السينما في سوريا.. لماذا تراجعت الصالات وهل عودتها إلى حياة السوريين ممكنة؟

بقلم هلا يوسف
لكل شيء تجربته الأولى التي تنطبع في الذاكرة ولا تمحى حتى بعد مرور سنوات كثيرة. قد يعتقد الإنسان أنه نسيها، لكن بمجرد السؤال عنها تبدأ الذاكرة بسردها وكأنها تحدث الآن. هذه الذاكرة نفسها التي تستعيد ذكريات الذهاب لأول مرة للسينما، فعندما نقول هذه الكلمة لجيل الستينات والسبعينات، يتحدثون عنها بكثير من الحنين، فهي لم تكن مجرد مشوار بسيط، بل كانت رحلة يملؤها الشوق واللهفة لمشاهدة قصة بمكان لا يشبه البيوت التي خرجوا منها.
تروي أم محمد “لسوريا اليوم 24” قصتها مع السينما، لتعود بعيونها كما في ذاكرتها إلى أربعين سنة مضت، وتحدق بفراغ وتقول: “أول مرة أدخل بها إلى السينما كنت في الصف السادس، أخذونا برحلة في المدرسة لمدينة حلب، وهناك كانت سينما الكندي على ما أذكر، لكن ما أنا متأكدة منه هو أن الفيلم كان عن مدينة الطبقة وتراثها، وكانت الدهشة بادية على وجوهنا”.
تتحدث أم محمد بطريقة تملؤها الحنين لتلك المرحلة، وهي نفس الطريقة التي تحدثت فيها دعد عن المرحلة ذاتها، والتي قالت فيها إنها زارت سينما الكندي بحمص لأول مرة مع أخيها “المنفتح” كما وصفته. فلم يكن مألوفاً ذهاب الفتيات لوحدهن للسينما، خصوصاً الفتيات الصغيرات بالعمر، لذلك وجدت دعد في أخيها سبيلاً لزيارة السينما. فقد كان قد حدثها عنها كثيراً.
أحمد ذو الخامس والستين عاماً قال “لسوريا اليوم 24” إنه زار السينما لأول مرة مع أصدقائه، كان يهرب من مدرسته الإعدادية بعد أن يجمع قروشاً قليلة من مصروفه. وقال إن السينما كانت نافذة الكثيرين للعالم الخارجي، ولم يرَ فيها شيئاً معيباً، لذلك وجد أن تعريف أخته دعد بهذا المكان كان شيئاً ممتعاً وجميلاً.
عندما كانت السينما نزهة كاملة
في الستينيات والسبعينيات، لم تكن السينما مجرد مكان لمشاهدة فيلم لساعتين. كانت جزءاً من الحياة الاجتماعية نفسها. فإذا قارنا ذلك الزمن بزمننا الحاضر سنجد أن وسائل الترفيه في ذلك الوقت لم تكن كثيرة مثل أيامنا، فحتى التلفزيون لم يكن معروفاً جداً، لذلك كانت دار السينما واحدة من الأماكن التي يذهب إليها الناس للترفيه، وللخروج من البيت، ولرؤية شيء جديد.
وبما أنها المكان الوحيد لرؤية ما يحدث في العالم، كانت السينما تجمع العائلة والمراهقين والأصدقاء، كلهم موجودين في صالة كبيرة يسودها الظلام ويبقى نور الفيلم خارجاً من الشاشة.
تعود أم محمد لتذكر الرحلة الثانية لها إلى السينما، لكن هذه المرة مع زوجها في حمص. تصف “لسوريا اليوم 24” هذه الزيارة بقولها: لم أتوقع أن يأخذني زوجي للسينما، فلم أكن أعرف أصلاً أنه يوجد سينما في حمص، كان يريد أن يعرفني على المدينة بما أنني “بنت الريف”. أثناء ذهابنا كان يحدثني عن دار السينما، وما هي الأجواء التي تنتظرني هناك. تتذكر هذه التفاصيل بكثير من السعادة، لتختم وتقول: كان الفيلم لعبد الحليم حافظ، وتفاجأت أنه يوجد الكثير من النساء في السينما، فقد كنت أعتقد أنني سأكون من النساء القلائل، أو ربما الوحيدة هناك.
بالنسبة للكثير من السوريين لم تكن السينما هدفاً بحد ذاته، بل كانت وسيلة للترفيه و”تغيير الجو”، أو نزهة بسيطة قد تنتهي بالتعرف على المدينة وشوارعها، وتناول الطعام أثناء المشي.
وفي نفس الوقت تعرف السوريون من خلال الأفلام على وجوه مصرية وفرنسية وهندية وأمريكية، وتعرفوا إلى أماكن وثقافات وحكايات بعيدة عن حياتهم اليومية. كانت دمشق هي المكان الذي يعيشون فيه، لكن شاشة السينما كانت تفتح أمامهم عالماً أوسع بكثير.
لذلك بقيت أسماء مثل فريد الأطرش وعادل إمام وعبد الحليم حافظ وغيرهم مرتبطة بذاكرة الناس، ليس فقط بسبب أفلامهم، بل بسبب الأماكن واللحظات التي شاهدوهم فيها.
لكن هذه العلاقة الجميلة بين الناس والسينما لم تستمر إلى الأبد.
اقرأ أيضاً: السينما السورية من دمشق إلى كان: حكاية بلد في شريط سينمائي
كيف بدأت الصالات تفقد مكانتها؟
مع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، بدأ كثير من السوريين يشعرون بأن شيئاً ما تغير. فبعض الصالات لم تعد كما كانت. حيث تراجعت أعمال الصيانة في بعضها، كما تغير الجمهور، وظهرت صالات اكتسبت سمعة سيئة، بينما فقدت أماكن أخرى شيئاً من الرقي الذي كانت تتمتع به في الماضي.
فمثلاً سينما النجوم في شارع فلسطين تركت ذكريات متناقضة لدى من عرفوها. فبينما كانت ذكرياتها مرتبطة لدى أحد الأشخاص بأشياء غير أخلاقية، كانت محفورة بذاكرة كتاب وناشطين فلسطينيين لكونها ارتبطت بفعاليات وطنية. لتعبر شهادات هؤلاء الناس المتناقضة عن حجم الهوة بين جيلين عرفا السينما من منظورين مختلفين.
ربما من أكثر الأسئلة المرتبطة بالسينما هي أسباب تدهورها، وبالحقيقة الجواب لا يكمن بوجود التلفزيون الذي تسرب إلى بيوت الناس، واستحوذ على أوقاتهم، رغم أن له دوراً بذلك. لكن يمكننا القول إن هناك عوامل اقتصادية واجتماعية لعبت دوراً في ذلك، بالإضافة إلى تغير نظرة بعض الناس إلى الصالة نفسها.
فمن الأسباب الاقتصادية التي أبعدت السينما عن المجتمع هي تراجع القدرة الشرائية، وصعوبة القيام بأعمال الصيانة. وحتى الوسط المجتمعي السوري تغير، وتبدلت بتغيره عادات الترفيه.
فالعتمة التي كانت بالنسبة إلى البعض جزءاً من متعة السينما، أصبحت مصدر قلق بالنسبة إلى آخرين. فبعض البيئات المحافظة اجتماعياً، بدأت تنظر لدور السينما على أنها أماكن قد يلتقي فيها الشبان والفتيات بعيداً عن أعين العائلة. وبالنسبة إلى بعض الأسر، أصبح هذا سبباً كافياً لمنع الأبناء، وخصوصاً البنات، من الذهاب إلى السينما.
حتى من استمر بحب السينما ودورها اصطدم بعقبة أسعار التذاكر التي أصبحت أغلى من السابق. ففي عام 2008 ذهبت ناديا لأول مرة للسينما عندما كانت بصف السابع، قالت “لسوريا اليوم 24” إنها طلبت من والدتها اصطحابها لسينما الكندي بحمص في ثالث أيام عيد الأضحى. تتذكر ناديا المشهد وهي تضحك: “كنت خائفة ومتوترة وكأنني أنا من أمثل بالفيلم. والدتي لم تسمح لي بالذهاب مع صديقاتي، لكنها بالمقابل اشترطت أن تأخذني وتذهب لترى الفيلم العجيب الذي كنت سأموت لأشاهده والذي كان لتامر حسني مطرب جيلنا وكان اسمه: عمر وسلمى”.
تكمل ناديا: “صديقاتي جمعن عيدياتهن كلها للذهاب، بينما أمي أخذتني والتكلفة كانت مقبولة بالنسبة لها، لكوننا شخصين فقط، مع “الشيبسات والبيبسي”، لكن والدتي نامت منذ بداية الفيلم حتى نهايته، على الرغم من أنها كانت من عشاق السينما في السابق”.
لم يستيقظ السوريون في صباح يوم ما ليجدوا كل الصالات مغلقة. بل ما حدث كان يجري بهدوء، حيث بدأ الجمهور يقل شيئاً فشيئاً، والناس وجدوا بدائل أخرى، وأصبحت مشاهدة الأفلام في المنزل أسهل وأرخص، ثم جاء فيما بعد الإنترنت والمنصات الرقمية لتغيّر طريقة المشاهدة بالكامل. ومع تراجع الجمهور، تراجعت الصالات نفسها.
سينما أهرام في منطقة فكتوريا، التي شهدت في سنواتها السابقة عرض أفلام مثل “سبارتكوس” و”معركة منسك”، أغلقت عام 2006 بعد قضية مرتبطة بالدعارة، ثم تغيرت وظيفتها وتحولت إلى معرض مفروشات ومجمع تجاري.
أما سينما أوغاريت، فكان مصيرها أكثر قسوة. تحولت إلى مكان أشبه بالخرابة، بينما اضطر وريثها عز الدين قرى حسن إلى العمل على بسطة لتأمين معيشته، رغم أنه كان يملك مكاناً ورثه عن والده وكان له حضور مختلف في الماضي. حتى العاملون في المهن المرتبطة بدور العرض لم يعودوا قادرين على الاستمرار.
وهنا يمكن أن نفهم أن الذي تراجع لم يكن الفيلم فقط. تراجعت منظومة كاملة كانت تضم الصالات والعاملين فيها والجمهور والمنتجين والموزعين وحتى العادة الاجتماعية المرتبطة بالذهاب إلى السينما.
السينما اليوم.. هل تبحث عن شكل جديد؟
لا يمكننا أن نقول إن السينما السورية اختفت تماماً من المشهد الفني والاجتماعي، بل يمكن القول إنه تغيرت وظيفتها، فإذا أخذنا سينما سيتي التي كانت معروفة سابقاً بسينما دمشق كمثال، فقد أعاد المنتج السينمائي الراحل نادر الأتاسي ترميمها وتأهيلها، لتصبح من أبرز الصالات الحديثة في دمشق.
لكن حتى هذه التجربة لم تكن بعيدة عن المشكلة الأساسية وهي ارتفاع التكلفة. فالصالة الحديثة تحتاج إلى أسعار أعلى، بينما قدرة الجمهور على الإنفاق ليست دائماً بالمستوى الذي يسمح بعودة السينما إلى حياتهم اليومية.
لذلك بدأت الصالات تبحث عن طرق أخرى لجذب الناس. فتحولت الشاشة الكبيرة إلى مكان لمتابعة مباريات كرة القدم، وفي السنوات الأخيرة بدأت عروض الستاند أب كوميدي تجد طريقها إلى بعض دور السينما، وخصوصًا سينما سيتي.
ففي منتصف عام 2025، استضافت الصالة عرض “أربعطش” للكوميديان السوري عمار دبا، خلال عودته إلى دمشق بعد سنوات من الغياب. كما بدأت فرق مثل “ستيريا” بالانتقال من المقاهي الصغيرة إلى مساحات أكبر، وكانت صالات السينما واحدة من الأماكن التي استضافت عروضاً.
لكن حتى هذه المساحات الجديدة لم تكن منفصلة عن الواقع الاجتماعي. ففي حماة تم إلغاء أحد عروض الفريق بعد اتصال أُبلغ خلاله المنظمون بعدم الترحيب بالحفل، فاختاروا عدم المخاطرة.
ويرى السيناريست والممثل زيد ظريف أن الكوميديا تزدهر بالعادة في المجتمعات التي تمر بتحولات كبيرة، لكن هذا الفن ما زال حذراً في كثير من الأحيان، ولا يملك دائماً المساحة الكاملة للنقد.
اقرأ أيضاً: المخرج عروة الأحمد: نجاح السينما المستقلة يُحسب لصناعها ونحتاج للمواطنة حالياً
هل يمكن أن تستعيد السينما السورية دورها؟
لا نستطيع أن نكون متشائمين بالحديث عن دور السينما في سوريا، فطالما هناك مشكلة، لا بد من أن هناك حلاً، وبالوقت الذي تحل فيه المشكلات، يصبح الطريق سهلاً للعودة إلى السينما الراقية التي عهدها السوريون.
ولنا من تجربة الدول عبرة في ذلك، فإذا نظرنا إلى تجربة السعودية مثلاً، سنجد أن عودة السينما هناك لم تعتمد فقط على افتتاح الصالات، وإنما رافقها عمل على بناء قطاع سينمائي كامل.
فبعد أن كانت السينما مقتصرة على الرجال، ولا توجد أصلاً دور سينما منتشرة، تم افتتاح أول سينما في الرياض في 18 أبريل 2018، ثم افتتحت أول سينما في جدة في 28 يناير 2019. وبعد ذلك بدأت اتفاقيات ومبادرات تهدف إلى زيادة عدد الصالات ودعم الاستثمار في القطاع. وهذا ما يجعلنا نتنبه منذ البداية إلى فكرة إعادة افتتاح دور سينما مجهزة بأحدث التقنيات الجذابة.
وفي 11 أبريل 2021 أقرت الهيئة العامة للإعلام المرئي والمسموع تعديلات على لائحة تنظيم العرض السينمائي بهدف جعل القطاع أكثر مرونة، ودعم منتجي الأفلام والفنانين وصناع المحتوى المحليين.
وشملت التعديلات إعفاء الأفلام المحلية من المقابل المالي على التذاكر في صالات العرض، بالإضافة إلى تخفيض المقابل المالي الذي يُقتطع من كل تذكرة للهيئة. فبعد أن كان 25%، أصبح ضمن ثلاث فئات هي 15% و10% و5% بحسب المناطق.
لم تستهدف هذه الإجراءات جعل الناس يقبلون على السينما فقط، بل أوجدت لصناعها بيئة إنتاجية مناسبة لهم. ومن أجل ذلك، بدأت المؤسسات المتخصصة بالظهور، إذ تأسست لجنة السينما السعودية في آذار 2015 لتكون مظلة حكومية لصناع الأفلام والسينمائيين، وكان من أهدافها نشر الثقافة السينمائية في المجتمع، وخلق بيئة تجمع العاملين في المجال وتسهيل الإجراءات المرتبطة بالتصوير.
وفي عام 2018 تأسس المجلس السعودي للأفلام تحت مظلة الهيئة العامة للثقافة، بهدف دعم المواهب وتطوير صناعة الأفلام والمحتوى الإبداعي في المملكة، والعمل على بناء قطاع سينمائي قادر على المساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية ضمن رؤية 2030.
ومع الوقت بدأت النتائج تظهر في السوق نفسه. ففي النصف الأول من عام 2025، سجل شباك التذاكر السعودي إيرادات بلغت 448.1 مليون ريال، من خلال بيع 9.1 ملايين تذكرة في مدن المملكة المختلفة.
ما يمكننا استخلاصه من التجربة السعودية هي أننا لا نريد أن ننقلها كما هي، لأن تاريخ السينما بسوريا موجود وأصيل، لكن الفكرة هنا هي معرفة كيفية العودة للازدهار وصنع سينما راقية ترقى للمستوى الذي ينجذب له الناس.
لذلك نستخلص ممّا سبق أن عودة السينما لا تبدأ من الصالة وحدها. فالصالة تحتاج إلى جمهور، والجمهور يحتاج إلى أسعار يستطيع تحملها، وأفلام تستحق المشاهدة، وشعور بالأمان، ومواصلات مناسبة. وصناع الأفلام يحتاجون إلى تمويل، ومؤسسات، وفرص، وبيئة تسمح لهم بالعمل.
ربما هذا هو الشيء الذي فقدته السينما السورية مع مرور السنوات. فما اختفى لم يكن مجرد عدد من الصالات. الذي اختفى كان عادة اجتماعية كاملة.
اختفى المكان الذي تجلس فيه عائلة إلى جانب عائلة أخرى، ويضحك عشرات الأشخاص في اللحظة نفسها. اختفى الموعد الذي ينتظره المراهق، والنزهة التي تخرج إليها الأم مع جاراتها وأطفالهن.
اقرأ أيضاً: «السينما السورية إلى أين؟»: مناقشة قديمة تتجدد في لحظة إعادة بناء ثقافي









