أعمال واستثمار

الصناعات النسيجية في سوريا.. ما حالها وأين وصلت الآن؟!

الكاتب: أحمد علي

في سوريا، حيث لا تزال الصناعة تحاول التقاط أنفاسها بعد عقد من الانهيارات، يتمدد الغبار على أنوال المصانع، وتترنح خيوط الأمل في قطاع النسيج الذي كان يوماً ما شرياناً اقتصادياً حيوياً. لا يعود الخلل إلى ضعف الإمكانيات أو غياب الكفاءات، بل إلى منظومة اختلت فيها توازنات السوق، وفُتحت فيها الأبواب بلا شروط أمام المنتجات الأجنبية، بينما أُغلقت في وجه الصناعة السورية أبواب التصدير. ومع أن هذا القطاع يملك القدرة على النهوض، فإن انتشاله من الركود بات مشروطاً بخطوات جريئة تتعلق بالطاقة، والمعاملة التجارية المتكافئة، وتحرير الأسواق… المزيد من التفاصيل عن الصناعات النسيجية في سوريا عبر هذا المقال…

الصناعات النسيجية في سوريا

يرى أدهم الطباع، نائب رئيس القطاع النسيجي وعضو مجلس إدارة غرفة صناعة دمشق وريفها، أن ما يعانيه قطاع النسيج لا يعود فقط إلى المنافسة العالمية، بل إلى غياب العدالة في تبادل السلع. ويقول في حديثه إن الأسواق السورية مفتوحة للمنتجات المستوردة، بينما تصطدم الصناعات السورية، وخصوصاً النسيجية، بجدران إدارية وحواجز غير جمركية في دول مثل الأردن ومصر.

فالأردن، مثلاً، يمنع استيراد الألبسة من سوريا، ومصر تضع العراقيل الإدارية التي تعيق التصدير رغم السماح الرسمي به. أما العراق، الذي يُعد سوقاً واعداً للصناعات السورية، فمشغول حالياً بأوضاعه الداخلية، بما في ذلك الانتخابات المرتقبة في تشرين الثاني، ما أدى إلى تجميد نشاطه التجاري مؤقتاً.

ويشير الطباع إلى أن فترة ما بعد التحرير شهدت تدفقاً هائلاً للبضائع التركية إلى الأسواق السورية، دخلت البلاد دون رسوم جمركية، وتنوعت بين البضائع الغذائية والنسيجية بنخب متفاوتة، ما ساهم في ضرب المنافسة المحلية وإرباك الصناعة السورية التي كانت تحاول النهوض من جديد.

مطلب الصناعيين: بيع الطاقة بسعرها العالمي

يرى الصناعيون أن أول خطوة نحو إنقاذ القطاع تبدأ من تعديل سياسة تسعير حوامل الطاقة. وفي هذا الإطار، يوضح الطباع أن المطالبة ليست بالحصول على دعم مباشر للمحروقات، بل ببيعها بسعر السوق العالمي، أو على الأقل أسوة بدول الجوار.

ففي حين يبلغ سعر الكهرباء في سوريا نحو 20 سنتاً للكيلوواط، لا تتجاوز كلفتها في مصر 3 سنتات، وفي الأردن 10 سنتات. ويقترح الطباع فرض رسوم إغراق أو ضرائب تعادل الفرق في أسعار الطاقة، على البضائع المستوردة من دول تدعم صادراتها بالطاقة المدعومة، كما تفعل الولايات المتحدة الأمريكية لحماية صناعتها.

وفي حديثه، يشدد الطباع على أن الصناعيين لا يطالبون بإغلاق الأسواق أو فرض حظر استيراد، بل يطالبون بسياسات عادلة تضمن تكافؤ الفرص، كفرض رسوم جمركية معادلة للدعم الذي تحصل عليه السلع الأجنبية في دول منشئها. فالحل ليس في الحماية المفرطة، بل في العدالة التجارية والقدرة التنافسية المتكافئة من وجهة نظره.

تفاؤل مشروط بفتح الأسواق

ويؤكد الطباع أن بعض المعوقات التي كانت تواجه القطاع في تأمين المواد الأولية قد زالت بعد التحرير، كما أن جزءاً كبيراً من هذه المواد أصبح يُنتج محلياً. لكن الأمل معقود حالياً على الاتفاقيات التجارية التي يُتوقع أن تُفعّل قريباً، إضافة إلى معرض “خان الحرير” (موتكس) المزمع عقده في منتصف أيلول القادم في دمشق وحلب، والذي يعتبر معرضاً تصديرياً بامتياز.

ويوضح أن الأسواق الخارجية تمثل ضرورة استراتيجية لصناعة النسيج في سوريا، نظراً لصغر حجم السوق المحلية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف القدرة الشرائية، ما يجعل من التصدير بوابة النجاة الوحيدة للقطاع.

غياب الإحصاءات الرسمية وتراجع المساهمة الاقتصادية

ورغم أهمية هذا القطاع، لا توجد إحصاءات دقيقة اليوم توضح مساهمته في الناتج المحلي. فالإحصاءات السابقة، قبل اندلاع الحرب، كانت تشير إلى أن قطاع النسيج يساهم بما يقارب 40% من الناتج المحلي ويشغل حوالي 60% من اليد العاملة. أما اليوم، فإن هذه الأرقام غير واضحة نتيجة غياب المسح الميداني الشامل.

ومع ذلك، لا تزال أعداد المصانع قائمة، بحسب الطباع، وإن كانت تعمل بطاقة إنتاجية منخفضة بانتظار تحسن الظروف والأسواق.

ويرى الطباع أن بعض الزبائن الأردنيين يضغطون على حكومتهم لفتح باب الاستيراد من سوريا مجدداً، ما يدل على الطلب المستمر على المنتج السوري في المنطقة. ويعقد آمالاً على أن يسفر المعرض المقبل عن عقود تصديرية تعيد الحيوية لهذا القطاع الحيوي.

اقرأ أيضاً: وزارة الاقتصاد ترد على منتقديها بعد قرارات اعتُبرت مضرة بصناعة النسيج السورية

انتظار العودة… واستعداد مشروط

لا تزال عودة صناعيي النسيج الذين غادروا البلاد أثناء الحرب رهينة التطورات الاقتصادية والتشريعية. وبحسب الطباع، هناك رغبة قوية لدى هؤلاء الصناعيين لإعادة توطين أعمالهم داخل سوريا، ولكنهم بانتظار صدور قوانين محفّزة فيما يخص الطاقة، والاستثمار، والضرائب، بما يضمن لهم بيئة أعمال مستقرة ومستدامة.

ومن بين الخطط الطموحة التي يطرحها الطباع، السعي للدخول إلى السوق الأمريكية، التي تعد واحدة من أهم أسواق النسيج في العالم. إلا أن تحقيق ذلك مرهون بإزالة العقوبات المفروضة على سوريا، وإيجاد أرضية قانونية وتجارية تمكّن المصدرين السوريين من دخول الأسواق العالمية بثقة.

صوت حلب الحكومي والخاص

وفي حديثٍ خلال اجتماع موسع لغرفة صناعة حلب في 13 تموز 2025، عبّر صناعيو المدينة بقيادة رئيس الغرفة، المهندس عماد طه القاسم، عن تحديات متفاقمة واجهت الصناعة الوطنية، لاسيما النسيجية، ومحفوفة بمعوقات تمثلت في إغراق الأسواق ببضائع مستوردة، وارتفاع أسعار الكهرباء والفيول، ومعابر التهريب غير المنظمة.

ورغم الظروف الصعبة، شدّد القاسم على أن خطط الغرفة الحالية تشمل إجراءات عاجلة مثل إعادة العمل بنظام إجازات الاستيراد، وخفض أسعار الطاقة لمستويات تُقارب العالمية، وتشديد الرقابة على جودة المستوردات، وتفعيل مشروع المرفأ الجاف في حلب لدعم حركة الصادرات.

وبدوره، أكّد وزير الاقتصاد والصناعة الدكتور محمد نضال الشعار، في تصريحات منذ مطلع العام، أن أكثر من 500 مصنع نسيج قد استأنفوا عملهم في 2025، ضمن جهود تتعلق بخصخصة وتشغيل المنشآت المتعثرة.

الميزة النسبية لصناعة النسيج السورية

تتمتع سوريا بقاعدة صناعية زراعية ونسيجية متجذرة منذ عقود، كان لها دور ريادي إقليمي في تصدير القطن والمنتجات النسيجية. ففي ذروة إنتاجها خلال الثمانينيات، وصلت الإنتاجية إلى أكثر من 500 ألف طن من القطن سنوياً، ما وضعها في المرتبة الثالثة عالمياً في ذلك الحين، وفي 2011 بلغت 750 ألف طن، فيما تراجعت في عام 2024 لتصل إلى 14 ألف طن فقط.

كما تُعد المواد الخام المحلية المتوفرة، بالإضافة إلى اليد العاملة الماهرة وتكاليف الإنتاج المنخفضة نسبياً مقارنة بالدول المجاورة، دعامات أساسية للميزة التنافسية. وتشير دراسات إلى أن تكاليف الطاقة والسكر مهم في حسابات تلك الميزة، الأمر الذي يجعل تخفيض الكلفة أو تعديل استراتيجيات الدعم ضرورة لتعزيز المنافسة الإقليمية والدولية

من جهة أخرى، استفادت سوريا من الانفتاح التجاري ضمن اتفاقيات مثل غـا فتا (GAFTA)، حيث ارتفعت نسبة صادرات النسيج إلى دول الخليج من 22 % عام 1997 إلى أكثر من 57 % عام 2006.

نسيج من التاريخ… وألوان من الهوية

في زحمة الأرقام والمؤشرات الاقتصادية، تغيب أحياناً حقيقة أن قطاع النسيج في سوريا ليس مجرد صناعة إنتاجية، بل هو مرآة لهوية متجذرة وذاكرة وطنية حيّة. فعلى امتداد قرون، لم يكن القماش السوري مجرد سلعة تُباع وتُشترى، بل كان يحمل بصمة المجتمع، وينسج خيوط الحياة اليومية من حلب إلى دمشق، ومن دير الزور إلى السويداء.

الحرير الدمشقي الشهير، والكردون الحلبي الفاخر، والقماش المنسوج يدوياً في أحياء حمص القديمة… كلها ليست فقط علامات تجارية، بل شواهد حضارية على مهارة اليد السورية وذوقها الفطري في التناسق والجمال. كانت أسواق دمشق، كسوق الحرير وسوق الخياطين، تضج بالحياة وتعج بالحرفيين الذين يحيكون الفساتين والعباءات والمفروشات بلمسة فنية تُحاكي تراث الأندلس وفنون الشرق معاً.

إن تراجع هذا القطاع اليوم لا يعني فقط تراجع أرقام التصدير أو توقف مصانع، بل يعني في جوهره انكماشاً في صورة سوريا الثقافية، وتآكلاً لركن من أركان ذاكرتها الجمعية. فكل نول يتوقف عن العمل، هو صفحة من كتاب الذاكرة تُطوى، وكل حرفي يهاجر أو يعتزل، هو سطر من تراث الأجداد يُمحى.

من هنا، لا بد أن تتجاوز عملية الإنعاش الاقتصادي حدود الدعم المالي والتجاري، لتلامس أيضاً ضرورة حفظ التراث الصناعي، عبر مشاريع توثيقية وتربوية، مثل إطلاق “متحف النسيج السوري” أو إدراج الحرف النسيجية التقليدية ضمن مناهج التدريب المهني، حفاظاً على المهارة الفريدة التي لطالما ميّزت العامل السوري.

النسيج السوري بين الحلم والواقع

ختاماً، يبدو واضحاً أن قطاع النسيج السوري كغيره من القطاعات الأخرى، يحتاج عدالة في السياسات، وتكافؤ في المنافسة، وإرادة سياسية بالتشغيل والدعم. وإلى حين تحقيق هذه الشروط، ستبقى المصانع تدور بأنصاف طاقتها، وسيتواصل الانتظار الطويل على أبواب الأسواق المغلقة. غير أن الأمل لم يُطوَ بعد، والمبادرات القائمة قد تكون الخيط الأول في نسيج نهضة جديدة…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى