أعمال واستثمار

الصادرات السورية أمام امتحان الجودة: هل تكفي شراكة “يونيدو” لفتح الأسواق؟

الكاتب: أحمد علي

لا تفتح الأسواق أبوابها للسلع بالعاطفة. قد يكون المنتج سورياً، وقد يحمل وراءه تاريخاً طويلاً من العمل الزراعي والصناعي، لكن ذلك لا يكفي عند نقطة الفحص. هناك يسأل المستورد عن المواصفة، وعن شهادة المطابقة، وعن المختبر، وعن سلامة العبوة، وعن قدرة المنتج على أن يصل في الشحنة الثانية كما وصل في الأولى. عند هذا الحد تصبح الجودة جزءاً من السياسة الاقتصادية، لا ملحقاً فنياً على هامش الإنتاج.

من هنا يمكن قراءة الشراكة التي بحثتها هيئة المواصفات والمقاييس العربية السورية مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية “يونيدو” في آذار 2026. العنوان المعلن هو تعزيز البنية التحتية للجودة وتسهيل الوصول إلى الأسواق، ضمن مشروع التعافي الاقتصادي بالتعاون مع وزارة الاقتصاد والصناعة. واعتماد الهيئة كنقطة اتصال رسمية في المشروع يعني أن الملف لم يعد محصوراً في المختبرات وحدها، بل دخل في سؤال أوسع عن قدرة الدولة على تنظيم الإنتاج والتصدير.

الصادرات السورية وسؤال الثقة

تحتاج الصادرات السورية إلى الثقة قبل حاجتها إلى الدعاية. فالمعبر قد يسمح للبضاعة بالمرور، لكنه لا يصنع قبولها في السوق. القبول تصنعه سلسلة طويلة تبدأ من المادة الأولية، وتمر بخط الإنتاج، وتنتهي بالاختبار والتغليف والشهادة. أي خلل في هذه السلسلة لا يضر مصنعاً واحداً فقط، بل يضعف صورة المنتج السوري كله.

الأرقام تشرح حجم المشكلة. تقديرات منشورة في صحيفة الثورة السورية تحدثت عن صادرات لا تتجاوز 1 إلى 1.5 مليار دولار سنوياً، مقابل أكثر من 10 مليارات دولار في بعض السنوات قبل عام 2011. قد تختلف طرق الحساب بين مصدر وآخر، لكن الاتجاه العام واضح. سوريا خسرت جزءاً كبيراً من طاقتها التصديرية، وخسرت معها أسواقاً وثقة وعلاقات تجارية تحتاج إلى وقت لاستعادتها.

هنا لا يكون تحسين الجودة عملاً تجميلياً. إنه شرط للعودة. المنتج الغذائي يحتاج إلى سلامة، والدواء يحتاج إلى ضبط، والنسيج يحتاج إلى مواصفة ثابتة، ومواد البناء تحتاج إلى اختبار متانة. السوق لا تسأل فقط عن السعر. السوق تسأل عما إذا كان المنتج قابلاً للتكرار، وما إذا كانت الجهة التي فحصته موثوقة، وما إذا كانت الشهادة قابلة للاعتراف خارج الحدود.

بهذا المعنى، يصبح كلام مدير هيئة المواصفات ياسر عليوي عن تطوير القدرات الفنية والمؤسسية، ولا سيما القياس وتقييم المطابقة، كلاماً في صلب الاقتصاد لا في هامشه. فالدولة التي لا تملك نظام قياس وفحص معترفاً به تترك المصدر وحيداً أمام شكوك السوق. وقد يستطيع بعض كبار المنتجين تجاوز ذلك بشهادات خارجية مكلفة، لكن الصناعات الصغيرة والمتوسطة ستبقى عاجزة، وهي بالذات تحتاج إلى دعم إذا كان الهدف توسيع قاعدة التصدير لا خدمة قلة محدودة.

ماذا تضيف يونيدو وما الذي لا تستطيع فعله؟

تضع “يونيدو” برنامج التعافي الصناعي في سوريا 2026-2030 ضمن أفق يمتد خمس سنوات، وبميزانية إجمالية معلنة تبلغ 150 مليون دولار. البرنامج يتحدث عن تحديث البيئة الصناعية، وإعادة بناء البنية التحتية للجودة، وتحسين الأطر التنظيمية، وتطوير المهارات، وتحديث المناطق الصناعية، وتعزيز الوصول إلى الأسواق الإقليمية والدولية. كما يحدد قطاعات ذات أولوية، بينها الصناعات الزراعية الغذائية، والنسيج والألبسة، ومواد البناء، والمنتجات الخشبية، والصناعات الهندسية والكيميائية.

اختيار هذه القطاعات مفهوم. الغذاء والنسيج ومواد البناء ليست قطاعات بعيدة عن الخبرة السورية. لكنها اليوم تعمل في بيئة أصعب. الكهرباء ضعيفة، التمويل مكلف، خطوط الإنتاج تحتاج إلى تحديث، النقل غير مستقر، والمنافسة الإقليمية أشد مما كانت عليه. لذلك تستطيع “يونيدو” أن تساعد في بناء الأطر الفنية والتدريب والمخابر، لكنها لا تستطيع وحدها أن تخلق صناعة قادرة على التصدير إذا بقيت بقية الحلقة مكسورة.

الحديث عن إنشاء هيئة وطنية لسلامة الغذاء يدخل في هذا السياق. الغذاء هو أحد أكثر أبواب التصدير حساسية. رفض شحنة واحدة بسبب خلل في الفحص أو التوسيم قد يضر بسمعة قطاع كامل. وجود هيئة واضحة الصلاحيات، مدعومة بمخابر قادرة ونظام تفتيش فعلي، يمكن أن يرفع الثقة. أما إذا بقي الأمر عنواناً إدارياً، من دون تمويل واستقلال فني ورقابة منتظمة، فلن يتغير الكثير.

الخطر الآخر هو تحويل الشهادة إلى سلعة. تقارير محلية نقلت عن خبراء وشركات سورية تحذيرات من بيع شهادات جودة، ومنها شهادات أيزو، دون تدقيق حقيقي. هذه ليست مسألة شكلية. الشهادة الضعيفة لا تفتح السوق طويلاً، بل تفتح باب الفضيحة. وحين تنكشف، لا يسقط اسم الشركة وحدها، بل يسقط معها جزء من الثقة العامة بالمنظومة كلها.

السوق يفتح حين تكتمل السلسلة

هناك متغير خارجي مهم. المفوضية الأوروبية اقترحت في نيسان 2026 استئنافاً كاملاً لاتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وسوريا، مع الإشارة إلى أن الاتفاق يلغي الرسوم الجمركية على معظم المنتجات الصناعية ذات المنشأ السوري المستوردة إلى الاتحاد الأوروبي، ويمنع القيود الكمية على الجانبين، بعد أن كان التعاون قد عُلّق جزئياً منذ عام 2011. هذا التطور يفتح احتمالاً سياسياً وتجارياً، لكنه لا يضمن عبور البضائع عملياً.

إلغاء الرسوم لا يعني قبول السلعة إذا لم تطابق المواصفات. الباب القانوني شيء، والرف التجاري شيء آخر. بين الاثنين توجد كلفة فحص، وشهادة، وتعبئة، ونقل، وتأمين، وقدرة على الالتزام بمواعيد التسليم. لذلك قد تبدو السوق مفتوحة في النصوص، لكنها تبقى مغلقة أمام منتج لا يملك أدوات الدخول.

ولهذا لا تكفي شراكة “يونيدو” وحدها، رغم أهميتها. المطلوب أن تتحول إلى جزء من سياسة صناعية واضحة. سياسة تربط المختبر بالمصنع، والمواصفة بالتدريب، والشهادة بالرقابة، والتصدير بالتمويل والطاقة والنقل. عندها فقط يصبح تطوير الجودة طريقاً إلى الأسواق، لا اجتماعاً ناجحاً ينتهي بصورة وبيان.

الخلاصة أن الصادرات السورية أمام امتحان حقيقي. لا ينقصها الحديث عن الرغبة في العودة إلى الأسواق، بل تنقصها أدوات العودة. شراكة “يونيدو” قد تكون بداية مفيدة إذا وضعت اليد على موضع الضعف، وهو الثقة. أما إذا بقيت الجودة ملفاً منفصلاً عن الكهرباء والتمويل والإنتاج والرقابة، فستظل الأسواق مفتوحة نظرياً، ومغلقة عملياً.

فالسوق لا يصدق النوايا، يصدق المنتج الذي يُفحص ويثبت، ومن هنا يبدأ الطريق الصعب أمام الصادرات السورية.

اقرأ أيضاً: شركة زراعية قابضة: هل تصبح الزراعة قاطرة للتعافي والصادرات؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى