الشيخ هلال..قرية القباب البيضاء التي دمرتها الحرب ونهبها «الإيرانيون»

من قبابها البيضاء، وتراث أهلها كانت تعرف مدينة الشيخ هلال كقرية أثرية، حيث لا تكاد تخطو خطوة فيها إلا وتجد بقعة أثرية تعود لعصور مضت، حيث حتى في حال فكرت ببناء منزل مشابه قد تجد تحت أرضك مغارة أو كهف تاريخي، كما حصل مع أحد السكان. وبالرغم من تعداد سكانها القليل، إلا أنهم كانوا يحملون في طيات حياتهم اليومية بساطة الريف، وتقاليد أجدادهم، حتى أصبحوا مقصد الكثير من السياح الأجانب الذين استقبلوهم في بيوتهم البسيطة، وأطعموهم طعامهم التقليدي ضمن ما يسمى “السياحة التضامنية”. في هذا المقال الحصري «لسوريا اليوم 24»، سنذهب في رحلة تاريخية إلى هذه القرية التي تدمرت، وشرّد أهلها، ونهب «الإيرانيون» الذين كانوا يسيطرون عليها آثارها.
الشيخ هلال موقع حيوي وتاريخي
تقع قرية الشيخ هلال في محافظة حماة، وهيي تابعة لمنطقة سلمية على بعد 55 كم من شمالها الشرقي، وعلى أطراف البادية السورية، على الطريق الحيوي المؤدي إلى الرقة الذي يربط وسط سوريا بمنطقة الفرات والجزيرة. وهي منطقة شبه جافة، وتقدر نسبة الأمطار فيها بـ 200 مم، وهي النسبة المعتادة لتلك المنطقة.
شُيدت قباب هذه القرية فوق أنقاض بلدة بيزنطية ازدهرت حتى القرن التاسع الميلادي، وتشي تلالها الترابية في الشرق، وبقايا آثارها المنتشرة، إضافة إلى تلها الأثري المعروف لدى الأهالي باسم “القلعة”، عن تاريخها العريق. وبحسب المسح الذي أجرته جمعية أصدقاء سلمية عام 2007، كان يسكن القرية نحو 700 شخص يشكلون حوالي 150 عائلة.
تاريخياً غزت القبائل البدوية سكان تلك المنطقة في القرن الثامن عشر مما أدى لهجرة سكانها، إلا أنه في النصف الأول من القرن التاسع عشر، شجّعت الدولة العثمانية على إعادة إعمار البادية ومناطق الفرات والجزيرة لأسباب تعلقت بتقوية نفوذها من جهة، وتوسيع زراعة الحبوب بعد الأزمات الاقتصادية التي تلت حملة إبراهيم باشا على الشام. وفي هذا السياق، استقر في قرية الشيخ هلال عام 1920 مهاجرون إسماعيليون قدموا من الجبال الساحلية، خاصة من القدموس ومصياف، وكان معظمهم مزارعين يبحثون عن حياة مستقرة.
هندسة القباب البيضاء للبيوت
تميزت العمارة في قرية الشيخ هلال بالبيوت الطينية القديمة وهي النمط المعماري الذي كان سائداً في الريف السوري، واستخدموا بقايا الأحجار الأثرية لإعادة بناء بيوتهم الترابية.
وشدت البيوت أنظار كل من مر بها، لتميزها وتفردها بطريقة بناء جميلة وجذابة، فبيوتها عبارة عن غرف مبنية من اللبن (الطوب المصنوع من التراب والقش)، بعضها ذو أسطح مستوية، وبعضها قبب أو غرف مخروطية، وتتوزع وفق مخطط يشبه الشطرنج، مستوحى من آثار البلدة القديمة، وتتجمع الغرف عادة حول مساحة داخلية مسوّرة، وتتميز المنازل بوجود بئر وحديقة صغيرة أو أماكن مخصصة لتربية المواشي والدواجن.
تعد القباب من أبرز أشكال العمارة الطينية، خاصة في المناطق الفقيرة بالحجر والخشب، فهي مناسبة للظروف المناخية والاجتماعية والاقتصادية، وقد يصل ارتفاع بعضها إلى 5 أمتار، ولكل قبة باب خشبي وفتحات صغيرة للتهوية، كما تُغطى بالكلس الأبيض للحماية والتجميل، وتوضع حجارة مسطحة على سطحها لتسهيل الصعود أثناء الترميم، وبحسب مسح أجرته جمعية أصدقاء سلمية “الأغا خان” عام 2007، كان يوجد في القرية 348 قبة، 30% منها ما زال صالحاً للسكن، إضافة إلى 45 منزلاً مهجوراً من أصل 133 منزلاً.
والجدير بالذكر أن معظم البيوت بسيطة من الداخل والخارج، باستثناء بعض البيوت الكبيرة التي تحتوي على غرف من الحجر والإسمنت.
اقرأ أيضاً: إدلب تنهض بتراثها وتعيد افتتاح مركزها الثقافي
الزراعة وتربية المواشي أساس الحياة الاقتصادية
على الرغم من مناخ قرية الشيخ هلال شبه الجاف، إلا أن سكانها وجدوا في الزراعة البعلية وخاصة زراعة الشعير، إضافة إلى بعض الزراعات المروية بالمياه الجوفية القريبة من السطح، سبيلاً للاستمرار في القرية، حيث تمتد أراضي القرية على مساحة تقارب 3,300 هكتار، وخلال العهد البيزنطي والعصر العباسي انتشرت في القرية ثلاث قنوات مائية كان الأهالي الذي سكنوها في حينه يسمونها “الأقنية الرومانية” أو “الفجارة/القطارة”، وقد أعادوا استخدامها بعد تنظيفها حتى ظهور المضخات الآلية في أواخر الأربعينيات، التي أنهت هذا الأسلوب التقليدي في إدارة المياه.
السياحة التضامنية مشروع ناجح أفشلته الحرب السورية
إنقاذاً لما تبقى من سكان وحياة اقتصادية في قرية الشيخ هلال بسبب التصحر، تأسست جمعية أصدقاء سلمية عام 2006، وطرحت بالتعاون مع مؤسسة الآغاخان للتنمية مشروعاً تنموياً لتحسين ظروف المعيشة في قرية الشيخ هلال المتضررة، وقد لاقى المشروع دعماً من الأهالي وجهات دولية مثل وكالة التنمية السويسرية والجمعية الكاثوليكية الفرنسية لمكافحة الفقر والتنمية.
بدأ المشروع عام 2008، وركز على تنشيط “السياحة التضامنية”، ودعم المشاريع الصغيرة، إضافة إلى الحفاظ على التراث المعماري المميز للقرية، التي تُعد مكاناً مناسباً لاستقبال السياح بفضل موقعها على أطراف البادية وجمال بيوتها الطينية.
وبحسب ما شرح إبراهيم زينو (أبو جعفر) ومحمد المحمد (أبو سليمان) لـ “سوريا اليوم 24″، وهما من سكّان المنطقة الذين نزحوا إلى مدينة سلمية هرباً من القيظ، اتفقت شبكة الأغا خان في ذلك الحين مع أهالي قرية الشيخ هلال على أن يستقبلوا وفود السياح الأجانب في منازلهم، ويطعموهم من طعامهم المصنوع محلياً، ويقدموا لهم مكاناً للنوم داخل القبب، مقابل تقاضيهم مبالغ مالية بسيطة، على أن تقوم مؤسسة الآغاخان بطلاء وتجهيز المكان، والترويج له بين السيّاح الأجانب خارج سوريا.

وقد ضم المشروع في مرحلته الأولى، ترميم 12 قبة ضمن 6 منازل، مع تجهيزها بحمامات حديثة، وهذا ما شجع السكان على الاهتمام بتراثهم. وبالفعل، استقبلت القرية بين عامي 2008 و2010 نحو 537 سائحاً من دول أوروبية مثل فرنسا وإيطاليا، قضوا ما مجموعه 757 ليلة في تلك البيوت. وكانت أعداد السياح بارتفاع ملحوظ: فقد بلغ عددهم. 41 شخص في عام 2008، و158 في عام 2009، ثم 335 في عام 2010.
لكن لم يكتب للمشروع الاستمرار بسبب الأحداث المؤسفة في سوريا عام 2011.
وأفاد عضو جمعية أصدقاء سلمية، سامر ضحاك، أحد المشرفين على مشاريع العمل، أن كثيراً من الفرص بتحسين سبل العيش كانت تتوفر، وأن العديد من النساء والرجال خضعوا لدورات تأهيلية وتثقيفية، والعمل على إنتاج زراعي وتضمن 13 مشروعاً تتعلق بهذا النوع من السياحة وبخدمة الزوار.
وأضاف ضحاك، “عُدّت هذه السنوات من أكثر الفترات المميزة والذهبية في انطلاق السياحة التضامنية، إذ افتتح في القرية الطينية وداخل هذه القباب محال للألبسة والأحذية ذات الطابع التراثي، والأغذية من الإنتاج الزراعي والحيواني يخدم القرية السياحية وغيرها من القرى، بعد انتشارها من أنجح المشاريع الصناعات الغذائية كإنتاج البيض البلدي مثلاً”.
القرية خلال الحرب السورية وما بعدها
وفقاً لما أكده كل من إبراهيم زينو، ومحمد المحمد، لـ “سوريا اليوم 24″، فالقرية الآن مدمرة بالكامل، وقد هجرها أهلها، ما خلا عائلتين أو ثلاثة لديهم أغنام يتعيشون منها هناك.
شهدت المنطقة هناك معارك عنيفة بين داعش وجبهة النصرة من جهة، وهؤلاء ضدّ القوات الإيرانية التي عملت للدفاع عن النظام السوري السابق.
ويبدو، وكما أكّد مصدرنا، أنّ معرفة تاريخ وعراقة هذه القرية من قبل “المجموعات الإيرانية” العاملة هناك، جعلهم يستميتون للسيطرة عليها، ناهيك عن موقع القرية الاستراتيجي كأحد القرى الرئيسية هناك والتي تشكّل بوابة البادية.
وبالفعل، ووفقاً لمصادرنا، فبعد أن سيطرت “المجموعات الإيرانية” على المنطقة واستقرّت فيها، قاموا بنهبها بأحجارها وماحوته مدافنها، وبشكل خاص الفسيفساء الثمينة التي كانت تلمؤ القرية، والتي باتت اليوم خراباً دون آثاره.
ومن الجدير بالذكر أنّ الدولة السورية، منذ تأسيسها، كانت حريصة على عدم السماح بتخريب تلك الآثار، بل الأكثر من ذلك أنّ القبضة الحديدية للأمن كانت تخيف الكثيرين من الاقتراب حتّى من تلك المدافن الأثرية، إلّا من شهدت له شجاعته. ووفقاً لإبراهيم، فإنّ عدد المدافن في الشيخ هلال قد جاوز 360 مدفن.
يروى لنا مصدرنا قصصاً عن أشخاص كان فقرهم أعتى من خوفهم من الأمن، قاموا بالتنقيب هناك فوجدوا ذهباً، وتمّ اعتقالهم بعدها و”تعذيبهم بشتى الطرق” دون أن يقرّوا بمكان الذهب. فلما خرجوا من السجن، ذهبوا صورياً إلى السعودية لثلاثة أشهر، ليعودوا بعدها بأموال كثيرة اشتروا فيها منازل وسيارات وفتحوا عملاً.
وفي قصّة أخرى، تضاربت معلومات مصادرنا مع آخرين على أنّها حصلت منذ خمسين عاماً أم منذ ستين. كان أحد سكان القرية يحفر داخل منزله لتشييد قبة، فوجد بناء تحت أرض المنزل، مزيناً بالفسيفساء، فمضى دون تأخر لإبلاغ دائرة الآثار عمّا وجد. فقاموا بعد ذلك بمنعه من إكمال البناء، وعينوه حارساً على منزله مقابل راتب سنوي 250 ليرة سورية.
الجدير بالذكر أيضاً أنّ الشيخ هلال تقع على بعد 20 كيلومتر من منطقة أثرية أخرى شديدة الأهمية هي: “أثريا”، وهي التي لا تزال تحافظ حتى اليوم على بقايا من منازل وقلاع قديمة، دمرت بعضها العمليات العسكرية التي شهدتها تلك المناطق.
إنّ قرية الشيخ هلال ضحيّة – مثل الكثير من القرى والمدن السورية – للصراع والحرب الذي شهدتها سوريا، وما قصة نهبها من قبل “المجموعات الإيرانية” إلّا امتدادٌ لنهب آثار تدمر من داعش، وآثار إدلب من النصرة ومجموعات أخرى. لكن رغم أنّ آثار سوريا قد تدمر بمعظمه أو نهب، فلا تزال قصص التراث تُحكى ويتناقلها المهتمون علّها تبقى عبرة للقادمين.
اقرأ أيضاً: قرية داحس .. التراث المنسي في سوريا









