سياسة

السوريون يبتكرون حلولاً لغلاء الزواج وتأسيس الأسرة

الكاتب: أحمد علي

لم تعد بداية الحياة الزوجية عند الكثير من الشباب السوريين شقة مكتملة بمطبخ كبير وطاولة سفرة وصالون كبير، قد تبدأ ببراد مستعمل، وسرير تهديه العائلة، وخاتم واحد، وعرس يتقاسمه عشرات الأزواج. خفت الأشياء وأصبحت أكثر بساطة لكن الرغبة في بيت خاص ومستقل لم تختف، والحياة الزوجية لم تعد تنتظر اكتمال قائمة صنعتها سنوات الرخاء…

في مدينة التل تستعد جمعية إنعاش الفقير لإتمام مبادرة «الزواج الميسر» لأربعين شاباً وأربعين شابة في 14 و15 أيلول 2026. سبقت الحفل 24 جلسة تأهيل، ثم قُدم لكل عريس 1100 دولار للأثاث والأجهزة، ولكل عروس 300 دولار لحاجاتها. غير أن شروط الاختيار فضلت وجود عمل وسكن ودعم عائلي، ما قد يترك من يعيش الهشاشة الأشد خارج المبادرة.

تكاليف تأسيس الأسرة في سوريا تغيّر شكل البداية

تضغط الكلفة من جهتين. هناك مبلغ يُدفع مرةً واحدة للمهر والأثاث والاحتفال، ثم فاتورة شهرية للسكن والطعام والطاقة. يستطيع الزوجان حذف الصالة أو تأجيل شراء غرفة، لكنهما لا يستطيعان حذف الإيجار. لذلك ظهرت حلول للعتبة الأولى، بينما ظلت المرحلة الثانية أكثر عناداً.

هذا الفرق يمنع المبالغة في أثر أي مبادرة. مبلغ التجهيز قد يزيل عقبة حقيقية ويجنب الزوجين ديناً مبكراً، والتأهيل قد يقلل صدمة الانتقال إلى حياة مشتركة. لكنه لا يحول وظيفة متقطعة إلى راتب مستقر، ولا يخلق شقة في سوق نادرة. النجاح هنا بداية ممكنة، لا ضماناً لاستمرارها.

العرس الجماعي يشتري الحجم مرة واحدة

حين يجتمع أربعون زوجاً في احتفال واحد، تتوزع كلفة المكان والضيافة والتنظيم على عدد أكبر. يحصل كل زوج على لحظته من دون أن يدفع ثمن قاعة كاملة أو يدخل سباقاً مع صور الأعراس الفخمة. وتستطيع الجمعية التفاوض جماعياً مع معارض الأثاث والملابس، فتتحول قوة الشراء من أسرة منفردة إلى طلب منظم.

لكن الشكل الجماعي لا يناسب الجميع، وقد يحول المستفيدين إلى واجهة للمتبرعين. حماية الكرامة تحتاج موافقةً على التصوير ونشراً مالياً لا يكشف حياة الأزواج. المساعدة تفقد روحها عندما يصبح ثمنها عرض الحاجة أمام الناس.

المستعمل لم يعد علامة نقص

منذ سنوات تتوسع سوق الأثاث والأجهزة المستعملة بين المقبلين على الزواج. الفكرة بسيطة. قطعة جيدة خرجت من منزل يريد التجديد يمكن أن تمنح منزلاً جديداً وظيفته الأساسية بنصف الكلفة أو أقل. كما يستأجر بعض الأزواج ملابس الزفاف ويؤجلون الذهب ويقلصون عدد الضيوف. ما كان يُخفى خجلاً أصبح عند فئات كثيرة قراراً عقلانياً.

وتصنع المنصات الاجتماعية سوقاً للمبادلة والهدايا. غير أن السعر المنخفض قد يخفي جهازاً يحتاج إصلاحاً سريعاً. ويمكن للجمعيات والمعارض توفير فحص وضمان محدود، كي يصبح الاقتصاد في الكلفة حمايةً لا مغامرة.

المهر والذهب يعاد التفاوض حولهما

اتجهت عائلات وبلدات إلى مهور أخف أو مؤخر مرتبط بوزن محدود من الذهب، واكتفى أزواج بخاتم أو قطعة واحدة. هذه التغييرات لا تلغي قيمة المهر القانونية والاجتماعية للمرأة، لكنها تفصل الحق عن الاستعراض. التحدي هو ألا يتحول التيسير إلى ضغط على العروس كي تتنازل عما يحميها، أو إلى وعد لا يمكن تحصيله لاحقاً.

الاتفاق العادل يُكتب بوضوح ويناقش قدرة الطرفين، لا رغبة الأسرة في إعلان رقم كبير. وقد يكون أصل صغير باسم الزوجة أكثر فائدة من ذهب يُشترى ثم يُباع لتسديد الدين. التغيير لا يلغي التقاليد، بل يسأل أي جزء يحفظ الكرامة وأي جزء يرهق البداية.

شروط الاستقرار تحمل مفارقة

تقدّم أكثر من ثلاثمئة شاب وشابة للمبادرة، ثم اختير أربعون زوجاً وفق معايير شملت العمل والسكن والوضع المالي ودعم الأسرة، إضافة إلى الالتزام بالتأهيل. المنطق مفهوم، فالممول يريد فرصةً أعلى لاستمرار الزواج. إلا أن الشرط يخلق دائرة صعبة. من لا يملك سكناً أو عملاً ثابتاً يحتاج الدعم أكثر، لكنه يبدو أقل جاهزيةً للحصول عليه.

يمكن معالجة المفارقة بمسارين. الأول يكمل تجهيز من يملك أساساً معقولاً، والثاني يساعد من يحتاج وظيفةً أو بدل إيجار قبل الزواج. عندها تُقاس العدالة بنوع العائق الذي أزيل، ويمكن للجمعية أن تحيل الحالات إلى شركاء وبرامج أخرى.

السكن يأكل كل التوفير

تُظهر مراجعة إنسانية نُشرت في حزيران 2026 أن 42 في المئة من المجتمعات التي شملها تقييم واسع لم تجد وحدات آمنة شاغرة للإيجار أو الشراء، وأن 35 في المئة وصفت العرض بالمحدود. وفي دمشق تجاوز متوسط إيجار مسكن بغرفتين 300 دولار وفق التقييم المنقول. هذه أرقام إرشادية وليست مسحاً سكانياً كاملاً، لكنها تشرح لماذا لا يكفي اقتصاد العرس.

كما أن سلة الاحتياجات الشهرية لأسرة من خمسة أشخاص قُدرت في آذار 2026 بما يعادل 166 جنيهاً إسترلينياً من دون الإيجار، بينما تعتمد أسر كثيرة على دخل غير منتظم. هنا ينتهي مفعول الهدية بسرعة. يستطيع زوجان بدء البيت بأقل الأثاث، لكنهما يحتاجان كل شهر إلى دخل يسبق الفاتورة. من دون سياسة سكن وعمل، تنتقل الكلفة من يوم الزواج إلى قلق يومي.

التأهيل مفيد حين لا يتحول إلى وصاية

خصصت المبادرة 24 جلسة لموضوعات قانونية وطبية ونفسية ومالية وأسرية. هذه خطوة تتجاوز اختصار الزواج في المال، وقد تمنح الزوجين لغةً للخلاف والميزانية والحقوق قبل أن يواجها الضغط داخل البيت. ويكون أثرها أكبر إذا قدمها مختصون، وسمحت بالأسئلة الخاصة، واستمرت بعد الحفل بخدمة مشورة سرية.

أما ربط الدعم بصورة واحدة للأسرة الصالحة فيحتاج حذراً. دخل التدخين ضمن نقاط التقييم، وحضرت الأمهات والحموات بعض الأنشطة. قد يخدم ذلك الصحة والحوار أو يوسع تدخل الآخرين في قرار شخصي. المعيار هو السلامة والرضا والقدرة على إدارة الحياة، مع احترام اختلاف الأزواج.

من مبادرات موسمية إلى سياسة للأسرة

يُظهر مسح دولي لصندوق الأمم المتحدة للسكان أن أكثر من ثلثي المشاركين الشباب يرغبون في الزواج أو الشراكة، وأن السكن والاقتصاد هما العائقان الأكثر ذكراً. المسح شمل مستخدمين للإنترنت في 73 دولة وليس تمثيلاً وطنياً لسوريا، لذلك لا يصلح لنسبة محلية. لكنه يدعم فكرة واضحة في القصص السورية، وهي أن التأجيل كثيراً ما يأتي من نقص القدرة لا من اختفاء الرغبة.

تحتاج الاستجابة إلى مساكن إيجار ميسرة، وضمانات عادلة للمالك والمستأجر، وعمل أول للشباب، وحضانات وخدمات صحة إنجابية، إضافة إلى تمويل صغير لا يبدأ الأسرة بدين خانق. ويمكن للدولة أن تعفي الهبات الأساسية من الرسوم وتدعم تعاونيات السكن وتراقب عقود القروض. عندها تعمل المبادرة المجتمعية داخل طريق مستمر، لا كجسر جميل ينتهي بعد أمتار.

ختيبتكر السوريون لأن قائمة الانتظار صارت أطول من أعمارهم. يختصرون العرس، ويشترون المستعمل، ويعيدون التفاوض على الذهب والمهر، ويتشاركون كلفة البداية. هذه ليست حِيلاً صغيرة، بل إعادة كتابة لما يعنيه البيت المكتمل. أحياناً تكون الثلاجة التي تعمل أهم من غرفة لا يدخلها أحد.

ومع ذلك، لا ينبغي للرومانسية أن تخفي الحساب. التوفير ينفع عند الباب، أما الاستقرار فيحتاج دخلاً وسكناً وخدمات وحقوقاً واضحة للطرفين. إذا التقت مرونة المجتمع بسياسة تعالج هذه الأسس، تصبح الحلول بداية حياة. وإذا تُركت وحدها، فقد تمنح الأزواج ليلة أخف ثم تعيدهم صباحاً إلى الفاتورة نفسها.

اقرأ أيضاً: تجهيزات المنزل والعرس ضمن مبادرة الزواج الميسر في جمعية إنعاش الفقير الخيرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى