الصرافات الآلية: معركة تقليل الزحام.. معركة على الحكومة الفوز بها

أصبحت أزمة الصرافات الآلية مشكلة متكررة لا تكاد تنتهي، فمع بداية كل شهر، يصطف المواطنون في طوابير طويلة لسحب رواتبهم، وأحياناً يضطر المواطن للانتظار ساعات قبل أن يحين دوره، والمشكلة لا تقتصر على الزحمة فقط، بل تتنوع بين انقطاع الكهرباء، ضعف أو توقف خدمة الإنترنت، نفاد السيولة من الصراف، أو الأعطال المتكررة، وفي النهاية، المواطن يظل واقفاً في الطابور متمنياً أن ينجح في سحب راتبه، حتى لا يضطر للعودة في اليوم التالي ليبدأ نفس المعاناة من جديد.
في هذا المقال سنتناول هذه الأزمة من جوانب مختلفة كعدد الصرافات المتوفرة، نسبة الصرافات التي تعمل فعلياً، وما هي الأسباب الأساسية للمشكلة، وطرق حلها.
عدد الصرافات الآلية وأسباب تعطلها
في محاولة لفهم المشكلات التي يواجهها القطاع المصرفي بخصوص الصرافات الآلية، قال مدير المصرف العقاري السوري أكرم درويش لإحدى الوسائل الإعلامية إن هناك عدة عوائق أساسية، أولها الكتلة النقدية، فالتغذية المطلوبة لمدينة دمشق وحدها تبلغ نحو 6 مليارات ليرة سورية، في حين لا يصلهم سوى نصف هذا المبلغ.
أما عن عدد الصرافات الآلية العاملة في سوريا، فهناك 208 صراف بالخدمة، منها 100 جهاز من نوع GRG تم تشغيلها عام 2019، و108 أجهزة من نوع NCR تعود لعام 2014، وجميع هذه الأجهزة “جاهزة فنياً للعمل، بشرط توفر التغذية الكهربائية المستمرة والسيولة النقدية الكافية”، ومع الربط مع باقي البنوك، ارتفع عدد الصرافات ليصل إلى شبكة موحدة تضم 700 صراف آلي تخدم المتعاملين مع مختلف البنوك.
وتبرز مشكلة أخرى مرتبطة بساعات العمل، إذ تعمل معظم الصرافات ضمن الدوام الرسمي من الساعة الثامنة صباحاً حتى الرابعة عصراً، باستثناء صالة الصرافات الرئيسية في الإدارة العامة، التي تمتد ساعات عملها حتى الثامنة مساءً، ومع ذلك تبقى المشكلتان الأساسيتان هما ضعف التغذية الكهربائية وانخفاض السيولة.
أما من الناحية التقنية، فتعاني معظم الصرافات من أعطال متكررة في النظام، وانقطاع في الاتصال بشبكة المصرف، أو توقف عمل النظام الداخلي، ومع قيام المصرف المركزي بإلغاء الربط بين البنوك بسبب الظروف الراهنة ونقص السيولة، ازداد الضغط على صرافات المصرف العقاري وحده، ويُضاف إلى ذلك أن المصرف لم يخفض سقف السحب، الأمر الذي ساهم في تفاقم الأزمة.
اقرأ أيضاً: زيادة 5 ساعات كهرباء يومياً من الغاز الأذري… والسعر قيد الدراسة
الحلول الممكنة
بحسب مديرة التسويق المصرفي في المصرف العقاري زهر البان محمد، يجري العمل على عدة خطوات تهدف إلى تخفيف الازدحام على الصرافات الآلية من أبرز هذه الخطوات الاتفاقية مع المؤسسة العامة للبريد، والتي تم بموجبها توزيع نقاط بيع إلكترونية في عدد من مراكز البريد المنتشرة في المدن والضواحي.
كما أعلن المصرف التجاري السوري عبر صفحته على “فيسبوك” عن رفع سقف السحب اليومي عبر نقاط البيع (POS) في جميع فروعه إلى مليون ليرة سورية، بما يتيح للمتقاعدين سحب رواتبهم كاملة ودفعة واحدة، خاصة بعد الزيادة الأخيرة على الرواتب والأجور.
ومن جانب آخر، تضمنت إجراءات المصرف المركزي تمديد ساعات عمل الصرافات الآلية لضمان استمرارية الخدمة وتفادي الانقطاعات، إضافة إلى تمكين المتعاملين من السحب بسقف يصل إلى 600 ألف ليرة سورية أسبوعياً، وزيادة الكتلة النقدية المخصصة لكل فرع بما يضمن تغطية الرواتب التقاعدية بشكل كامل وفي مواعيدها، كما اتخذت إدارة المصرف قراراً بمنع استقبال الحوالات المالية عبر حسابات الصرافات الآلية لتقليل الضغط عليها.
ووفقاً لتقارير محلية، فإن نحو 250 ألف متقاعد يوطّنون معاشاتهم لدى المصرف العقاري، أي ما يقارب 50% من إجمالي الرواتب والمعاشات الموطنة في المصرف، وهو ما يبقي الضغط على شبكة الصرافات كبيراً، حتى مع زيادة السيولة بمليارات الليرات في بعض الأيام.
وفي هذا السياق، تعمل الحكومة السورية حالياً على نقل جزء كبير من رواتب العاملين إلى تطبيقات الدفع الإلكتروني مثل “شام كاش“، في خطوة تهدف إلى الحد من الازدحام على الصرافات وتخفيف العبء عن القطاع المصرفي.
هل التحول نحو نظام تطبيقات الدفع الإلكتروني هو الحل؟
الاعتماد على تطبيقات الدفع الإلكتروني يعني عدم حيازة الكاش أو الحاجة له، بحيث يكون حسابك وما ستدفع له بشكل رقمي عبر تطبيقات خاصة.
بالرغم من أهمية هذا الإجراء، إلا أنه تعرّض لانتقادات من قبل عدد من الخبراء الاقتصاديين، فبحسب رأي الأستاذ حسن حزوري من كلية الاقتصاد، يُعد مبدأ التحول الرقمي في إدارة الرواتب خطوة مهمة وضرورية، غير أن تطبيق القرار بهذه السرعة، قبل استكمال البنية التحتية الرقمية وتأمين البيئة التشريعية والتقنية المناسبة، قد يؤدي إلى تحديات كبيرة على أرض الواقع.
ومن أبرز هذه التحديات حصر العملية في شركتين فقط لتحويل الأموال (الهرم والفؤاد)، الأمر الذي يعزز من الاحتكار ويؤدي إلى طوابير انتظار طويلة تهدر وقت الموظفين وتؤثر سلباً على كرامتهم وسير عملهم. كما تبرز مخاوف جدية من احتمالية اختراق أو سرقة بيانات المستخدمين، خاصة في ظل تدني ثقة شريحة واسعة من السوريين بالتطبيقات الإلكترونية، وغياب خدمة إنترنت مستقرة، ما يجعل استخدام التطبيق أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة للكثيرين.
ولمعالجة هذه المشكلات، اقترح حزوري إشراك المصارف العامة والخاصة ضمن المنظومة بدلاً من حصرها في الشركات الخاصة فقط، إلى جانب ضرورة تطوير البنية التحتية الرقمية وتعزيز أمن الخوادم بالتعاون مع شركات متخصصة في الأمن السيبراني، بما يضمن حماية بيانات المستخدمين وتشفير المعاملات المالية.
كما دعا إلى تنفيذ المشروع بشكل تدريجي عبر مراحل تجريبية تشمل فئات محددة، مثل موظفي قطاعي التعليم أو الصحة، بهدف اختبار فعالية النظام ورصد التحديات، ثم التوسع المدروس استناداً إلى نتائج التجربة. إضافة إلى ذلك، شدد على أهمية إنشاء مراكز دعم مؤقتة في جميع المحافظات لمساعدة الفئات الأقل خبرة تقنياً، مع توفير خدمات السحب بشكل مجاني أو برسوم رمزية.
باختصار، الصرافات الآلية مرتبطة بمحموعة من المشكلات الرئيسية التي تعاني منها سوريا منذ سنين، كالكهرباء، والسيولة، وغياب الصيانة، لذا لا بد من وجود آلية متكاملة وحلول شاملة تعالج المكلة بكافة جوانبها حتى يتم حلها.
اقرأ أيضاً: الأطباء المقيمون في مشافي وزارة الصحة..عشرة أشهر بلا رواتب









