صوت لم تُسكته الحرب: هل اختفى الشعر المغنّى السوري؟

بقلم: ديانا الصالح
في سوريا، لا يقف الشعر عند حدود الأوراق، فمنذ قرون، اعتاد الناس أن يقولوا حزنهم وفرحهم وغزلهم بصوت مرتفع، على إيقاع دف أو تصفيق أو عود، حتى تحوّل الشعر المغنّى إلى سلسلة كاملة من الفنون تشمل: القدود والموشحات في حلب، الزجل المرتجل في الريف والمدينة، المواويل والعتابا التي تعلو في المناسبات، لكن بعد سنوات الحرب والتهجير هل ما زال أحد يغنّي هذا الشعر؟ وأين يمكن أن نسمعه اليوم فعلاً؟
الشعر المغنّى أكثر من لون واحد
يضم الشعر المغنّى عائلة كاملة من الأنواع المتقاربة، فمن جهة هناك القدود والموشحات، وهما فنّان يقومان على “قدّ” الكلام الجديد على لحن أو وزن أغنية شائعة سلفاً، واشتهر بهذا النوع من الفنون مدينة حلب تحديداً، حتى صارت مثلاً في هذا اللون.
ومن جهة أخرى هناك الزجل وهو شعر عامي، لكنه مغنّى وغالباً ما يكون ارتجالياً، ويكون على شكل مبارزة ما بين شاعرين أمام جمهور، وهو منتشر في الريف كما في المدينة.
وإلى جانب الزجل والقدود، هناك أنواع أخرى كالمواويل والعتابا التي ترافق الأعراس والمناسبات، بحيث تشكل معاً نسيجاً واحداً لا يمكن أن تُفصل خيوطه بسهولة.
الشعر يُغنّى قبل وجود الحدود
تعود جذور بعض هذه الفنون إلى تاريخ مذهل، ووفقاً للشاعر ناظم أبو عاصي فإن أصل الزجل يعود إلى القديس مار أفرام السرياني، الذي عاش في القرن الثالث الميلادي في سوريا، وابتكر أوزاناً غنائية استُخدمت لاحقاً في القوالب الزجلية، أما القدود والموشحات فنشأت ضمن زوايا التصوّف والتكايا الحلبية القديمة، حيث كانت حلقات الذكر والإنشاد الديني تصوغ ألحاناً جديدة على قدّ أغانٍ متداولة.
ومع اختلاف أنواع الشعر المغّنى، بقي وسيلة الناس البسطاء للتعبير عن أنفسهم بلغة لا تحتاج إلى شهادة أكاديمية ولا إلى إذنٍ من أحد، حتى أنه كان يُغنى بين الفلاحين في المناطق الريفية أثناء العمل الزراعي.
كيف نظّم هذا الفن نفسه؟
لم يبقَ الشعر المغنّى عشوائياً على مرّ العقود، فقد نظّم نفسه ووثق ألحانه، ففي حلب ساعدت إذاعة المدينة التي أُسست عام 1949 على توثيق وتسجيل العشرات من القدود، بأصوات كبار المطربين قبل أن تندثر شفهياً.
وكذلك شهد الزجل السوري تنظيماً مشابهاً، عندما تأسست أول جوقة زجل في سوريا باسم “جوقة الشلال” عام 1965، ثم أصبح هناك جمعية شعراء الزجل في سوريا، وساهما سويةً في نقل هذا الفن من الارتجال الشفهي إلى تراث موثق من الممكن الرجوع إليه ودراسته.
الشعر المغنّى إلى العالمية
في كانون الثاني من عام 2021، أدرجت منظمة اليونسكو القدود الحلبية على لائحة التراث الثقافي الإنساني غير المادي، وهي خطوة اعتبرتها وزارة الثقافة السورية إضافةً لجزء من تراث المجتمع السوري العريق إلى التراث الإنساني العالمي.
تراث بلا جواز سفر
قد يكون أوضح دليل على أن الشعر المغنّى أكبر من أي مخططات سياسية، هو انتشاره الطبيعي بين سوريا ولبنان دون أي فارق يُذكر، فالزجل تحديداً منتشر بقوة في البلدين معاً، فشعراء الزجل اللبنانيين كانوا مثل السوريين، وعلت منابرهم في سوريا منذ سبعينيات القرن الماضي، كما شاركوا بصوتهم المباشر في أعراس سوريا وحفلاتها، فيما كانت أشرطة تسجيلاتهم متداولة بين الجمهور السوري قبل ذلك بسنوات.
وكذلك الأمر بالنسبة للقدود، فقط حمل مطربو القدود الحلبية هذا التراث إلى مسارح لبنان في مهرجانات عدة منها بيت الدين وعنجر وعالية وبعلبك، حيث كان الجمهور اللبناني يستقبله كونه يُعد امتداداً موسيقياً.
وينسحب الأمر نفسه على العتابا، وهي من أنواع الزجل والغناء الشعبي المنتشرة في بلاد الشام والعراق، وتُروى فيها قصص الناس وهمومهم اليومية، وتنتشر العتابا في سوريا ولبنان وفلسطين والأردن معاً، وما زال معظم المغنين يؤدونها في حفلاتهم وأمسياتهم الفنية، مترافقة مع الربابة والناي.
فيما تحكي إحدى الأساطير عن فلاح عاش في جبل الأكراد مع زوجته الفاتنة “عتابا”، وحين انتُزعت منه عنوةً بدأ يتنقل من بلد إلى آخر حتى استقر في شمال لبنان، حيث أنشد أول أبيات هذا الفن بيت باسمها، وعلى الرغم من أن الرواية أسطورية، وهي متداولة لكن بشكل غير موثق تاريخياً، إلا أنها تعكس كيف يتخيل الناس أصل فنّهم، الذي يمتد ضمن بلاد الشام كأنها جغرافيا واحدة لا حدود فاصلة بينها.
هل ما زال أحد يغنّي؟
تتوزع الأمسيات والحفلات في أكثر من مدينة سورية، ففي حلب بقيت المعاهد الموسيقية تستقبل طلاباً جدداً لتعلّم القدود والموشحات، حتى في أصعب سنوات الحرب، وتحمل اليوم حملة “حلب ست الكل”، التي بدأت في كانون الثاني 2025 محاضرات وأنشطة ومهرجانات مخصصة، لضمان انتقال هذا الإرث إلى الجيل القادم.
أما في دمشق، فقد خُصصت جلسة في المركز الثقافي بالمزة للحديث عن “جماليات الشعر المحكي”، ومناقشة سبل إعادته إلى الواجهة بعد سنوات من التغييب عن المنابر الرسمية، بمشاركة رئيس جمعية شعراء الزجل سامر غزال، إلى جانب شاعرين قدّما نصوصاً باللهجة المحكية، لاقت تفاعلاً من الجمهور.
وبعدها بأسابيع قليلة، وصل صوت آخر إلى العاصمة من الشرق السوري، ففي المركز الثقافي العربي بالعدوي، أُقيمت أمسية بعنوان “أبجدية الفرات وإيقاع الحصى”، شارك فيها ستة شعراء من الرقة.
يبدو أن الشعر المغنّى السوري يتجاوز كونه مجرد تراث يُحفظ في الأرشيف، فهو نبض حيّ يتجدد ليكون صوت الناس حين تعجز الكلمة المكتوبة عن حمل كل ما فيهم، مع تعدد أنواعه التي تشمل زوايا التصوف ومبارزات الزجل والمواويل والعتابا.
اقرأ أيضاً: موسيقى التصوف في سوريا.. نغم الروح ووجدان المدن السورية









