بين دمشق وتل أبيب وأنقرة: فكّ شيفرة السياسة الأمريكية في سوريا

تشهد السياسة الأمريكية في سوريا نهجاً يهدف إلى منع الانفلات في البلاد، وانزلاقها إلى مرحلة تُهدد المشروع الأمريكي في المنطقة، فما يجري يُبقي الملف السوري تحت سقف واشنطن بالتنسيق مع الحلفاء التقليدين في المنطقة
في مقالنا هذا، سوف نفكك شيفرات السياسة الأمريكية في سوريا بعد التحرير، كما سوف نحلل توازن علاقة واشنطن بين سوريا وتل أبيب، بالإضافة إلى دور تركيا في هذا الملف.
السياسة الأمريكية في سوريا بعد التحرير
تتسم السياسة الأمريكية في سوريا بعد سقوط النظام البائد في ظاهرها بأنها تسعى لتحقيق الاستقرار في البلاد ودعم مسيرة التعافي، حيث تظهر الرغبة الأمريكية في دعم الحكومة المركزية في دمشق، من خلال تأكيدها عبر مبعوثها الخاص إلى سوريا، توماس باراك، على أن الخيار الوحيد لتوحيد سوريا وضمان استقرارها، والتخلص من آثار سنين الحرب الطويلة هو الانخراط مع الحكومة السورية الجديدة في دمشق.
ومن جهة أخرى، يوجد العديد من المؤشرات التي تُثير الشكوك وتضع الكثير من علامات الاستفهام حول النوايا الأمريكية تجاه سوريا، وفي مقدمة هذه المؤشرات تأتي العلاقة المعقدة بين أمريكا وإسرائيل التي تسعى إلى إضعاف الحكومة المركزية في دمشق عن طريق استغلال قضايا الأقليات والتنوع الطائفي في البلاد.
فأي من هذين السيناريوين هو الرغبة الأمريكية الحقيقية؟ هذا التناقض في المواقف يضع واشنطن في موقف حرج، حيث تبدو وكأنها تريد تحقيق استقرار مشروط في سوريا بحيث تكون معتمدة بشكل كامل على الدعم الخارجي، عوضاً عن أن تكون قوية وموحدة وذات سيادة.
ويبدو من ذلك، أن السياسة الأمريكية في سوريا بعد التحرير تسعى لتحقيق توازن بين مجموعة من الأهداف المتضاربة، فالاستقرار الذي يتم العمل عليه ليس هو الاستقرار المنشود الذي يمنح سوريا سيادتها ووحدها بشكلٍ مطلق، وإنما استقرار ربما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية على حدٍ سواء، بحيث يكون الهدف بعيد المدى هو إضعاف المنطقة ككل من خلال سوريا.
أمريكا بين الحكومة السورية وإسرائيل
بعد سقوط النظام البائد في سوريا، وجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها في وضعٍ دبلوماسي معقد، حيث بات لديها هدفين متضاربين يجب عليها أن توفّق بينها، وهذين الهدفين هما الدعم لشريكها التقليدي “إسرائيل” والرغبة في إقامة علاقات جيدة تضمن الاستقرار السياسي في سوريا.
حيث تتجنب الإدارة الأمريكية التعبير بشكل مباشر عن إدانتها للضربات الإسرائيلية على سوريا، وبالمقابل تعمل على دعم الحكومة السورية الجديدة. حيث تتبع السياسة الأمريكية في سوريا نهجاً يبدو أقرب إلى المحايد في هذه المعادلة، وذلك من خلال الدعوة إلى خفض التصعيد بين الشريك التقليدي والحليف الاستراتيجي المحتمل، الأمر الذي يمنح تل أبيب مساحة من أجل الاستمرار في عملياتها العسكرية على الأراضي السورية.
وبذلك بات واضحاً أن الولايات المتحدة الأمريكية على دراية تامة بأن إسرائيل تريد استغلال الفترة الانتقالية في سوريا من أجل ترسيخ وجودها، إلا أنها لا تريد أي تصعيد قد يُهدد المسار السياسي الجديد في سوريا.
هذا وقد ظهر التوازن الدقيق في الموقف الأمريكي بشكل واضح عندما رفضت واشنطن طلب إسرائيل بعدم رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا، وبالمقابل اعترافها بأن الضربات الإسرائيلية على سوريا كانت بمثابة الدفاع عن النفس، وأنها لا تتحمل مسؤوليتها.
هذا التوازن والذي ربما يسميه البعض تناقض، يجعل الإدارة الأمريكية تلعب دور “الكابح لإسرائيل” مع رضاها عما تقوم به، مع الحذر من نشوب أي فوضى لا تُحمد عقباها، وقد تُعيق المشروع الأمريكي في العثور على حليف استراتيجي موثوق في سوريا.
ولكن يبقى السؤال: إلى متى ستتمكن الولايات المتحدة الأمريكية من كبح جماح إسرائيل في ظل استمرارها في فرض واقع عسكري في سوريا؟
العلاقة الأمريكية التركية بخصوص سوريا
مع دخول سوريا في مرحلة جديدة بعد سقوط النظام البائد، شهدت العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا تعقيداً كبيراً بسبب تناقض المصالح، حيث تعمل الإدارة الأمريكية على دعم قوات سوريا الديمقراطية في الشمال الشرقي بهدف مكافحة الإرهاب، في حين تعتبر أنقرة هذه القوات تهديداً للأمن القومي التركي.
وعلى الرغم من التوترات الدبلوماسية بين البلدين التي نشأت بسبب ذلك، إلا أنه كانت هناك محاولات للتنسيق المشترك من خلال مجموعة عمل تركية أمريكية مشتركة تعمل على عدة ملفات من أبرزها التعاون الأمني ورفع العقوبات عن سوريا.
وفي ظل ذلك، قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإسناد مهمة المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا لسفيرها في تركيا، في خطوة تُشير إلى أن الإدارة الأمريكية تريد العمل على الملف السوري من خلال أنقرة.
وفي ظل جميع تلك المواقف المتباينة، تسعى تركيا إلى إنشاء قواعد عسكرية في سوريا وتلعب دور الوسيط المحتمل بين سوريا وشريك أمريكا التقليدي “إسرائيل”، وذلك بهدف ملء الفراغ الأمني الذي قد يخلّفه انسحاب القوات الأمريكية من شمال شرق سوريا، ويبدو أن واشنطن توافق على هذه الخطوات ولكن بحذر.
جميع هذه التطورات تكشف عن العلاقة بين واشنطن وأنقرة أكثر من مجرد خلاف، إنما هي محاولة للوصول إلى اتفاق لتحقيق المصالح المتضاربة في سوريا.
اقرأ أيضاً: رسالة دمشق تكشف تفاصيل الرد على شروط واشنطن
في الختام، تسعى الولايات المتحدة الأمريكية للوصول إلى استقرار سوريا بشكل مشروط بحيث تحمي مصالحها المشتركة مع إسرائيل، وهنا يبرز دور أنقرة كبوابة تتعامل من خلال واشنطن مع الملف السوري، حيث ربما بات هناك تفاهمات بين واشنطن أنقرة بشأن مستقبل سوريا الجديدة.









