“الشقيعة” في دمشق.. الاستيلاء على الطرقات والمواقف فأين المحافظة منهم؟

بقلم هلا يوسف
من ينظر إلى دمشق من بعيد يرى فيها مدينة مليئة بالحياة والحركة، لكن من يدخل إلى شوارعها، ويعيش تفاصيل حاراتها يعرف مظاهر لم يكن يعرفها سابقاً. ومنها “الشقيعة”، هذا المصطلح القديم الجديد الذي يعشش في مجالات عديدة، حتى باتت هذه الفئة لا تهاب أحداً. ولذلك تستمر الشكاوى بالورود إلى موقع “سوريا اليوم 24” عن قصص مختلفة حول الشقيعة وتجدد ظهورها، وتناميه بعد التحرير.
فالشقيعة تجدهم في الحياة اليومية لدمشق، ويأخذ وجودهم أشكالاً مختلفة، من احتلال الأرصفة والشوارع إلى التجاوزات في بعض محطات الوقود، وسط شكاوى من غياب المحاسبة.
من هم “الشقيعة” ولماذا يشتكي منهم الناس؟
وردت إلى “سوريا اليوم 24” شكاوى من عدد من المواطنين تحدثوا فيها عن المعاملة السيئة التي يواجهونها من أشخاص وصفوهم بأنّهم “شقيعة”. ويقول أصحاب الشكاوى إن بعض هؤلاء يتصرفون في الشوارع وكأنها ملكية خاصة لهم، من دون أن يجدوا جهة قادرة على ردعهم أو محاسبتهم بشكل حقيقي.
ويُستخدم مصطلح “الشقيعة” في دمشق للإشارة إلى أشخاص يعملون بطرق غير رسمية أو مخالفة للقانون، ويقوم عملهم على استغلال المواطنين لتحقيق أرباح سريعة. ويطبقون هذه الممارسات في أكثر من مكان، مثل محطات الوقود، والأسواق، والمناسبات العامة، وغيرها من المواقع التي تشهد ازدحاماً أو حركة كبيرة للناس.
فإذا أخذنا مثلاً عن الأسواق، سنجدهم يشترون السلع المدعومة أو المطلوبة بكميات كبيرة ويقومون بإعادة بيعها بطرق غير قانونية وبأسعار أعلى. وفي بعض الفعاليات العامة، يعملون على استقطاب الأشخاص أو حشدهم مقابل مبالغ مالية، بينما تظهر أشكال أخرى من هذه الظاهرة داخل بعض محطات الوقود.
الشوارع تضيق… لأن البعض يتصرف وكأنها ملكه
من أكثر الشكاوى التي وصلت إلى “سوريا اليوم 24” تلك المتعلقة بالشوارع ومواقف السيارات. فقد تحدث أحد المواطنين عن شارع الباكستان قرب محل أبو عبدو، وقال إن الشارع ضيق ولا يتسع إلا لسيارتين. ويضيف أن الوضع يكون منظمًا عندما يكون شرطي المرور موجوداً، فلا يجرؤ أحد على الوقوف بشكل مخالف.
لكن بمجرد مغادرة الشرطي، يبدأ بعض الأشخاص بعرض خدماتهم بصف السيارات كما يريدون، ويعتبر كل واحد منهم المساحة المحيطة بسيارته حقاً خاصاً به، بل ويصرخ في وجه من يعترض على تصرفه بصفاقة و”زعرنة”.
ويقف هؤلاء في تلك المنطقة لا يفعلون شيئاً سوى صف السيارات بشكل مخالف – فالصفات النظامية مقوننة من المحافظة عبر شركة مصفات – وغسل السيارات في الشارع بشكل مخالف للقوانين أيضاً. مما يجعل الطريق أضيق ويزيد من الازدحام.
وفي إحدى ضواحي دمشق، يروي مواطن آخر قصة مشابهة، إذ يوجد أمام البناء الذي يسكن فيه مواقف مخصصة للسيارات، لكن أحد الأشخاص الذي وصل أخوته من “المحرر” حديثاً إلى دمشق، كما يقول صاحب الشكوى، قرر بشكل غير قانوني تخصيص مكان دائم لسيارته، وقام بوضع أعمدة حديدية صغيرة لمنع أي شخص من الوقوف فيه. ويقول سكان البناء إنهم لا يجرؤون على الاعتراض، لأن الرجل صفيق مستعد “للتشبيح” الجديد باسم أخوته الذين جاؤوا من “المحرر” وأصبحو في السلطة. في الحقيقة، لا نعلم إن كان أشقاؤه – إن علموا بما يحصل وباستخدامه لاسمهم – سيسمحون له بتلطيخ اسمهم، ولكن من الواجب على منفذي القانون أن يتصدوا لهكذا ظواهر حتى لا تفسح المجال أمام آخرين.
أما في مناطق وسط دمشق مثل أبو رمانة والشعلان، فيقول مواطنون إن بعض أصحاب المطاعم والمحلات يوظفون “شقيعة” ويضعون أصيص نباتات أو عوائق أمام محلاتهم لمنع الناس من ركن سياراتهم هناك بشكل غير قانوني، وفقط السماح لمن يدفع المال بركن سيارته.
وعلى الرغم من قيام دوريات الشرطة بإزالة هذه العوائق وتوجيه إنذارات للمخالفين بين الحين والآخر، إلا أنهم يعودون إلى الوضع السابق بعد مغادرة الدوريات.
محطات الوقود… تجاوزات تبدأ من الورديات وتنتهي بسرقة المواطنين
كما ذكرنا في بداية المقال، الشقيعة لا يقتصر عملهم على مهنة محددة، بل يمكن أن ينتقلوا “ليشبحوا” في محطات الوقود. فمنذ فترة قام بعض مديري المحطات باستقدام عمال شقيعة معروفين بأنهم غير نظاميين، على الرغم من أنهم لا يتبعون للمؤسسة الحكومية. ويعمل هؤلاء ضمن ورديات متقطعة تستمر كل واحدة منها نحو ثلاث ساعات، مقابل دفع مبالغ لمدير المحطة تتراوح بين مليون ونصف ومليوني ليرة سورية عن كل وردية.
وتقول المصادر إن هؤلاء يحاولون استرداد ما دفعوه وتحقيق أرباح إضافية بوسائل غير قانونية، من بينها التلاعب بعدادات الوقود وسرقة جزء من الليترات المخصصة للمواطنين، بالإضافة إلى تمرير أوراق نقدية مزورة بين الزبائن.
وتضيف المصادر أن التجاوزات لا تقف عند هذا الحد، إذ تم خلال تلك الفترة بيع نحو 4500 لتر من الوقود من ثلاث محطات في السوق السوداء، كما أشارت إلى تورط إحدى المحطات في عمليات بيع مماثلة.
لماذا تستمر هذه الظاهرة؟
قد يتساءل البعض أنه طالما أن عمل الشقيعة غير نظامي، فلماذا لا يتم محاسبتهم؟ يرى كثير من المواطنين أن المشكلة لا تكمن في وجود مخالفات فردية فقط، بل في تكرارها واستمرارها. فكلما تمت إزالة مخالفة أو توجيه إنذار، تعود التجاوزات من جديد، سواء في الشوارع أو أمام المحلات أو داخل بعض محطات الوقود.
ويعتقد أصحاب الشكاوى أن الحل يبدأ بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، مع رقابة مستمرة تمنع تكرار هذه التصرفات، لأن تركها من دون متابعة يجعل بعض الأشخاص يشعرون بأنهم قادرون على الاستمرار في تجاوز حقوق الآخرين.
في النهاية، قد يقول البعض إن ركن سيارة بطريقة مخالفة، أو حجز موقف سيارات بشكل دائم، ليست مشكلة كبيرة، لكن ما يجب التنبه له هو أن الفكرة في مخالفة القانون، فمن يتجرأ على تجاوز القانون بتصرف صغير، فمن الممكن أن يقوم بفعل أكبر من ذلك. والسؤال الوحيد هنا: متى ستنتهي ظاهرة الشقيعة ويتم تطبيق القانون على الجميع؟
اقرأ أيضاً: من حلم التنقل إلى عبء الصيانة: معادلة السيارات المستعملة القديمة









