السويداء كمرآة للبلاد: أين هي وكيف تعيش يومها الآن؟

الكاتب: أحمد علي
تستيقظ السويداء على تفاصيل صغيرة باتت بصورة غير طبيعية معيار للحياة في سوريا، فرغيف خبز يتأخر، والدواء بات مربوطاً برحلة بحث ينشغل فيها أهل بيت في أكثر من صيدلية، أما المزارع فهو يراقب الغيم ويستحضر القصائد الشاعرية ولا يثق بوعده… المدينة التي عاشت طويلاً على إيقاعها الخاص باتت مرآة للأزمة السورية الأوسع بملامح محلية واضحة، لأن أثر الأزمة يظهر في السوق والعيادة والحقول وفي الطريقة التي يعيد بها الناس ترتيب أولوياتهم كل يوم.
الأزمة المعيشية في السويداء تتجسد
شهدت المحافظة في صيف العام الفائت 2025 موجة عنف واضطراب أمني عطلت الطرق وقيدت الحركة، ومعها تعطلت قنوات الإمداد المعتادة. ونقلت تقارير لرويترز أن الأمم المتحدة كانت تستعد لإرسال قافلة بعد منح وزارة الخارجية السورية موافقة للوصول المباشر، بعد أيام من القتال الذي خلف مئات الضحايا ونزوحاً قُدّر بنحو 175 ألف شخص، مع خروج عشرات الآلاف نحو درعا. وحينها قالت ماريان وارد، المسؤولة في برنامج الأغذية العالمي في سوريا، لرويترز: “نحن ننظم قافلة بدعم وكالات أممية مختلفة، ونأمل أن تكون بداية لوصول واسع إلى المجتمعات الأشد ضعفاً”.
وبينما عادت بعض مظاهر الهدوء لاحقاً، بقيت آثار الإغلاق حاضرة، فقد أشارت وسائل علام محلية إلى أن فتح الطريق الرئيسي بين دمشق والسويداء في أواخر آب 2025 سمح بدخول قافلة أممية، وأن الخطاب الأممي شدد على أن استعادة تدفق السلع التجارية بصورة آمنة ومنتظمة شرط لوقف التدهور.
وفي تقارير قطاع الحماية، يبرز وجه آخر من العقد الإدارية، إذ يؤدي الاعتماد على قوافل متقطعة مع قيود حركة ونقص الوقود إلى تأخير وصول المواد والخدمات، ويجعل أي خلل في الطريق أو القرار الإداري يتحول بسرعة إلى نقص في المتاجر والعيادات.
غذاء يتقلص وبدائل صعبة
وفي لحظات الانقطاع، يصبح الطعام أول اختبار، ووثقت تقارير أياماً دخلت فيها المدينة وريفها من دون إمدادات غذائية منتظمة، ومع ضعف الكهرباء والمياه تعطلت الأفران وأغلق عدد من المحال، واضطر كثيرون للاعتماد على مؤونة المنازل. وفي روايات خلال تموز 2025، ارتبط استمرار ضخ المياه بعودة الكهرباء وتوقفت آبار عن العمل، وظهر نقص في الخبز والطحين.
لا تعني هذه الصورة التي نصفها هنا كارثة غذائية شاملة بالضرورة، لكنها تكشف هشاشة سلسلة الإمداد، فحين تتأخر الشاحنات أو تتعطل الموافقات، تتغير الأسعار سريعاً في سوق محدود بقدرة شرائية متراجعة. وهنا تتجسد الأزمة المعيشية في السويداء كقلق يومي، لأن الأسرة لا تحتاج إلى صدمة كبيرة كي تشعر بالضغط، يكفي أن تغيب المادة الأساسية أياماً قليلة.
الصحة بين نقص وتمويل
وفي الجانب الصحي، يعيش القطاع في السويداء على توازن حساس بين ما يتوفر محلياً وما يصل عبر طرق وإجراءات، ونقلت أسوشيتد برس عن منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في سوريا أن المستشفيات والعيادات في السويداء واجهت -ومازالت- نقصاً حاداً في أدوية أساسية، بينها الإنسولين ومستلزمات غسيل الكلى وعلاجات السرطان.
وعلى المستوى الوطني، قدّرت منظمة الصحة العالمية في تحليل للوضع الصحي لعام 2025 أن نحو 15.8 مليون شخص في سوريا يحتاجون مساعدة صحية منقذة للحياة، وأن معظم المناطق ضمن درجات شدة مرتفعة، ما يجعل أي انقطاع محلي أكثر خطورة.
وفي نشرة قطاع الصحة لآب 2025 وردَ أن بعثات مشتركة إلى درعا والسويداء كانت متوقعة لكنها لم تُعتمد، وهو تفصيل إداري يعني عملياً تأجيل تقييم الاحتياجات وتنسيق الإمدادات في وقت حساس.
الزراعة تكافح الجفاف والتسعير
تاريخياً، حملت السويداء جزءاً من اقتصادها على التفاح والعنب، لكن الزراعة اليوم تواجه ضغوطاً مركبة، مناخية وتسويقية وإدارية. ضمن هذا السياق، نُقل عن عاملين في سلسلة التفاح أن أسعار الشراء المتداولة لا تغطي تكاليف الإنتاج، مع ارتفاع كلفة العمالة والمحروقات اللازمة للتبريد، ما يوسع خسائر المزارع والتاجر.
وفي ملف العنب، نقل تقرير اهتمّ بالأمر أن مزارعين تحدثوا عن سعر شراء اعتبروه أقل من كلفة الإنتاج، مع محدودية خيارات التسويق وارتفاع تكاليف الري والأسمدة والعمل.
وعلى مستوى سوريا ككل، أشارت منظمة الأغذية والزراعة إلى أن إنتاج الحبوب في 2025 تراجع بأكثر من 60 في المئة عن المتوسط بسبب الجفاف وارتفاع الحرارة، مع أثر مباشر لغلاء الوقود والبذور والأسمدة، وهو ما ينعكس على أسعار الطحين والمدخلات التي يحتاجها الريف المحلي.
اقرأ أيضاً: السويداء وأسئلة حق تقرير المصير: وجهة نظر لا غنى عنها!
اقتصاد محلي ينكمش ببطء
من نافل القول، إنه حين يضيق الدخل وتتوسع كلفة المعيشة، تتحول المدينة إلى اقتصاد انتظار، فالأعمال اليومية تتأخر بسبب الوقود، والتجارة الصغيرة تتقلص حين تتقلب الطرق، والخدمات كذلك تعتمد على كهرباء متقطعة ومياه غير منتظمة. لذلك بدت عبارة استعادة تدفق السلع التجارية في الخطاب الأممي كشرط للاستقرار، لأن الأسواق لا تعيش على السلال الإغاثية وحدها.
في هذا المناخ، تصبح الأسر مضطرة لأن تتخذ قرارات دفاعية، فتخفف استهلاكها، وتؤجل علاجاً غير طارئ، وتبحث عن بدائل أقل كلفة. ومع كل موجة توتر أو قرار يبطئ حركة البضائع، يتكرر السؤال عن كيفية تخفيف الأزمة المعيشية في السويداء. ضمن هذا الإطار، فإن الاقتراحات المتداولة بين عاملين إنسانيين ومراقبين تركز على فتح الطرق بأمان، وتحسين انتظام الوقود، وتسهيل دخول الدواء والطحين بآليات واضحة، ودعم الزراعة بمدخلات قابلة للتحمل، مع مراقبة أثر ذلك على الأسعار والخدمات.
ختاماً، ما يميز يوم السويداء أن الأزمات لا تأتي منفصلة، فانقطاع الوقود لا يرفع فقط كلفة النقل، بل يرفع كلفة تبريد التفاح وتشغيل مضخات المياه، ثم يعود ليضغط على سعر الخبز وعلى قدرة العائلات على الوصول إلى الطبيب. لذلك تبدو الحلول الجزئية غير كافية ما لم تترافق مع تخفيف واضح للتعقيدات الإدارية والسياسية التي تربط حركة البضائع والفرق الخدمية بقرارات تتأخر أو تتغير.
وبينما تركز التقارير الدولية على المساعدات العاجلة، يظل سكان المدينة أمام اختبار الاستمرار، حيث يُقاس الأمل بقدرة السوق على العمل وعودة الدواء إلى الرف وفتح طريق آمن يربط المدينة بمحيطها، ويعيدها إلى نسيجها السوري الأصيل، لأن الأزمة في السويداء مرآة لما هو أكبر، مرآة لأزمة البلاد، والتعافي فيها يبدأ من التعافي على مساحة البلاد كلها…
اقرأ أيضاً: كاريكاتير: اعتقالات وقتل ونتف شوارب في السويداء… من أبناء السويداء!









