المجتمع السوري

الصدامات المناخية في سوريا: عامل آخر يفاقم أزمة السوريين

شهدت سوريا منذ عقد من الزمن صدامات مناخية متفاقمة، انعكست بشكل مباشر على حياة الشعب السوري واقتصاد البلاد القائم على الزراعة، التي تأثرت بشكل كبير. تجسدت تلك الصدامات على شكل تقلبات مناخية متمثلة بموجات جفاف طويلة وغير مسبوقة ترافقت مع ارتفاع بدرجات الحرارة فوق المعدل الطبيعي. كل ذلك، جاء متزامناً مع التراجع الحاد في الموارد المائية ما عمّق من تدهور البنية الزراعية وهشاشتها، بالتالي انعكس بشكل مباشر على الأمن الغذائي للسكان.

لم يقتصر أثر الصدامات المناخية التي شهدتها سوريا على البيئة فقط، بل تعداها ليصب بصلب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، فزاد من تعقيدات الأمور وزاد الحمل على المجتمعات المحلية التي تعتاش من الزراعة والموارد الطبيعية. في مقالنا هذا سنتناول بداية الصدامات المناخية في البلاد ونستعرض انعكاساتها وما خلّفت لليوم من آثار توصف بالكارثية، محاولين من خلال هذا الاستعراض استنباط حلول مجدية يمكن لها إنقاذ الواقع الحالي بأقل الخسائر.

بداية الصدامات المناخية في سوريا

أعدّت سوريا أول بلاغ وطني لها بشأن تغير المناخ في العام 2010، بعد أن بلغ إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري 79 مليون طن من مكافئ ثاني أكسد الكربون خلال العام 2005. لتقدر منظمة تأثير المناخ حجم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري خلال عام 2023 بنحو 60 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وكان قطاعا النقل وتوليد الطاقة صاحبا النصيب الأكبر من هذه الانبعاثات.

في العام 2010، تركزت أسباب هذه الانبعاثات بشكل رئيسي في قطاع الطاقة 73%، ثم قطاع الزراعة 18%، وكلا القطاعين ساهم بأكثر من 90% من إجمالي حجم الانبعاثات في سوريا، إلى جانب مساهمة النفايات بنسبة 5% خلال الفترة بين عامي 1994 و2005.

في العام 2021 زاد انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في سوريا بمقدار 1.01 ميغا طن، أي بأكثر من 4.06 في المئة بالمقارنة بالعام 2020، وسجلت إحصائية أن سوريا تحتل المرتبة 108\184 في ترتيب الدول لانبعاثات الكربون مصنفة من الأقل إلى الأكثر تلوثاً.

اقرأ أيضاً: ألواح الطاقة الشمسية: كيف تؤثر على المناخ.. وما واقعها في سوريا؟

أشكال الصدامات المناخية في سوريا وآثارها

أحد أبرز أشكال تلك الصدامات، موجة الجفاف التي تشهدها البلاد، والتي تصنف على أنها أسوأ موجه جفاف شهدتها سوريا منذ عقود. ما قد يضاعف معاناة البلاد الخارجة من 14 عاماً من الصراع. إضافةً لتراجع الأمطار وجفاف كل من البحيرات والأنهار ما زاد من ذبول المحاصيل وضاعف نقص مياه الشرب في أنحاء متفرقة من البلاد.

حسب تقرير وكالة “أسوشيتد برس” في الرابع من أيلول الجاري، وبعد استطلاع أجرته مع العديد من المواطنين السوريين، جاءت النتائج عبر شهادات المواطنين، إذ يقول أحد المزارعين من ريف دمشق أن الجفاف قد دمر محاصيله وجفاف الآبار فاقم من مشكلته، مشيراً إلى أن الأرض تفتقد للمياه، هذا الموسم ضعيف وفقير بالمياه. الإنتاج في السنة الحالية حسب قوله لا يتجاوز ربع ما كان ينتج في السنين الجيدة الماضية، لافتاً إلى أنه اضطر للاستغناء عن نصف عماله في موسم الحصاد نتيجة تأثير عامل الجفاف على الإنتاج.

يؤكد مسؤولون سوريون تفاقم أزمة الجفاف في البلاد وتأثيرها على المحاصيل الزراعية، إذ صرّح مدير التخطيط والاقتصاد الزراعي في وزارة الزراعة في سوريا “سعيد إبراهيم”، أن سوريا كانت قبل عام 2011 تنتج ما بين 3.5 و4.5 ملايين طن من القمح سنوياً، ما يكفي لتلبية الاحتياجات المحلية. لكن اليوم، انخفض الإنتاج إلى ما يقارب مليون طن فقط في الموسم الحالي، ما سيجبر البلاد على استيراد الجزء الأكبر من حاجتها الغذائية. محذراً من أن “الاعتماد الكلي على الاستيراد والمساعدات يهدد الأمن الغذائي للبلاد ويجعل الوضع غير مستدام على المدى الطويل”.

في سياق متصل، يشير مدير الموارد المائية في إدلب “مصطفى سماق”، إلى أن منسوب المياه الجوفية انخفض أكثر من عشرة أمتار في ثلاثة أشهر فقط نتيجة للإفراط في الضخ وغياب الأمطار، وهو ما ينذر بتدمير الزراعة التقليدية في المنطقة.

ما يدق ناقوس الخطر بشأن الأمن الغذائي في سوريا، هو تصريح المتحدث باسم وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، “مضر ديوب”، فحسب “ديوب” إن محصول القمح الحالي “لن يكفي لأكثر من شهرين أو ثلاثة”، والحكومة الحالية تعتمد في الوقت الراهن على توقيع عقود استيراد جديدة وعلى مساعدات من دول مجاورة مثل العراق. لكن على المدى البعيد هذا ليس حل.

الشكل الثاني للتصادمات المناخية في البلاد، انعكس على المياه الجوفية بفعل قلّة الأمطار وسوء الاستخدام من قبل السكان، واستغلال الحرب لحفر الآبار بشكل مخالف للشروط الصحيحة لذلك، مما استنزف تلك المياه وترك البلاد في حالة من التخبط المائي، فالسيطرة التركية على السدود في شمال شرق البلاد والإسرائيلية في الجنوب ستكون نتائجها كارثية على الواقع المائي للبلاد، وستظهر خلال وقت قصير.

لقد تفتت الحيازات الزراعية واستغل البعض ظروف البلاد خلال سنوات الحرب. وتبين في آخر إحصاء عام 2021 وجود 57 ألف بئر في محافظة ريف دمشق لوحدها، إلى جانب ضعف إمكانيات المتابعة وصعوبة الرصد وغياب تجهيزات القياس، ما أدى لاتساع ظاهرة تداول المياه الجوفية كسلعة في بعض المناطق.

حسب إحصائيات، بلغ متوسط الموارد من المياه الجوفية المتاحة للاستخدام خلال الفترة من 2001 إلى 2011 ما يقارب 16.2 مليار متر مكعب، بينما بلغ متوسط الاستخدامات 17.7 مليار متر مكعب، أي بنسبة 109% من الموارد المتاحة، مما أدى إلى عجز في الموازنة المائية قدره 1.5 مليار متر مكعب. وفي عام 2007، بلغ العجز المائي 3.5 مليارات متر مكعب، وتم تعويضه من خلال ضخ كميات كبيرة من المياه الجوفية، مما أدى إلى جفاف آلاف الآبار وانخفاض مناسيب المتبقي منها وتقلص تدفقات الينابيع.

نلاحظ من خلال ما تقدم أن الجفاف المتنامي في البلاد، والذي تحوّل فيما بعد لموجات غير مسبوقة مترافقة مع ارتفاع درجات الحرارة وقلّة في الأمطار، كان العامل الرئيسي بتراجع الزراعة ومحصول القمح الاستراتيجي والرئيسي في البلاد. وكل تلك العوامل المناخية والعوامل العسكرية في ظل ما شهدته المنطقة من صراع، والسيطرة الاحتلالية من قبل تركيا واسرائيل لموارد المياه، التي هي من المكتسبات الطبيعية للجغرافيا السورية. فاقم وساهم بتدهور الأحوال الزراعية للسكان، بالتالي تراجعت احوالهم الاجتماعية والمعيشية، وبات الشعب السوري يرزح تحت الفقر ونقص الموارد.

اقرأ أيضاً: أزمة المياه في سوريا.. الآبار العشوائية مسمار في نعش المياه الجوفية

السياسات الحكومية تجاه تغير المناخ في سوريا

تعاملت الحكومة السورية مع التحذيرات المناخية ما قبل العام 2011 بنوع من الإنكار والتجاهل، وحتى بعد العام 2011 كان خطاب الحكومة السابقة كعادتها إنشائي وفارغ ولا تجسيد له على أرض الواقع. فقد استمرت في الاعتماد على الزراعة التقليدية رغم علمها بتهديدها بالجفاف، وغضت الطرف عن إعداد خطط جدية لحماية الموارد المائية وإدارتها ومواجهة التصحر الذي كان قد بدء  زحفه في البلاد.

على الرغم من مشاهدتها لموجات الجفاف تضرب البلاد بين عامي 2006-2010 لم تحرك الحكومة السابقة ساكناً، بل اكتفت بالخطابات التعبوية عن التنمية المستدامة وضرورتها، دون أن تقدم أدوات حقيقية على الأرض لتساهم بها، أو تدعم من يريد إحقاقها. مما ساهم بتعميق الأزمات البيئية فالاقتصادية ما انعكس بطبيعة الحال على الاجتماعية.

بعد اندلاع شرارة الحراك الشعبي تراجعت السياسات البيئية وأصبحت على الهامش بالكامل، حتى السطور الإنشائية غابت عن المشهد. سُمح بانتشار التلوث، ونهب الغابات، واستنزاف المياه الجوفية. كل ذلك وسط انهيار شبه كامل للبنية التحتية تحت فكّي الإهمال والعمليات العسكرية، دون رقابة أو حماية.

لم تكن سلطة الأمر الواقع آنذاك وحدها المسؤولة، بل توزعت المسؤولية بين القوى المتصارعة في البلاد، من شمال شرق سوريا “قسد” واستخراج النفط بطريقة بدائية في الرقة ودير الزور، وصولاً “لحكومة الإنقاذ” في إدلب وقطع الأشجار في ريف المدينة.

أما في الوقت الراهن، لا يمكن تحميل السلطات الجديدة مسؤولية ما يحصل في مناخ سوريا في الوقت الحالي، لكن هذا لا يعفيها من التحرك الفوري وتبني سياسات بيئية واقتصادية وفق الخيارات المتاحة في البلاد لإنقاذ ما تبقى منها.

اقرأ أيضاً: الاستمطار الصناعي… إلى متى سيكون الحل المؤجل لأزمة الجفاف في سوريا؟

حلول مقترحة تقارب واقع الحالة السورية

في الأفق السوري الحالي، لنكن منطقيين في الطرح، أن أيّ مشروع باهظ التكلفة غير متاح حالياً، فالسلطات في الوقت الراهن تحاول النهوض بالاقتصاد وإيفاء الديون الدولية بشق الأنفس. لكن هناك طروحات تلامس المنطق نسبياً تتمثل: ببناء سدود ترابية لتغذية المياه الجوفية قدر المستطاع فلا مجال لزيادة غزارتها عبر الاستمطار الصناعي الباهظ التكلفة والغائب عن سوريا في الوقت الحالي.

كما يجب تشجيع زراعة محاصيل مقاومة للجفاف ومتأقلمة معه إلى حدٍ ما، واستهلاكها للمياه قليل (كالشعير والزيتون). العمل على اعتماد أساليب الريّ الحديثة كالريّ بالتنقيط والابتعاد عن إهدار المياه والاستجرار الغير شرعي للمياه الجوفية.

أيضاً القيام بحملات تشجير كمحاولة لتعويض فاقد الغطاء النباتي الناجم عن الحرائق الأخيرة وسابقاتها في السنين الماضية، مع الانتباه لنوع الأشجار والنباتات المزروعة هل تناسب المنطقة أم لا.

النظر للنموذج الأردني، كنموذج يحتذى به لمواجهة التغير المناخي بإمكانيات بسيطة، خصوصاً أن الأردن لديها تقريباً نفس الظروف المناخية القاسية من جفاف وارتفاع في درجات الحرارة. فقد طوّر الأردن برامج لتوفير المياه وإدارة استخدام موارد الطاقة ومنها الطاقة الشمسية، ما ساهم في تخفيف آثار نقص الموارد رغم الامكانيات المحدودة المتاحة.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى