح اقتصاد يتعافى، أم لصالح دائرة ضيقة من المستفيدين؟

حجم الحاجة أكبر من أي صندوق

يجب أيضاً عدم تحميل الصندوق أكثر مما يستطيع. تقديرات البنك الدولي المنشورة عام 2025 وضعت احتياجات إعادة الإعمار والتعافي في سوريا عند نحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار. هذه أرقام لا يستطيع صندوق محلي ناشئ أن يغطيها. لذلك لا معنى للحديث عنه كحل شامل. قيمته ستكون في حسن اختيار نقاط التدخل.

الأولوية يجب أن تكون للمشاريع ذات الأثر السريع والمضاعف. الصناعات الغذائية والزراعية. مواد البناء. إصلاح الآلات. الطاقة الصغيرة والمتوسطة. الخدمات اللوجستية. المدن الصناعية. المشاريع التي تعيد عمالاً إلى العمل، وتعيد سلعة إلى السوق، وتخفف ضغط الاستيراد.

خلال 2025 ظهرت اتفاقيات استثمارية كبيرة في سوريا، بينها اتفاقات مع السعودية بأكثر من 6 مليارات دولار، وتقديرات تحدثت عن عشرات آلاف فرص العمل، ثم اتفاقات أوسع قُدرت بنحو 14 مليار دولار شملت مشاريع مثل توسعة مطار دمشق ومشروع مترو. هذه المشاريع مهمة. لكنها لا تكفي وحدها. الاستثمار الكبير يغيّر واجهة الاقتصاد، أما تشغيل المشاريع المتعثرة فيغير يوميات السوق والعمال.

القطاع الخاص لا يعني الكبار فقط

غرفة تجارة دمشق جزء مهم من الصورة، لكنها ليست الصورة كلها. هناك صناعيون صغار، مزارعون، ورش، حرفيون، شركات ناشئة، ومنتجون لا يملكون صلة مباشرة بمراكز القرار. إذا بقي الصندوق قريباً فقط من الغرف الكبرى والصفقات الكبيرة، فقد يخسر فرصة الوصول إلى الاقتصاد الحقيقي.

كثير من المشاريع لا تحتاج إلى ملايين الدولارات. تحتاج إلى قرض تشغيل، أو ضمانة، أو آلة، أو تسوية دين، أو طاقة مستقرة، أو عقد توريد. هذه المشاريع الصغيرة والمتوسطة هي التي تشغل الناس بسرعة. وهي التي تبني التعافي من الأسفل، لا من واجهات المؤتمرات فقط.

لذلك يحتاج الصندوق إلى نافذة واضحة لهذه الفئة. طلبات بسيطة. معايير معلنة. متابعة ميدانية. تمويل مرتبط بالإنتاج لا بالعلاقات. إذا تحقق ذلك، يصبح الصندوق محرّكاً للتعافي. وإذا لم يتحقق، سيبقى مؤسسة مالية علوية، مفيدة لبعض المشاريع، لكنها بعيدة عن الاقتصاد اليومي.

الصندوق السيادي السوري يمكن أن يتحول إلى محرّك سياسي للتعافي إذا فهم وظيفته خارج المعنى الضيق للاستثمار. المطلوب ليس صندوقاً يملك أصولاً كثيرة على الورق، بل أداة تعيد الموجود إلى العمل. مصنع بدل مستودع مهجور. أرض بدل فراغ. عامل يعود إلى آلة. منتج محلي يجد حماية ذكية. أصل عام يولد دخلاً عاماً لا ربحاً خاصاً مغلقاً.

هذا المسار يحتاج إلى تمويل، لكنه يحتاج أكثر إلى قواعد. شفافية في الأصول. مساءلة في العقود. حماية للمنتج لا للاحتكار. شراكة مع القطاع الخاص لا تسليم له. دعم للمشاريع الصغيرة لا للكبار وحدهم.

إذا سار الصندوق بهذه الطريقة، يمكن أن يكون جزءاً من تعافٍ أوسع، لا مجرد اسم جديد في بنية مالية جديدة. أما إذا تحول إلى بوابة امتيازات، فسيعيد إنتاج المشكلة نفسها بواجهة مختلفة. سوريا تحتاج إلى اقتصاد يعود إلى الحركة، لكن الحركة وحدها لا تكفي. يجب أن تكون باتجاه الإنتاج، والعمل، والعدالة، لا باتجاه تدوير الأصول بين قلة قادرة على الوصول.

اقرأ أيضاً: بين التبرعات والمشاريع المؤجلة: قراءة في أول تقرير لصندوق التنمية السوري

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى