السوري العادي يعالجه الصيدلاني وليس الطبيب.. صحيح؟ ولماذا؟

بقلم: ديانا الصالح
يدخل المواطن السوري إلى الصيدلية قبل العيادة، يصف أعراضه بسرعة: “في حرارة وسعال وجع بلعوم” وبعد دقائق يخرج من الصيدلية حاملاً سلة من الأدوية والنصائح، لا حاجة لموعد مسبق ولا انتظار طويل والأهم لا أجرة كشف أو “كشفية” للطبيب.
هذا المشهد أصبح مألوفاً ويتكرر يومياً في المدن وفي القرى السورية، لدرجةٍ جعلتِ الكثيرين يصفون الصيدلاني بأنه الطبيب الأول في سوريا.
لكن هل هذه العبارة دقيقة فعلاً؟ وهل أصبح الصيدلاني بديلاً عن الطبيب؟ أم أن الظروف الاقتصادية وتراجع القدرة لدى المواطن على الوصول إلى الخدمات الصحية جعلت من الصيدلية خط الاستشارة الأول عن صحتهم؟ هنا يطرح التساؤل نفسه: لماذا يختار السوريون الصيدلي قبل الطبيب؟
الصيدلية قبل العيادة
على الرغم من غياب أي إحصاءات رسمية تحدد أعداد المواطنين السوريين الذين يقصدون الصيدلية قبل العيادة، إلا أن متابعة سريعة ليوم واحد فقط تكشف ما يحدث يومياً، فالصيدلي السوري أصبح بالنسبة للكثيرين هو نقطة الاستشارة الأولى لأي عارض صحي، خاصة عند الإصابة بأعراض شائعة وموسمية مثل الرشح أو الحمى أو آلام الحلق والصداع.
وبدلاً من حجز موعد لدى الطبيب وطلب استشارة دقيقة أو دواء يخفف الأعراض، أصبح الذهاب إلى الصيدلاني حلاً عملياً تفرضه الظروف المعيشية، خاصة مع تزايد الأزمة الاقتصادية التي أثرت على مختلف جوانب الحياة في البلاد، حيث كشف تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن تسعة من كل عشرة سوريين يعيشون اليوم تحت خط الفقر، فيما يعاني واحد من كل أربعة من البطالة، مما يعني أن الإنفاق على الرعاية الصحية أصبح عبئاً يفوق قدرة كثير من الأسر.
ومع ارتفاع أجور المعاينات الطبية وأسعار الأدوية وتكاليف التنقل، أصبحت الصيدلية بالنسبة لشريحة واسعة من السوريين هي الخيار الأسرع والأقل تكلفة للحصول على المشورة الصحية والعلاج الأولي، الأمر الذي عزز من حضور الصيدلاني.
المعاينة تتحول إلى عبء مالي
بالنسبة للكثير من السوريين فإن قرار الذهاب إلى الصيدلية قبل العيادة يتعلق بالحسابات المالية، فزيارة الطبيب تبدأ من أجرة المعاينة وتتبعها في غالبية الأوقات تكاليف إضافية، منها التحاليل الطبية أو الصور الشعاعية بالإضافة إلى الأدوية والمواصلات، مما يجعل من رحلة العلاج عبئاً يصعب على الأسر تحمله.
ووفقاً لتصريح سابق لنقيب الأطباء في سوريا مالك العطوي، فإن قيمة التسعيرة الحالية للأطباء متفاوتة حيث تتراوح بين 50 إلى 250 ألف ليرة، كما يمكن أن تبلغ في بعض الحالات 500 ألف ليرة، وذلك يتوقف على خبرة الطبيب والأجهزة الطبية المستخدمة إضافة إلى نوعية الخدمات المقدمة، مع الأخذ بعين الاعتبار تأثير مستوى الطلب ومدى ازدحام العيادة.
وبالعودة إلى تقديرات الأمم المتحدة فهي تشير إلى أن نحو 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وهذا ما يمكن أن يفسر لجوء الكثير من الأسر إلى تأجيل زيارة الطبيب أو الاستعاضة عنها باستشارة الصيدلية، أو الاكتفاء بالعلاج الذاتي حتى تتزايد الأعراض أو تستمر لفترة طويلة وتصبح حرجة.
نظام صحي مثقل والصيدلية خيار تلقائي
يمكن تفسير ظاهرة لجوء المواطن السوري إلى الصيدلية قبل العيادة من ظاهرة الفقر المتزايدة، لكن أيضاً هناك دور لطبيعة النظام الصحي ذاته، فالمؤسسات التي تقدم خدمات الرعاية الأولية تعاني من ضغط كبير على العيادات التخصصية.
تطول ساعات الانتظار وتغلق المؤسسات في موعد محدد إلا للحالات الإسعافية، هذا الواقع يجعل المريض يتوجه من نفسه إلى أقرب نقطة صحية متاحة وهي الصيدلية، وذلك بدل المرور بسلسلة طبية متكاملة من التشخيص للعلاج.
لماذا يثق السوري بالصيدلي أكثر من الطبيب؟
تتكون الثقة بالصيدلي بوصفه مرجعاً صحياً أولاً، وذلك لعدة أسباب منها سهولة الوصول إلى الصيدليات وانتشارها في معظم الأحياء مقارنة بعيادات الأطباء، بالإضافة إلى القدرة على الحصول على الاستشارة بشكل فوري دون موعد أو تكاليف مرتفعة وهذا أحد أبرز الأسباب.
كما أن الخبرة التراكمية لدى الصيدلي تلعب دوراً بارزاً في تعزيز هذه الثقة، حيث تعتمد الكثير من الأسر على تجارب سابقة ناجحة مع أدوية صُرفت من خلال الصيدليات ودون الرجوع إلى طبيب، هذا رسخ من فكرة أن هناك بعض الأمراض الشائعة التي يمكن التعامل معها دون مراجعة الطبيب.
الاستشارة السريعة خطأ وارد
على الرغم من الدور الأساسي الذي يلعبه الصيدلي في تقديم بعض الاستشارات، ومتابعة استخدام الأدوية والخبرة الطويلة التي يكتسبها الصيدلي، إلا أن الاعتماد عليه كبديل عن الطبيب قد يؤدي في بعض الحالات إلى أخطاء خطيرة.
طبيب الأطفال بسام عودة ذكر لموقع سوريا اليوم 24 “وصلتنا العديد من الحالات لأطفال كانت في وضع حرج لأنهم أخذوا أدوية غير مناسبة، قد يكون الدواء أعطي للطفل بناء على وصف الأهل فقط دون فحص سريري أو تقييم علامات حيوية، وهذا يؤخر التشخيص الصحيح ويزيد خطورة الحالة”.
الصيدلاني ثقة يومية تتعارض مع ضرورة التشخيص
يزداد اعتماد المرضى على الصيدليات نتيجة علاقة الثقة التي تتشكل مع الصيدلاني بعد التعامل معه بشكل دوري خاصة في الحالات البسيطة والمتكررة، فالصيدلي هو أول من يسمع وصف الأعراض ويقدم النصيحة الدوائية، وله دور أساسي في المسار الصحي اليومي لكثير من المرضى، لكنه يبقى ضمن الاستشارة الدوائية لا التشخيص الطبي.
الصيدلاني علي ذكر لموقع سوريا اليوم 24: “الكثير من المرضى يصفون الأعراض ويطلبون العلاج بشكل مباشر، نحن نحاول المساعدة بحالات بسيطة وفق المجال المسموح لنا به، ونوجههم إلى الطبيب المناسب لأن دورنا الأساسي هو الدواء الآمن لا التشخيص”.
التوازن المعقد بين الصيدلية والعيادة
المعادلة بين الصيدلي والعيادة معقدة بعض الشيء، فهناك عدة عوامل تؤثر في تشكيل علاقة التوازن بينهما، وهي الحاجة الاقتصادية وسهولة الوصول إلى الصيدليات وأهمية التشخيص الطبي الدقيق، فالصيدلي أصبح بالنسبة للكثير من المواطنين المرجع الأول لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن الطبيب خاصة في الحالات التي تتطلب فحصاً سريرياً وتشخيصاً علمياً.
اليوم في سوريا يتعدى دور الصيدلية من مجرد مكان لصرف الدواء إلى مكان للحصول على العلاج الأولي، ولا يمكن اختصار العلاقة بين المواطن والصيدلية كبديل عن الطبيب أو خيار اقتصادي فقط، فهي انعكاس مباشر لعوامل معقدة، وعلى الرغم من أن الصيدلاني يلعب دوراً مهماً في الإرشاد الدوائي وتسهيل الوصول إلى العلاج الأولي، إلا أنه لا يمكن أن يعمل بكفاءة دون تشخيص طبي دقيق ومتابعة متخصصة.
اقرأ أيضاً: أطباء بلا تدريب!! .. ما حقيقة أزمة طلاب الطب في جامعة حلب؟









