السيليكا السورية: هل تتحول الثروة الخام إلى صناعة ذات قيمة مضافة؟

الكاتب: أحمد علي
عاد ملف السيليكا السورية إلى الواجهة مع حديث جديد عن تحديث الدراسات الجيولوجية في مواقع القريتين والحدث بريف حمص، وعن مذكرات تفاهم لمشاريع تدخل في إنتاج الميكروسيليكا والسيليكا عالية النقاء. والخبر يضع مادة يعرفها الجيولوجيون منذ عقود أمام سؤال اقتصادي مباشر: هل تبقى رمال الكوارتز مادة خام تباع بسعر محدود، أم تصبح مُدخلاً لصناعة قادرة على تشغيل معامل وخبرات وسلاسل توريد داخل البلد؟
المعطيات المتداولة في حزيران وتموز 2026 تشير إلى أن خام السيليكا غير المعالج يباع بنحو 15 دولاراً للطن، بينما يمكن أن تصل قيمة منتجات السيليكا المعالجة إلى ما بين 65 و100 دولار للطن بحسب النقاوة والاستخدام. وهذا الفارق يوضح اتجاه المشكلة، فوجود الخام في الأرض خطوة أولى، والقيمة الاقتصادية تتكون عندما توجد القدرة على غسله وفرزه وتنقيته وربطه بسوق محلية أو خارجية تعرف ما تريد وتدفع مقابل المواصفة.
السيليكا السورية قبل الصناعة
تتركز الأرقام الأكثر حضوراً حول منطقة القريتين في ريف حمص. نقلت إحدى الصحف المحلية في 2025 عن مدير المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية سراج الحريري أن احتياطي الرمال الكوارتزية في القريتين يتراوح بين 172 و195 مليون طن، مع نقاوة تتجاوز 98% من ثاني أكسيد السيليكون. وفي تقرير أحدث نشرته بوابة الأعمال السورية، مستنداً إلى تصريحات منقولة عن سانا، جرى الحديث عن احتياطيات مصنفة في القريتين والقلمون تقارب 300 مليون طن، وعن احتياطي مستكشف في الرميلة بنحو 200 مليون طن، مع تقدير أوسع لقاعدة موارد السيليكا في سوريا يصل إلى نحو 672 مليون طن.
هذه الأرقام تحتاج إلى قراءة حذرة، فالاحتياطي الجيولوجي لا يساوي تلقائياً احتياطياً اقتصادياً قابلاً للاستخراج، لأن الاستثمار يتوقف على النقاوة، وعمق الخام، وقربه من الطرق والمرافئ، وكلفة الطاقة والمياه، وقدرة المعالجة، وشروط البيئة والسلامة. لذلك يبدو تحديث الدراسات الجيولوجية خطوة أساسية قبل الحديث عن صناعة كبيرة. المستثمر يحتاج إلى خرائط وعيّنات وتحاليل ومواصفات مستقرة، والقطاع العام يحتاج إلى معرفة ما يمكن استخراجه دون هدر ودون بيع طويل الأجل بشروط ضعيفة.
تؤكد الدراسات الفنية أن نوعية الخام هي نقطة البداية، ودراسة منشورة عام 2024 عن رمال القريتين أظهرت أن متوسط أكسيد السيليكون في العينات بلغ 95.10%، مع مؤشرات على درجة جيدة من النقاء والبنية الكوارتزية. موقع Syria Silicon يطرح بدوره مشروعاً في القريتين على أساس مورد يقارب 100 مليون طن مكافئ، وأعلى عينة مفحوصة بنسبة 99.4% من SiO₂، مع مذكرة تفاهم تشغيلية مع وزارة الطاقة السورية. وهذه بيانات مهمة، لكنها تبقى جزءاً من مسار أطول يحتاج إلى تحقق مستقل، وتمويل، وتشغيل فعلي، وعقود بيع واضحة.
القيمة في المعالجة
المسار الصناعي للسيليكا يبدأ من أعمال بسيطة نسبياً مثل الغسيل والتجفيف والتعبئة، ثم يتقدم إلى منتجات بدرجة مناسبة للزجاج عبر تحسين النقاوة وتقليل الشوائب، وقد يصل في مراحل لاحقة إلى كوارتز عالي النقاء يدخل في سلاسل أكثر تعقيداً. Syria Silicon تعرض مساراً على ثلاث مراحل بقيمة إجمالية تصل إلى 105 ملايين دولار خلال نحو سبع سنوات: 25 مليون دولار للغسيل والتجفيف والتعبئة، و25 مليون دولار للتوسعة والترشيح الحمضي بهدف إنتاج سيليكا بدرجة الزجاج، ثم 55 مليون دولار للمعالجة الحرارية والتكليس باتجاه كوارتز عالي النقاء.
هذا التدرج مفيد لأنه يضع سقفاً واقعياً للنقاش، فصناعة الزجاج ومواد البناء المتقدمة أقرب إلى القدرة السورية من الحديث السريع عن أشباه الموصلات. إنتاج سيليكا مناسبة للزجاج أو للخرسانة عالية الأداء يتطلب استثماراً ومختبرات وضبط جودة، لكنه يبقى أقل تعقيداً من الدخول في سلاسل السيليكون عالي النقاوة. أما الطاقة الشمسية والشرائح الإلكترونية فتحتاج إلى مستويات نقاء شديدة، وإلى طاقة مستقرة، ومعالجة كيميائية دقيقة، وشركاء يملكون معرفة سوقية وتقنية لا تتوفر بمجرد امتلاك رمل جيد.
مشروع الميكروسيليكا المرتبط باسم شركة Watad Gold السعودية، بحسب ما نقلته بوابة الأعمال السورية، يستهدف منشأة في مقلع القريتين الشرقي مع إيراد متوقع يقارب 10 ملايين دولار سنوياً في المرحلة الأولى، وقد يرتفع إلى نحو 50 مليون دولار لاحقاً. وأهمية هذا النوع من المشاريع أنه يربط الخام بمنتج مطلوب في الخرسانة عالية المقاومة وبعض الاستخدامات الصناعية. وبالنسبة إلى سوريا، يمكن أن يتقاطع ذلك مع حاجات إعادة الإعمار، لكنه يحتاج إلى سوق منظمة ومواصفات إنشائية واضحة، وإلى قطاع مقاولات قادر على دفع ثمن المواد الأعلى جودة عندما تكون الحاجة الفنية موجودة.
والمعادلة تتجاوز سعر الطن، فالمعالجة المحلية تعني عمالة، ونقلاً، وطاقة، وصيانة، وخدمات مختبرية، وتعبئة، وتسويقاً خارجياً. كل حلقة تضيف عملاً ودخلاً، لكنها تضيف أيضاً كلفة ومخاطر. وإذا بقيت الطاقة غير مستقرة، أو كانت المياه اللازمة للغسيل مكلفة، أو بقيت المواصفات غير موحدة، ستتراجع قدرة المنتج على المنافسة. وإذا غابت الشفافية في عقود الاستثمار، قد يتحول المورد إلى مصدر ريعي جديد بدل أن يصبح قاعدة لصناعة أوسع.
شروط التحول
تحويل السيليكا السورية إلى صناعة ذات قيمة مضافة يحتاج إلى قرار اقتصادي واضح. البداية تكون من قاعدة بيانات معلنة قدر الإمكان عن المواقع والاحتياطيات والمواصفات، ومن نظام تراخيص يضمن حق الدولة ولا يطرد المستثمر الجاد. كما يحتاج الملف إلى ربط التعدين بالصناعة، لا بالاستخراج وحده. استخراج الخام من القريتين أو الرميلة ثم تصديره بأقل معالجة سيجلب دخلاً سريعاً، لكنه سيترك الجزء الأكبر من القيمة خارج البلاد.
تقرير هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية يوضح أن الرمال الصناعية عالية السيليكا تستخدم في الزجاج والمسابك والمواد الكاشطة وتطبيقات أخرى، وأن الموارد عالمياً واسعة، لكن القيود البيئية واللوجستية ومتطلبات الجودة تجعل بعض المواقع غير اقتصادية.
وهذه الملاحظة مهمة لسوريا، فالدخول إلى السوق يحتاج إلى مواصفة منتظمة وتسليم موثوق وسعر مستقر، لأن المشترين يتعاملون مع المنتج من خلال الاختبار والتكرار لا من خلال تقديرات عامة عن أهمية المورد.
توجد أيضاً كلفة بيئية وصحية يجب التعامل معها منذ البداية. فصناعة السيليكا ترتبط بالغبار وبمخاطر التعرض للسيليكا البلورية القابلة للاستنشاق، كما تحتاج بعض مراحل التنقية إلى مياه ومواد كيميائية ونفايات معالجة. لذلك فإن أي مشروع جدي يجب أن يبدأ بخطة سلامة ومراقبة بيئية، لا أن يضيفها بعد التشغيل. الدولة التي تريد جذب الاستثمار لا تستطيع تجاهل هذه المسائل، لأن أي خلل فيها سيرفع كلفة المشروع لاحقاً ويضعف فرص التصدير.
الموقع الجغرافي يمنح القريتين ميزة نسبية، فالطريق إلى حسياء الصناعية وإلى ميناء طرطوس قصير نسبياً بمقاييس التعدين، وسوريا تحتاج إلى مشاريع تشتغل على مواد محلية قابلة للتصنيع. غير أن الميزة اللوجستية لا تعوض ضعف الكهرباء أو غياب التمويل أو بطء الترخيص أو نقص المختبرات. لهذا سيكون الاختبار في السنوات المقبلة واضحاً: هل تتحول مذكرات التفاهم إلى معامل تعمل وتبيع، وهل ترتبط هذه المعامل بصناعة زجاج ومواد بناء متقدمة، أم تبقى السيليكا عنواناً جذاباً في تقارير الاستثمار؟
الخلاصة أن السيليكا السورية تملك فرصة حقيقية، لكنها فرصة مشروطة، فالخام متوافر، وبعض النسب المعلنة مشجعة، وهناك اهتمام استثماري أولي. الطريق إلى القيمة المضافة يمر عبر المعالجة، وضبط الجودة، والطاقة، والشفافية، وربط التعدين بالصناعة المحلية والتصدير. فإذا نجحت هذه الحلقات، يمكن للسيليكا أن تدخل في بناء قاعدة صناعية أوسع. وإذا تعثرت، سيبقى المورد في حدود البيع الخام، وهي أضعف صيغة للاستفادة من ثروة موجودة أصلاً في الأرض.
اقرأ أيضاً: هل تملك سوريا مزايا حصرية يمكن اعتبارها رافعة للاقتصاد؟ الوردة الدمشقية كمثال واقعي









