سياسة

الشرع يتصل بالرياض وأبو ظبي: أين تقف سوريا في معادلة أمن الخليج؟

الكاتب: أحمد علي

أجرى الرئيس أحمد الشرع اتصالين مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد في غضون ساعات بين 30 و31 تموز 2026، بعد أيام من محاولة استهداف منشآت نفطية سعودية بطائرات مسيّرة قالت دمشق والرياض إنها انطلقت من الأراضي العراقية. حمل الاتصال السعودي موقفاً سورياً مباشراً، إذ جدد الشرع إدانة الهجوم وأكد دعم سوريا لأمن المملكة وسيادتها، بينما ركز الاتصال الإماراتي على استمرار التشاور وتثبيت الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة.

جاء التحرك بعد اتساع الحرب الإقليمية إلى منشآت الطاقة والممرات البحرية وأراضي عدد من الدول العربية، وبعد إعلان السعودية استهداف مواقع داخل العراق قالت إنها مرتبطة بالهجمات على أراضيها. هذا التتابع يضع الاتصالات خارج إطار المجاملة الدبلوماسية المعتادة، لكنه لا يحولها تلقائياً إلى تحالف أمني. البيانات الرسمية لم تعلن اتفاقاً دفاعياً أو آلية عمليات مشتركة، ولذلك يبدأ السؤال من الموقف السياسي الذي اختارته دمشق، ثم ينتقل إلى ما تستطيع تقديمه فعلياً وما يقيّد حركتها.

أمن الخليج في الموقف السوري

تعاملت دمشق مع الهجوم على المنشآت السعودية بصيغة تتجاوز الإدانة العامة. قالت وزارة الخارجية في 27 تموز إن استهداف منشآت في منطقتي الرياض والشرقية يمثل انتهاكاً لأمن المملكة واستقرارها وتهديداً لأمن المنطقة، وأعلنت دعمها لما تتخذه الرياض لحماية سيادتها وسلامة أراضيها. كرر الشرع هذا المعنى في اتصاله بولي العهد السعودي بعد ثلاثة أيام، وربطه الجانبان بالمساعي الرامية إلى خفض التصعيد.

لا يبدأ هذا التموضع من اتصال واحد. في حزيران 2025 أعلنت الخارجية السورية أن أمن دول الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي السوري، خلال إدانتها الهجمات الإيرانية التي تعرضت لها قطر ودول أخرى في مجلس التعاون. وعندما تجددت المواجهة في آذار 2026، رحبت دمشق بقرار مجلس الأمن رقم 2817 الذي أدان الهجمات على دول الخليج والأردن، ودعت إلى وقف التصعيد واحترام سيادة الدول.

قدّم الشرع في اجتماع إقليمي أوروبي عقد في 9 آذار تصوراً أكثر تحديداً لدور بلاده. قال إن سوريا عززت قواتها على الحدود لمنع انتقال تداعيات الصراع إلى أراضيها، ومكافحة التنظيمات العابرة للحدود، ومنع استخدام الأراضي السورية في العمليات الإقليمية. يحدد هذا الكلام الوظيفة الأمنية التي تستطيع دمشق عرضها على دول الخليج، وهي ضبط المجال السوري ومنع تحوله إلى ممر للمقاتلين والسلاح والطائرات المسيّرة، مع تنسيق سياسي مستمر مع العواصم العربية.

تقع أهمية هذا الدور في موقع سوريا بين العراق وتركيا ولبنان والأردن والبحر المتوسط، وفي ارتباط شرقها بمسارات كانت تستخدمها جماعات مسلحة مرتبطة بإيران خلال سنوات الحرب. لا تكشف البيانات المنشورة عن حجم السيطرة الفعلية على كل هذه المسارات أو عن ترتيبات تبادل معلومات مع دول الخليج. ويمكن استنتاج أن ضبط الحدود يخدم الأمن الخليجي، لكن لا يمكن الجزم بوجود بنية أمنية مشتركة وراء الاتصالات الأخيرة.

يشرح هذا الفرق سبب الجمع بين الدعم الواضح للسعودية والدعوة إلى خفض التصعيد. دمشق أيدت حق المملكة في حماية أمنها، وفي الوقت نفسه حافظت على خطاب يطالب بوقف اتساع الحرب. الموقف يسمح لها بالاقتراب من الرياض وأبوظبي من دون إعلان دخول مفتوح في المواجهة، ويجنبها التزاماً عسكرياً يتجاوز قدرات الدولة السورية واحتياجاتها الداخلية.

ما الذي تستطيع دمشق تقديمه؟

لا تدخل سوريا منظومة الدفاع الخليجي، ولم تتحدث الرياض أو أبوظبي عن ضمها إلى ترتيبات عسكرية قائمة. القيمة السورية تظهر في مساحة أخرى تبدأ بمنع استخدام أراضيها ضد الدول العربية، ثم مراقبة الحدود الشرقية وتقييد حركة الجماعات العابرة للدول، وتوفير قناة سياسية مع بغداد وبيروت وعمّان وأنقرة عندما تتقاطع الملفات الأمنية. هذه المهام تحتاج مؤسسات قادرة على التنفيذ، ولا تكفي فيها البيانات السياسية وحدها.

الحدود مع العراق هي الاختبار الأكثر مباشرة بعد الهجمات الأخيرة. الطائرات التي حاولت إصابة المنشآت السعودية نُسب إطلاقها إلى ميليشيات موجودة في العراق، ثم انتقل الرد السعودي إلى مواقع داخل الأراضي العراقية. لا تشترك سوريا في هذا المسار جغرافياً بصورة مباشرة، لكنها تقع على امتداده الغربي، وأي ضعف في دير الزور والبادية يفتح ممراً بديلاً للسلاح والأفراد. قدرة الدولة على ضبط هذه المنطقة تمنح الموقف الدبلوماسي وزناً، بينما يؤدي استمرار الثغرات إلى إبقاء سوريا جزءاً من المشكلة الأمنية التي تريد الابتعاد عنها.

تواجه دمشق في الوقت نفسه ضغوطاً داخلية وحدودية تجعل الانتقال إلى دور إقليمي واسع أمراً صعباً. ما زالت الحكومة تعمل على توحيد السلاح والمؤسسات، وتواجه تهديدات من تنظيمات عابرة للحدود، إضافة إلى الاعتداءات الإسرائيلية والتوترات في الجنوب والشرق. هذه الأولويات تستهلك الموارد العسكرية والأمنية، وتدفع سوريا إلى البحث عن دور وقائي يركز على حماية أراضيها بدلاً من المشاركة في عمليات خارج الحدود.

توجد أيضاً وظيفة اقتصادية ولوجستية للأمن. استقرار الطرق البرية بين الخليج وبلاد الشام، وحماية الموانئ وخطوط الطاقة والاتصالات، يمكن أن يحول سوريا إلى عقدة تجارة بدلاً من بقائها ساحة عبور للسلاح. وقعت شركات سعودية وسورية في 2025 سبعاً وأربعين اتفاقية استثمارية بقيمة قُدرت بنحو 24 مليار ريال، ثم تبعتها عقود جديدة في شباط 2026 شملت الطيران والاتصالات والبنية التحتية. وفي المسار الإماراتي، تلتزم موانئ دبي العالمية باستثمار 800 مليون دولار في تطوير ميناء طرطوس ضمن امتياز مدته ثلاثون عاماً، وبلغ التبادل التجاري غير النفطي بين الإمارات وسوريا 1.4 مليار دولار خلال 2025.

لا تثبت هذه الأرقام وجود مقايضة بين الاستثمار والمواقف الأمنية. لكنها توضح أن الحرب تهدد علاقات بدأت تنتقل من الدعم السياسي إلى مشروعات طويلة الأجل. استهداف منشآت الطاقة الخليجية أو تعطيل مضيق هرمز يرفع كلفة النقل والتمويل والتأمين، بينما يهدد اتساع القتال إلى العراق طرق الربط البرية التي تبحث دمشق وأبوظبي والرياض في تطويرها. يصبح خفض التصعيد مصلحة اقتصادية سورية مباشرة، وليس موقفاً تضامنياً منفصلاً عن الداخل.

حدود الاصطفاف الجديد

تبدو سوريا أقرب سياسياً إلى الموقف الخليجي مما كانت عليه خلال العقود الماضية. الإدانة الصريحة للهجمات الإيرانية، ووصف أمن الخليج بأنه جزء من الأمن القومي السوري، ودعم الإجراءات السعودية، كلها إشارات إلى إعادة تعريف علاقة دمشق بطهران وبالمنظومة العربية. هذا التحول يلتقي مع موقف مجلس التعاون الذي أكد في كانون الأول 2025 أن أمن سوريا واستقرارها ركيزة من ركائز أمن المنطقة، وأشاد بالدورين السعودي والإماراتي في دعم الاقتصاد السوري ورفع الضغوط عنه.

مع ذلك، لا تعني العلاقة المتقدمة أن دمشق تتبنى كل خيارات دول الخليج أو أنها قادرة على التحرك معها بالدرجة نفسها. الرياض وأبوظبي تملكان منظومات دفاع واستثمارات خارجية وشبكات تحالف دولية، بينما تعيد سوريا بناء مؤسساتها بعد حرب طويلة. كما أن دول الخليج نفسها لا تتطابق دائماً في إدارة ملفات إيران والعراق واليمن، ولذلك يصعب الحديث عن معادلة واحدة تطلب من دمشق الانضمام إليها بصورة ثابتة.

المجال الواقعي هو بناء تفاهمات محددة. يمكن أن تشمل تبادل المعلومات بشأن الجماعات التي تعمل عبر الحدود، والتنسيق لمنع تهريب السلاح والمخدرات، وحماية البنية التحتية الاقتصادية، وإدارة حركة الطيران والموانئ عند وقوع أزمات إقليمية. لم تعلن الاتصالات عن أي من هذه الخطوات، ولهذا تبقى مقترحات ممكنة وليست وقائع قائمة. المعيار سيكون ما إذا ظهرت لجان أو اتفاقات تنفيذية بعد انتهاء موجة التصعيد الحالية.

يحتاج الموقف السوري أيضاً إلى الحفاظ على العلاقة مع العراق. تأييد أمن السعودية لا يفترض التعامل مع الدولة العراقية بوصفها مصدراً للتهديد، فبغداد نفسها تواجه مشكلة الجماعات التي تعمل خارج قرارها. تستطيع دمشق دعم سيادة العراق والتعاون مع حكومته في ضبط الحدود، بالتوازي مع رفض استخدام أراضيه لاستهداف السعودية. هذا التوازن أكثر فائدة للأمن الإقليمي من تحويل العراق كله إلى ساحة مواجهة بين الخليج وإيران.

تستفيد سوريا من هذا المسار عندما يقل خطر عودة الشبكات المسلحة إلى أراضيها، وتستقر طرق التجارة، وتستمر الاستثمارات الخليجية. وتستفيد السعودية والإمارات من وجود دولة سورية لا تسمح بعودة الممرات العسكرية الإيرانية ولا تصدّر الفوضى إلى الأردن والعراق ولبنان. أما الخاسرون فهم الجماعات التي بنت نفوذها على ضعف الحدود وتعدد مراكز القرار، إضافة إلى شبكات التهريب التي تتحرك داخل الفراغ الأمني.

الاتصالان يثبتان أن دمشق تريد أن تُعامل بوصفها طرفاً في المشاورات العربية حول الحرب، وأن الرياض وأبوظبي تقبلان استمرار التواصل معها في لحظة أمنية حساسة. لكن موقع سوريا في معادلة أمن الخليج لا يزال سياسياً ووقائياً أكثر منه عسكرياً. انتقاله إلى دور مؤثر يحتاج سيطرة مستدامة على الحدود، وقراراً أمنياً موحداً، واتفاقات معلنة تحدد مجالات التعاون من دون إدخال البلاد في حرب جديدة.

تقف سوريا اليوم إلى جانب أمن الخليج في خطابها الرسمي، وتملك مصلحة واضحة في نجاحه، لكنها لم تدخل بعد منظومة دفاعية مشتركة. القيمة التي يمكن أن تقدمها تبدأ من الداخل السوري، عبر منع استخدام الأرض والحدود في تهديد الدول العربية، ثم تتوسع إلى التنسيق الاقتصادي والأمني. إذا نجحت الدولة في ذلك، تصبح الاتصالات الأخيرة جزءاً من ترتيب إقليمي جديد. أما إذا بقيت المواقف من دون قدرة تنفيذية، فستظل دمشق حاضرة في المشاورات وغائبة عن المعادلة العملية.

اقرأ أيضاً: لقاء الشرع وعبدي المحتمل: هل اقتربت ساعة حل «قسد» أم بدأت جولة تفاوض جديدة؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى