السويداء: هل تتحول المساعدات من استجابة طارئة إلى نموذج إمداد مستقر؟

الكاتب: أحمد علي
شهدت محافظة السويداء صبيحة 11 آذار دخول قافلة مساعدات إنسانية مؤلّفة من 36 شاحنة محمّلة بنحو 502 طن من الطحين وعدد من المستلزمات الطبية، وفي المشهد تجمّع العشرات أمام شاحنات المساعدات وكأن نفحة أمل تتسلل إلى جبالٍ من اليأس بعد المعاناة والحرمان.
وهذه الخطوة التي وجهها محافظ السويداء مصطفى البكور بدعم الهلال الأحمر السوري ترمي إلى كسر حاجز العزلة الإغاثية عن المحافظة، وإنارة شمعة رغيف خبز دافئة على موائد الأهالي العاجزين.. لكنّ السؤال يبقى: هل سيظل هذا الإمداد طارئاً ينتظر كل مرة عملاً تنظيمياً، أم أنه يتسق مع نموذج دعم مستدام يساعد السويداء على الصمود بعيداً عن حالة الطوارئ؟
حاجة السويداء إلى المساعدات الإنسانية
تكشف التقارير الأممية والمحلية أنّ السويداء تعاني أوضاعاً إنسانية صعبة، فبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، تجاوز عدد النازحين من المحافظة 145 ألف شخص بحلول تموز 2025، حيث تعطلت خدمات الكهرباء والمياه والاتصالات، وتوقفت المخابز جراء شح الطحين والوقود. ومع اندلاع أعمال عسكرية جديدة منتصف تموز، ارتفع عدد النازحين في السويداء إلى نحو 191 ألف داخلياً وخارجياً، وهذا الرقم القياسي يعكس ضغوطاً مضاعفة على الاحتياجات الأساسية للسكان.
وأشار تقرير أممي حديث إلى أن «الوضع الأمني تدهور وتفاقمت الأزمة الإنسانية»، مع استمرار إغلاق طرق رئيسية لقرى السويداء، لكن رغم ذلك، تكثّفت جهود الإغاثة: فقد سجّلت الأمم المتحدة توزيع مساعدات غذائية تغطي نحو 1.5 مليون مستفيد في شكل خبز منذ منتصف تموز وحتى مطلع آب. والواقع أن وصول المساعدات بات يسير عبر الهلال الأحمر السوري وفتح ممرات إنسانية مؤقتة، فيما يبقى الكثير من السكان «يعيشون في صمتٍ منوْمٍ وعوزٍ حاد»، كما وصفت ذلك منظمات أممية.
محطات قافلة المساعدات الإنسانية
تأتي قافلة الـ36 شاحنة في 11 آذار استكمالاً لسلسلة مساعدات بدأت قبل أيام بنقل الوقود، إذ دخلت المحافظة في 3 آذار قافلة محروقات مؤلفة من 9 صهاريج (3 محمّلة بالبنزين و6 بالمازوت) لتلبية حاجة الأفران ومحطات المياه. وأوضح المرصد السوري لحقوق الإنسان أن قافلة آذار كانت محمّلة بـ502 طن من الطحين ومستلزمات طبية أساسية ورافقتها فرق الهلال الأحمر، فيما أكدت مصادر محلية دخول القافلة بذات الأرقام تقريباً.
ليس هذا فحسب، فقد استقبلت السويداء سابقاً قوافل أخرى بعد رفع أزيز القتال منتصف العام الماضي. ففي 23 تموز 2025 دخلت قافلة ضخمة نقلت 66 طناً من الطحين يكفي نحو 17 ألف شخص، إلى جانب أدوية ومعدات طبية و7 آلاف ليتر من الوقود أسهمت في تشغيل المستشفيات وشبكات المياه. كما دخلت لاحقاً بضعة عشرات من الشاحنات تحمل آلاف السلال الغذائية والمحروقات، تابعة للعديد من الجهات الدولية والهلال الأحمر القطر التركي. وهذه القوافل، بأعدادها الكبيرة ومحتوياتها المتنوعة، تشكّل محطات مهمة في إطار الاستجابة الطارئة؛ غير أن التوزيع بقي قاصراً على المسارات الآمنة التي فتحها التدخل العسكري مع الجهات الروسية والمحلية.
من الاستجابة إلى الاستدامة
تطرح هذه المحطات سؤال الاستدامة، فهل تكفي لسد الاحتياجات على المدى البعيد أم هي دفعات متفرقة في ظرف استثنائي؟ يرى الخبراء أن التحول إلى نموذج إمداد منتظم يتطلب انفراجاً أمنياً شاملاً وتنسيقاً أمثل مع الشركاء الدوليين. فوزارة الطوارئ السورية أكدت أن قوافل الإغاثة جاهزة للدخول إلى السويداء في أي وقت، وأن «هدفهم إيصال المساعدات وتقديم الخدمات الطبية لكل سكان المدينة»، لكن الواقع الميداني يبقى أكثر تعقيداً: فحدود الخدمات تدور حول فتح طرق مؤقتة وهشاشة الأمن.
ووفق أوتشا، يعمل الهلال الأحمر السوري بتعبئة المزيد من المساعدات بالتنسيق مع وكالات أممية، فيما تقود جهات محلية وصحية عمليات التوزيع على الأفران والمشافي.
ومع ذلك، لا تزال التحديات قائمة. فتوزيع «استدامة الرغيف» يعتبر مهمة صعبة في ظل انقطاع الكهرباء وجفاف المياه ونقص الوقود. وكما ذكرت المنظمة الدولية، فإن كثيراً من الخبز الّذي وزّع لم يكن كافياً لتغطية الاحتياجات إلا مؤقتاً. كذلك يبقى الطريق البري الوحيد (بصرى الشام شرقاً) تحت ضغط الأوضاع الأمنية، إذ أعيد فتحه فقط بعد إغلاق قصير ناجم عن المعارك.
يقول وزير الداخلية السوري إن «القوات الداخلية نجحت بتأمين دخول قوافل الهلال الأحمر»، ما عزّز بعض الثقة بقدرة الحكومة على خلق قنوات ثابتة، لكن مشهد المواطنين والأهالي في المخيمات يشير إلى أن الاعتماد ما زال على الدعم الإنساني المتقطع، إذ تواصل منظمات محلية توزيع السلال والبطانيات، لكن التصريحات تشير أحياناً إلى أن «كميات المساعدات محدودة جداً مقارنة بأعداد السكان».
وفي هذا الإطار، فإن فكرة التحول إلى «نموذج امداد مستقر» تبقى قيد الاختبار، ويعتمد نجاحها على قدرة الفاعلين على تجاوز عقبة التنسيق الأمني وضمان وصول قوافل دعم منتظمة.
اقرأ أيضاً: جبل الباشان أو جبل العرب.. هل تمتلك السويداء مقومات اقتصادية للانفصال؟
شهادات حية من السويداء
على الأرض، يعبّر الأهالي بنفسهم عن واقع التدفق الإغاثي وآماله، ففي مخيمات اللجوء شرق درعا، أكد بعض النازحين أن المساعدات الشتوية التي وزّعها الهلال الأحمر على «الأسر الوافدة من السويداء» مثلت بارقة خير، فرغم بساطتها (مثل 5 بطانيات لكل عائلة) إلا أنها «إشارة إيجابية للاهتمام المستمر بأوضاعهم».
يقول خالد قاسم، وهو نازح في «جمرين»، إن «الأسر تعتمد على المساعدات الإنسانية لتأمين احتياجاتها اليومية وحماية أطفالها، وتوزيع البطانيات في هذه الأيام بادرة إيجابية تعكس الاهتمام المستمر بأوضاعهم»، في حين يرى آخر، حسين خلف القادم من «المجيمر»، أن هذه المساعدات «دعماً أساسياً يعزز قدرة الأسر على الصمود إلى حين تهيئة الظروف المناسبة للعودة، في ظل عدم القدرة حالياً على العمل وتأمين متطلبات المعيشة».
لكنّ البعض يشكّك في عدالة التوزيع، فقد وردت شكاوى من ناشطات محليات بأن بعض القرى لم تصلها مساعدات حتى الآن، وسط حديث عن «توزيع غير عادل» للسلال والمساعدات الغذائية. كما رفضت فصائل محلية تقودها عشائر من السويداء مشاركة الحكومة السورية في عمليات الإغاثة، مكتفية بدخول القوافل عبر الهلال الأحمر.
وفي هذا السياق المتشابك، برز صوت رحب بكل المساعدات الإنسانية، لكنه شدّد على أن تمريرها عبر مؤسسات غير حكومية (كالهلال الأحمر) يسهم في كسب ثقة الأهالي.
آفاق إمداد مستدام في السويداء
يبقى العنوان الرئيس هنا «الديمومة»، وفي هذا الإطار، يجري التنسيق الدولي لتشكيل بعثات مشتركة للأمم المتحدة تتفق مع الهلال الأحمر على جدول إمدادي طويل الأمد. إذا استطاع هؤلاء الضامنون الحفاظ على هذا التعاون، فقد تتحول السويداء تدريجياً من حالة «استجابة طارئة» إلى نموذج أكثر استقراراً في تلبية الاحتياجات الأساسية.
لكن تظل الطريق محفوفة بالمخاطر، فعودة الاشتباكات أو تغيير المعادلات السياسية قد يعيد المشهد إلى مربع الحذر، ولأجل ذلك، يؤكّد مختصون في الإغاثة أنّ نجاح الديمومة يتطلب أكثر من قوافل متتالية، فهو ينطوي على إعادة بناء قدرات محلية للتخزين والتوزيع، إلى جانب حلول طويلة الأمد لقضايا مثل الأمن المائي والزراعي. وفي انتظار ذلك، يبقى أهل السويداء متطلّعين إلى أن تتحول كل دفعة مساعدات إلى جزء من خيط مستدام يعيد لقسم من الجغرافيا السورية استقراره المفقود.
اقرأ أيضاً: السويداء كمرآة للبلاد: أين هي وكيف تعيش يومها الآن؟









