السياحة في سوريا بعد التحرير.. عامٌ يعيد رسم الصورة
سوريا والسياحة بعد عامٍ من التحول السياسي.. هل يبدأ موسم النهوض؟

بقلم: ريم ريّا
بعد عامٍ مضطرب أعاد ترتيب المشهد السياسي والاجتماعي في البلاد، تبدو السياحة في سوريا كقطاع يختبر قدرته على النهوض من جديد وسط تراكمات طويلة. المدن الساحلية تستعيد ضجيج زوارها تدريجياً، والمواقع الأثرية تفتح أبوابها أمام من يحملون شغف اكتشافِ بلدٍ تغير شكله لكنه لم يفقد جوهره. في ممرات القلاع القديمة وأسواق المدن العريقة، تتجاور رائحة التاريخ مع ملامح مرحلةٍ تولد ببطء. ما يلفت اليوم في البلاد هو التوازن الدقيق بين الحذر والأمل، حيث تحاول سوريا أن تقنع العالم بأن باب الزيارة مفتوح، وأن مشهدها السياحي يمكن أن يتحول إلى أول علامات التعافي الفعلي في سنة مليئة بالتحولات.
البنية التحتية للسياحة في سوريا بين الدمار والإعمار
توزع تأثير الصراع على البنية التحتية للسياحة في سوريا بشكل غير متساوٍ. فبينما حافظت بعض المدن الساحلية على جزء كبير من جاهزيتها باستثناء محيط قلعة المرقب الذي شهد اضطرابات أمنية في مطلع الحراك الشعبي عام 2011 – 2012، شهدت مناطق أخرى في البلاد أضراراً واسعة في منشآت الإقامة السياحية والخدمات.
تعرضت الآثار في سوريا لأضرار بالغة، خاصة في مدينة حلب القديمة حيث أفادت التقارير أن أكثر من 30% من الأضرار الهيكلية الناجمة عن الحرب وقعت فيها. كما عانت مدن تاريخية أخرى مثل حمص ودرعا وبصرى من دمار جسيم. حيث تضررت العديد من المواقع الأثرية والسياحية في سوريا خلال النزاع، لكن المواقع الأكثر تضرراً تشمل قلعة الحصن ومدينة تدمر الأثرية وسوق حلب الكبير وجامع حلب الكبير. تضررت هذه المواقع بأشكال متفاوتة، إذ طالها القصف والاشتباكات العنيفة والنهب. وقد تم إدراجها جميعاً في قائمة اليونسكو للتراث العالمي المعرض للخطر.
فقد قصف الطيران الحربي أفضل الحصون الصليبية الباقية في العالم، قلعة الحصن التي يعود تاريخها إلى القرن الثاني عشر الميلادي والواقعة في محافظة حمص، وأصبح الإيوان هيكلاً مدمراً بسبب تحصن مقاتلي المعارضة آنذاك بالقلعة، ودمرت النقوش اللاتينية إلى قطع صغيرة.

في المقابل، استهدفت قذيفة هاون أطلقت من مناطق خاضعة لسيطرة المعارضة في ذلك الوقت، الأحياء الشمالية الشرقية من العاصمة دمشق، الفسيفساء التي لا تقدر بثمن في واجهة المسجد الكبير الذي يعود تاريخه إلى القرن الثامن، قلب المدينة الروحي. واخترقت قذيفة أخرى الواجهة الغربية للسور الخارجي لقلعة دمشق، وخلفت ثقباً باتساع متر واحد تقريباً بالقرب من غرفة العرش التي رممت فيما بعد.

كذلك تعرضت المدينة القديمة في حمص للمزيد من القصف الجوي مقارنة بأي مدينة سورية أخرى. ودمرت العديد من المباني التاريخية من بينها الكثير من الكنائس والأديرة النشطة وسويت بالأرض. وتفتخر كنيسة أم الزنار بأنها تضم بقايا من حزام العذراء. في حزيران عام 2013، وضعت اليونسكو ستة مواقع من التراث العالمي في سوريا في قائمة المنظمة للمواقع المهددة بالانقراض.
في حين سُرق أكثر من مليون قطعة أثرية، بحسب بيانات المتحف الوطني في دمشق، هُرّبت من البلاد منذ اندلاع الحرب عام 2011. وتفيد قوائم الإنتربول الدولية بأن أكثر من 3000 قطعة أثرية اختفت في أشهر معدودة بعد اندلاع الأزمة، معظمها دون سجلات رسمية. لاسيما في محافظة إدلب، حيث تم توثيق حفريات غير شرعية في 290 موقعاً أثرياً، وفقاً للباحث الأثري أحمد الخنفوس. وتشير البيانات إلى أن 20 موقعاً أثرياً تدمر بالكامل في مدينة حلب المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. ناهيك عن تدمير داعش أكثر من 10 مواقع أثرية هامة متوزعة بين تدمر والرقة في أماكن سيطرتها في عام 2013.
أما اليوم، وبعد عامٍ على التحرير يعمل خبراء الآثار في سوريا على ترميم المواقع التراثية التي دمرتها الحرب، مثل مدينة تدمر القديمة، في محاولة لإحياء السياحة، ودعم الاقتصاد المتضرر بعد 14 عاماً من الصراع. وتعد هذه الجهود خطوة إستراتيجية لإبراز الهوية الثقافية السورية، وإعادة بناء الروابط مع التراث الحضاري الغني للبلاد.
وتعقد الاتفاقيات مع دول الجوار مثل تركيا للإسراع في عمليات الترميم، وإعادة التأهيل للمواقع الأثرية تحديداً المتعلقة بالتراث العثماني في مدينة حلب. إذ تركز الجهات المسؤولة في السنة الأولى على إعادة تأهيل المحاور الرئيسية كالطرق والمواقع الأثرية ذات الأهمية العالمية، وأعلن وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح في لقاء تلفزيوني عن مشروع لترميم المتاحف في البلاد لاسيما المتضررة منها، والجدير بالذكر أن متحف دمشق تعرض للسرقة والنهب في الفترة الماضية، وما زالت الجهود حثيثة لاستعادة المسروقات.
كذلك أعلن “الصالح”، أن الجهود الوطنية أثمرت عن استعادة 1234 رقماً أثرياً، إضافةً إلى 198 قطعة أثرية إلى متحف إدلب تعود إلى حضارات عريقة تواجدت على الأرض السورية، مشيراً إلى دور أهالي المحافظة في استعادتها. وأكد الوزير أن استعادة هذه الآثار تتزامن مع الذكرى الأولى للتحرير، مشدداً على أن سوريا تستعيد إرثها وتراثها وحضارتها وسرديتها التاريخية، وقال: “نحن أصحاب حضارة ضاربة في عمق التاريخ وهوية أصيلة لا نسمح بالمساس بها، ولسنا بحاجة إلى بنائها من جديد بل إلى كشف الغبار الذي تراكم عليها في زمن الحرب”.
بدوره مدير شؤون المتاحف في المديرية العامة للآثار والمتاحف عمار كناوي قال: “حتى الآن هناك 422 قطعة أخرى قيد المتابعة، وتعمل جهات حكومية متعددة، بما في ذلك وزارتا الثقافة والداخلية، على استرداد هذه القطع بشكل مستمر، وتتم متابعة هذا الملف بشكل دقيق من خلال جهود مشتركة بين الجهات المعنية، بهدف استعادة التراث الثقافي السوري المفقود”.
مع ذلك لا تزال الفجوة بين المناطق التي استفادت من الاستقرار وتلك المتضررة موجودة حتى اليوم، ما يفرض استراتيجية طويلة الأمد لإعادة الهيكلة.
اقرأ أيضاً: قرار من وزارة السياحة: “البوركيني”.. ويفضل تغطية الكتفين والركبتين
صورة سوريا في الإعلام السياحي بعد عامٍ من التحرير
شهدت الصورة الخارجية لسوريا تغييرات ملموسة بعد الاستقرار النسبي الذي تبع التحول السياسي. فقد عادت وسائل الإعلام الدولية لطرح تغطيات عن الوضع الداخلي بصورة أوضح من قلب سوريا، بينما بدأت شركات سفر محدودة باستكشاف إمكانية إعادة إدراج سوريا ضمن رحلاتها. كما شهد مطار دمشق الدولي حركات إقلاع مكثفة وفك حظر للطيران دام ما يقارب عقداً من الزمن.
مع ذلك وبعد عامٍ من التحرير، ما تزال النظرة الدولية لسوريا محكومة بالحذر. تعتمد الحركة السياحية بشكل كامل على استمرار الاستقرار وتثبيت مؤسسات الدولة وآلياتها التنظيمية. وقد بدأت وزارة السياحة بإطلاق حملات موجهة لتقديم سوريا كنقطة جذب سياحي وطبيعي، لكن استعادة الثقة تحتاج وقت. على مشارف عام من التحرير ما تزال الاضطرابات الأمنية تطرق أحلام السوريين بالاستقرار بين الحين والآخر، ما يمكن أن يؤخر عملية التعافي السياحي في البلاد. فبغير الاستقرار الأمني لن تعود سوريا قِبلة للعالم أجمع.
الزوار المحليون والأجانب في سوريا الجديدة
تظهر البيانات المتاحة أن أوائل الزوار الذين عادوا خلال السنة الأولى كانوا في الغالب من السوريين في الخارج، إضافةً إلى باحثين وصحفيين ومهتمين بالمواقع الأثرية.
أما في الداخل السوري، فقد ازداد إقبال السكان على زيارة الساحل السوري كونه كان أكثر الوجهات السياحية استقراراً من ناحية الخدمات، إلى جانب قلعة حلب التي باتت مقصداً للجميع. كما برزت وجهات سياحية جديدة تعتمد على الطبيعة والسياحة الريفية كمنتجع “وادي الملوك” في ريف جبلة، الذي بات مقصداً لسكان الداخل للتعرف على ريف الساحل والطبيعة هناك. كذلك التوجه إلى إدلب وزيارة منطقة الدانا لوجود مول الحمرا فيها وهو أكبر وأحدث المولات في المحافظة. وبالنسبة للأسعار، فقد شهدت تذبذباً مرتبطاً بمرحلة الانتقال الاقتصادي، مما أثر على قدرة العديد من المواطنين على التنقل والسفر داخل البلاد.
تشير تقارير إلى أن عدد السائحين الواصل إلى سوريا قد بلغ حوالي 4.4 ملايين سائح في عام 2025، مع توقعات بزيادة أكبر في المستقبل القريب نتيجة الجهود والعمل على انتعاش القطاع السياحي، وتحسين الأوضاع، وجهود الوزارة في استهداف أسواق سياحية جديدة وزيادة عدد الزوار من دول الخليج العربي والمغتربين السوريين .
ملخص عمل وزارة السياحة على مشارف عام من التحرير
طرحت وزارة السياحة عدداً كبيراً من المشاريع الاستثمارية على نوعين: إعادة تأهيل وتطوير للمنشآت القائمة، وطرح أراضٍ ومواقع لإنشاء منشآت سياحية جديدة وتؤكد الوزارة وجود إقبال جيد من المستثمرين، وتتوقع نهضة قريبة في القطاع لتجهيز عدد كافٍ من الأسرّة وكراسي الإطعام لاستيعاب الزيادة المتوقعة في أعداد السياح نتيجة تحسن الأوضاع، كلك عملت على فتح أسواق سياحية جديدة. كما عملت الوزارة على خطة ترويجية وتسويقية واسعة النطاق، شملت المشاركة في أكثر من ثلاثين معرضاً سياحياً دولياً سنوياً وتوقيع الاتفاقيات مع مكاتب السفر العالمية، بالإضافة إلى إقامة أيام وليالٍ سياحية سورية في البلدان المستهدفة لاستعادة مكانة سوريا كمقصد سياحي هام في الشرق الأوسط.
بدوره أكد معاون وزير السياحة لشؤون الاستثمار والتطوير، المهندس “غياث الفراح”، أن القطاع السياحي في سوريا يشهد نهضة لافتة رغم التحديات، وكشف عن خطة استراتيجية طموحة للأعوام 2025–2030 تهدف إلى إعادة سوريا إلى مكانتها كوجهة سياحية عالمية. وتسعى الوزارة إلى مضاعفة هذه الأعداد في المواسم القادمة، تحديداً من دول الخليج العربي، لضمان رفد خزينة الدولة بالقطع الأجنبي والمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
على مدى عام، كان هناك تأكيد من قبل وزارة السياحة في سوريا على تضافر جهود القطاعات والجهات العامة لتأهيل البنى التحتية السياحية المدمرة. وإشارتها إلى أن هذا التكاتف هو أساس الانطلاقة الجديدة للقطاع السياحي، الذي يعد قطاعاً واعداً لرفع مستوى الدخل للمواطن وجعل سوريا وجهة سياحية محورية.
أبرز الأماكن السياحية المعاد تأهيلها في سوريا عام 2025 شاطئ الكرنك العائلي في طرطوس، الذي تم افتتاحه في مرحلته الأولى. بالإضافة إلى ذلك، تستمر الجهود في تأهيل مناطق أخرى مثل جونادا، وهناك تحضيرات لإعادة فتح مواقع سياحية أخرى، مع التركيز على المدن الرئيسية مثل دمشق وحلب واللاذقية وعموم الساحل السوري.
من جانبٍ آخر لعمل الوزارة، أبرز ما وقعته خلال العام، مذكرة تفاهم مع الشركة السورية الدولية القابضة للتأمين “SIDH”، والشركة الدولية القابضة للتأمين “IDH”، التابعتين لمجموعة إنفنتشر، وذلك في إطار خطة الوزارة لإطلاق مشاريع تنموية وسياحية كبرى في سوريا. وتهدف المذكرة التي تم توقيعها إلى إنعاش الاقتصاد السوري من خلال تنفيذ مشروعين ضخمين لتطوير المدن، بتكلفة إجمالية قدرها 8 مليارات دولار، هما مشروع “بوابة دمشق“، ومشروع “بوابة المشرق اللاذقية“، إضافة إلى تنفيذ مشاريع تأهيل الطرق والبنية التحتية في عدة مناطق.
وقال معاون وزير السياحة لشؤون الفنادق والجودة “فرج القشقوش“، إن أهمية توقيع هذه المذكرة بين الوزارة والشركة الاستثمارية تكمن في فتح أبواب استثمار جديدة، وانتعاش السوق الاستثمارية في سوريا، بما في ذلك تطوير الكوادر والمنشآت السياحية وتأهيل البنية التحتية واستقطاب المستثمرين.
بالمحصلة، لا يمكن القول إن السياحة في سوريا قد تعافت بعد عام واحد فقط من التحول السياسي، لكن يمكن رصد مؤشرات أولية على حركة إعادة تنظيم القطاع ومحاولة استعادة مكانته. يبقى المستقبل مرهوناً بقدرة الدولة على ضمان الاستقرار، وإعادة إعمار البنية التحتية، وتعزيز ثقة الأسواق العالمية.









