السويداء منذ سقوط النظام إلى دخول قوات الدولة: بين فوضى السلاح وصراع الولاءات

بقلم: هلا يوسف
منذ الأيام الأولى للثورة السورية، كانت السويداء حاضرة بطريقتها الخاصة، محافظةً على خطابها الداعم للحرية والكرامة، ورافضةً الخضوع لحكم الاستبداد، رغم كل ما واجهته من تضييق ومحاولات احتواء. اليوم، بعد سقوط النظام الذي لطالما ناهضته، تجد السويداء نفسها في مواجهة تحديات جديدة، لا تقل خطورة عن سنوات القمع والحصار: فوضى السلاح، انقسام الولاءات، وغياب مشروع سياسي جامع قادر على تجنيبها مزيداً من الفوضى والانقسام.
هذا المقال يقدّم قراءة بانورامية للأعوام الأخيرة من عمر المحافظة، في محاولة لفهم أسباب تجدد التوتر بينها وبين السلطة الجديدة في دمشق، بعد كل تلك السنوات من المواجهة، والانتظار، والأمل بالتغيير، آملين أن يكون دخول الجيش وقوات الأمن العام مقدمة لمستقبل أفضل.
اشتعال الاشتباكات في السويداء
لا بد أولاً من تسليط الضوء على الأحداث الدامية التي تعيشها السويداء حالياً، بدأت هذه الجولة من التصعيد بسرقة سيارة تاجر من أبناء السويداء على الطريق السريع الواصل بين دمشق والسويداء، إلا أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل تلاه عمليات خطف متبادل بين أهالي السويداء من جهة، وبعض عشائر البدو من جهة أخرى.
وتصاعدت الأحداث لتتحول إلى تبادل كثيف لإطلاق النار باستخدام أسلحة متنوعة، منها الرشاشات وقذائف الهاون، في حي المقوس شرق مدينة السويداء، قبل أن تمتد الاشتباكات إلى ريف المحافظة الشمالي والغربي، لاسيما في بلدتي الطيرة ولبين، مما أدى إلى قطع طريق السويداء – دمشق من عدة محاور.
ويُذكر أن تأمين طريق دمشق – السويداء كان من أبرز بنود الاتفاق الموقع في تموز الماضي بين الحكومة السورية ووجهاء المنطقة، والذي نص على أن تتولى الحكومة السورية مسؤولية حفظ الأمن والأمان على طول الطريق، إضافة إلى السماح بدخول الأجهزة الأمنية إلى السويداء، وتفعيل مؤسسات الدولة عبر كوادر محلية من أبناء الطائفة الدرزية.
اقرأ أيضاً: محافظ السويداء أكد عدم التهاون في حماية المدنيين والممتلكات
السويداء خلال الثورة السورية
لطالما كانت السويداء حاضرة في مشهد المعارضة للنظام السوري، وخلال الثورة السورية كان التيار اليساري السياسي هو العنوان الأبرز لحالة المعارضة في المحافظة، لا سيما بين فئة الشباب، الذين أسّسوا “اللجنة الوطنية لدعم الثورة”، والتي تطوّرت لاحقاً لتصبح “تجمع القوى الوطنية في محافظة السويداء لدعم الثورة السورية”، بهدف الانخراط الفعلي في الحراك الثوري.
وقد بادر عدد من الناشطين السياسيين إلى بناء تحالفات داخلية، ولم تعمل الأحزاب المعارضة في السويداء بشكل منفصل أو معزول، بل تشكّلت نقابات موازية لتلك التابعة للنظام، مثل: “المهندسون الأحرار”، و”المحامون الأحرار”، و”الفنانون الأحرار”، وقد مثّل هؤلاء النواة الأساسية لتنظيم المظاهرات في السويداء بعد عام 2011، وذلك نتيجة تعاون وتنسيق بين 16 مكوّناً سياسياً، لاحقاً، تأسست في المحافظة لجنة خاصة لدعم النازحين، في إطار العمل الإنساني الموازي للنشاط السياسي.
في عام 2018، تشكّلت “اللجنة الوطنية” في محافظة السويداء، وتميّزت بأنها أقل حدّة في مواجهتها للسلطة مقارنةً بـ”التجمع الوطني الديمقراطي المعارض” الذي يعود تأسيسه إلى عام 1979.
دعمت اللجنة الوطنية عدداً من الاعتصامات المحلية ذات الطابع المعيشي، من أبرزها اعتصامات “بدنا نعيش”، كما دعت إلى تنظيم اعتصامات سلمية أخرى، كان أبرزها “الاعتصام الصامت” الذي نُظِّم كل يوم اثنين واستمر لمدة ثلاثة أشهر، وكان خاتمته مرتبطة بانتفاضة السويداء في عام 2023.
وقد أسفرت انتفاضة 2023 عن ولادة العديد من الأجسام السياسية الجديدة في المحافظة، كان أولها “الهيئة السياسية للعمل الوطني”، وتبعتها لاحقاً تشكيلات سياسية أخرى مثل الكتلة الوطنية، وتيار الحرية والتغيير.
شهدت السويداء خلال انتفاضتها حالة سياسية متأرجحة بين تيارين رئيسيين: أحدهما يدعو إلى بقاء سوريا موحدة تحت نظام مركزي، والآخر يتبنى رؤية مغايرة تقوم على اللامركزية، بل ولا يمانع في إنشاء إدارة ذاتية خاصة بالسويداء، وظل هذان التياران في حالة صراع سياسي دون أن يتمكن أي منهما من تحقيق تعبئة شعبية واسعة ترجّح كفة أحد الخيارين بشكل حاسم وتفرضه كأمر واقع.
واستمر هذا الوضع السياسي المتوازن في السويداء حتى بعد سقوط النظام، حيث أتاح هذا السقوط هامشاً أوسع للمناورة والتفاوض حول المطالب والطموحات التي ناضل أبناء السويداء من أجلها خلال الثورة السورية، لكن يبقى السؤال كيف بدا المشهد في السويداء بعد سقوط النظام؟
انقسام الفصائل المسلحة في السويداء بين مؤيد ومعارض للحكومة السورية
تشهد محافظة السويداء انقساماً واضحاً بين الفصائل المسلحة، حيث تنقسم هذه التشكيلات إلى فصائل قريبة من الحكومة السورية، وأخرى تعارضها بشدة.
في صف الحكومة، تبرز حركة رجال الكرامة، التي تأسست عام 2013 على يد الشيخ وحيد البلعوس، وتعد أكبر الفصائل المسلحة عدداً وعتاداً في المحافظة، إذ يتراوح عدد مقاتليها بين 5 إلى 8 آلاف عنصر، وتُعتبر الحركة الأقرب إلى حكومة دمشق، وتحافظ على تنسيق مستمر معها منذ سقوط النظام السابق وحتى اليوم.
إلى جانبها، يوجد تجمع أحرار الجبل بقيادة سليمان عبد الباقي، وهو فصيل موالٍ لدمشق من حيث التوجه السياسي، إلا أنه محدود العدد والتسليح، كما يتبعه فصيل مضافة الكرامة الذي يقوده النجل الأكبر للشيخ وحيد البلعوس، ويعد أيضاً فصيلاً صغيراً من حيث الإمكانيات.
في المقابل، اصطفت فصائل أخرى في صف المعارضة، أبرزها لواء الجبل، الذي يُعتبر ثاني أكبر فصيل في السويداء من حيث العدد والعتاد، وقد تأسس عام 2015 ويضم نحو 5 آلاف مقاتل. يتبنى هذا الفصيل موقفاً سياسياً قريباً من توجهات الشيخ حكمت الهجري.
كما برز المجلس العسكري في السويداء، الذي أُعلن عن تشكيله رسمياً بعد سقوط النظام، ويعد من أكبر ثلاث فصائل في المنطقة، حيث يضم حوالي 5 آلاف مقاتل، معظمهم من الضباط والعناصر المنشقين عن الجيش السوري السابق، يُعرف هذا المجلس بميوله المعادية لحكومة دمشق، ويُظهر تقارباً سياسياً كبيراً مع الشيخ الهجري.
أما فصيل درع التوحيد، فهو تابع بشكل مباشر للشيخ الهجري، ويتولى مسؤولية أمنه الشخصي، ويتمركز في بلدته قنوات، ويقوده طارق المغوش، ويضم نحو 300 مقاتل، كما توجد فصائل مسلحة صغيرة أخرى يتراوح عدد عناصر كل منها بين عشرات إلى مئات، من أبرزها قوات شيخ الكرامة بقيادة أمجد بالي في محيط صلخد، قوات العليا بقيادة حسام سيف ورأفت بالي، تجمع سرايا الجبل بقيادة وائل أبو قنصول، فصيل جيش الموحدين بقيادة أسامة الصفدي، بعدد لا يتجاوز 15 مقاتلاً، قوى مكافحة الإرهاب أو ما يعرف باسم حزب اللواء السوري.
وقد توحدت هذه الفصائل مؤخراً، بما في ذلك قوات العليا، وقوات شيخ الكرامة، وسرايا الجبل، ودرع التوحيد، تحت موقف مشترك عبّرت فيه عن رفضها القاطع لحكومة دمشق، وذلك بعد الخطاب ما قبل الأخير للشيخ حكمت الهجري، والذي أكد فيه على ضرورة استقلال القرار المحلي.
اقرأ أيضاً: السويداء.. إلامَ يهدف مؤتمر «سوريا الواحدة» وما هي فرص نجاحه؟!
اتهامات متبادلة وانعدام ثقة
منذ سقوط النظام السوري السابق وتسلُّم الحكومة الحالية للسلطة، قرر أبناء السويداء الاحتفاظ بسلاحهم إلى حين التوصل لتفاهم مع السلطة في دمشق، إلا أن هذا القرار أدى إلى خلافات متكررة وأحداث دامية تشهدها المحافظة من وقت لآخر، وسط تبادل مستمر للاتهامات بين الجانبين.
تتمحور أبرز هذه الاتهامات حول تحديد المسؤول عن أعمال العنف، حيث تؤدي فوضى السلاح المنتشر بين العشائر والمجموعات المسلحة المحلية إلى وقوع انتهاكات يصعب تحديد منفذيها بدقة، وفي هذا السياق، تطالب العديد من المجموعات المسلحة المعارضة للحكومة السورية بأن يتولى أبناء السويداء حصرياً مسؤولية إدارة الملف الأمني في المحافظة، من دون تدخل أي قوى خارجية، وقد استجابت الحكومة السورية جزئياً لهذا المطلب، مع التأكيد على استمرار الحوار للوصول إلى اتفاق شامل يرضي جميع الأطراف.
ومن جهة أخرى، فإن التخوّف من الاتجاهات الإيديولوجية لدى عدد كبير من مكونات السلطة السورية، وطبيعتها الأحادية التكوين، إلى جانب الإعلان الدستوري الذي سبق أن أصدرته، ساهم في تعزيز شعور الإقصاء لدى أبناء السويداء، وتخوفهم من التهميش في حال خضوعهم لقيادة هذه الحكومة.
في المقابل، تنفي الحكومة السورية هذه الاتهامات، مؤكدة أنها حكومة انتقالية تسعى إلى بناء دولة شاملة ومتنوعة، وتحترم خصوصية السويداء، بما في ذلك عاداتها وتقاليدها، دون المساس بها أو التدخل في شؤونها الداخلية.








