السوريون لا يزالون بحاجة إلى VPN… إلى متى؟

بقلم: ريم ريّا
لم يكن قرار رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا مؤخراً كافياً لتغيير واقع المستخدمين السوريين بين عشية وضحاها. فبعد سنوات من العزلة الرقمية، توقع الكثيرون زوال الحاجة إلى الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) وتوفر الخدمات الرقمية العالمية بسهولة. إلا أن الواقع أثبت عكس ذلك. لا يزال آلاف السوريين يفتحون هواتفهم يومياً ويستخدمون الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) للوصول إلى منصات أصبحت جزءاً من الحياة اليومية في معظم البلدان، مثل ChatGPT، وبعض خدمات جوجل، وTikTok، وحتى الميزات الأساسية في تطبيقات التواصل الاجتماعي. وقد دفع هذا التناقض الكثيرين إلى التساؤل: رفعت العقوبات، فلماذا لا تزال هذه التطبيقات محظورة؟ هل المشكلة قانونية، أم تقنية، أم أن الأمر ببساطة يستغرق وقتاً أطول حتى تنعكس القرارات السياسية على المشهد الرقمي؟
مستخدمون يعيشون في عزلة رقمية دائمة
بالنسبة للمستخدمين السوريين، لم يتغير الكثير حتى الآن. طالب جامعي يعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في دراسته، ومصمم يحتاج إلى تحديث برامجه، ومنشئ محتوى يرغب في إضافة موسيقى بسيطة أو “تريند” إلى قصة على إنستغرام.. جميعهم يواجهون المشكلة نفسها.
العديد من مستخدمي الإنترنت في سوريا يقولون، إنهم ما زالوا غير قادرين على الوصول إلى الخدمات التي أصبحت ضرورية للعمل والدراسة وحتى لبعض تفاصيل الحياة اليومية. وأغلب المواقع والتطبيقات لا يمكن الوصول إليها إلا عبر شبكة افتراضية خاصة (VPN)، بينما يتطلب البعض الآخر أدوات لتجاوز الحجب لتحديثه أو حتى تسجيل الدخول. ويزداد الوضع تعقيداً بسبب بطء سرعات الإنترنت في سوريا، حيث يؤدي استخدام VPN إلى إبطاء سرعة الاتصال البطيء أصلاً، مما يجعل تجربة المستخدم أكثر صعوبة وإحباطاً.
لا تقتصر المشكلة على التطبيقات المهنية أو الخدمات المتقدمة وحسب، بل تمتد أيضاً إلى الألعاب الإلكترونية التي بدأت تشق طريقها في سوريا مؤخراً وخدمات الترفيه وميزات التطبيقات الشائعة. هذا يظهر مدى الفجوة الرقمية التي لا تزال تفصل المستخدمين السوريين عن بقية مستخدمي الإنترنت في العالم.
اقرأ أيضاً: عودة إعلانات ميتا إلى سوريا… فرصة للتسويق وتحدٍ للبلوغرز
رفع العقوبات… لكن القيود القانونية لا تزال قائمة وال VPN يعمل
فسر خبراء أمن المعلومات هذا الواقع بالقول إن رفع العقوبات لا يعني بالضرورة عودة الخدمات بشكل فوري. إذ لا تعتمد شركات التكنولوجيا العالمية على القرارات السياسية فحسب، بل كذلك على الأنظمة القانونية المعقدة وسياسات الامتثال المحلية الصارمة.
يشير الخبراء إلى أن قطاع التكنولوجيا في سوريا يخضع لقيود تصدير على البرمجيات والخدمات الرقمية منذ سنوات، ما دفع الشركات الدولية إلى تطبيق أنظمة تمنع المستخدمين المحليين من الوصول إلى خدماتها. وحتى بعد تخفيف العقوبات، لا تزال هذه الشركات بحاجة إلى اجتياز مراجعات قانونية وإدارية وفنية قبل إعادة تفعيل خدماتها، وهي إجراءات قد تستغرق شهوراً أو حتى سنوات، بحسب طبيعة كل شركة. غالباً ما تفضل شركات التكنولوجيا الكبرى تبني سياسات أكثر صرامة من الحد الأدنى الذي يفرضه القانون لتجنب أي مخاطر مستقبلية أو غرامات محتملة. لذا، فإن رفع القيود لا يتم تلقائياً وبمجرد قرار سياسي.
العقوبات المزدوجة تعقّد الوضع
لا تنتهي المشكلة عند الخدمات الرقمية، بل تمتد لتشمل الأجهزة نفسها. يستخدم عدد كبير من السوريين هواتف من شركات صينية، والتي واجهت هي الأخرى عقوبات أمريكية في السنوات الأخيرة. أدى هذا التداخل بين العقوبات المفروضة على سوريا وتلك المفروضة على بعض الشركات الصينية إلى ما يشبه “العقاب المزدوج”، حيث يجد المستخدمون أنفسهم محرومين من تحديثات النظام، وبعض خدمات جوجل، أو الخدمات السحابية، ليس فقط بسبب موقعهم الجغرافي، بل أيضاً بسبب نوع الجهاز الذي يستخدمونه. ويؤثر هذا بشكل مباشر على تجربة المستخدم اليومية، سواءً كان ذلك تحديث التطبيقات، أو استخدام الخدمات المتعلقة بالحسابات الرقمية، أو الوصول إلى الميزات الجديدة التي تقدمها الشركات المصنعة.
إلى جانب الجوانب القانونية، لا تزال التحديات التقنية تعيق استعادة الخدمات بشكل كامل. فأنظمة تحديد الموقع الجغرافي، وآليات توجيه الخوادم، وربط شبكات الاتصالات السورية بالشبكات العالمية، جميعها تتطلب تحديثاً وإعادة تهيئة. كما يواجه المستخدمون مشاكل في تلقي رسائل التأكيد من بعض المنصات العالمية، مما يحول دون إنشاء الحسابات أو استعادتها. إضافةً إلى ذلك، لا تزال بعض خدمات الدفع الإلكتروني والمنصات المرتبطة بها معطلة. تؤكد هذه التفاصيل أن المسألة لا تقتصر على رفع الحظر عن تطبيق معين، بل تتعداها إلى دمج سوريا تدريجياً في نظام الإنترنت العالمي، وهي عملية تقنية وإدارية معقدة تتطلب تعاوناً بين الجهات الحكومية والشركات الدولية.
على الرغم من هذه التحديات، بدأت تظهر بوادر تفاؤل في الأشهر الأخيرة. فقد أعلنت وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات السورية نجاحها في استعادة الوصول إلى العديد من الخدمات الدولية دون الحاجة إلى شبكة افتراضية خاصة (VPN)، وأبرزها سناب شات. كما أصبح الوصول إلى متجر جوجل بلاي متاحاً الآن لبعض المستخدمين داخل سوريا دون الحاجة إلى تجاوز الرقابة.
بين الواقع والوعد… متى تنتهي الحاجة إلى (VPN)؟
في الحقيقة، من الواضح تماماً أن استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) في سوريا لم يعد مجرد وسيلة للتحايل على الرقابة، بل هو نتيجة سنوات من العقوبات المتراكمة والقيود القانونية والمشاكل التقنية التي لا يمكن حلها بقرار واحد. مع أن المؤشرات الحالية مشجعة، إلا أن الاستغناء التام عن الشبكات الافتراضية الخاصة يعتمد على سرعة استجابة الشركات العالمية، وإتمام الإصلاحات التقنية، وتحسين البنية التحتية الرقمية المحلية.
إلى حين ذلك، ستظل الشبكات الافتراضية الخاصة جزءاً من الحياة الرقمية اليومية للسوريين، ليس لأنهم يفضلونها، بل لأنها الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الخدمات التي يعتبرها العالم اليوم من الحقوق الأساسية للإنترنت. والسؤال الأهم “كم من الوقت سيستغرق السوريون للاتصال بالعالم الرقمي بشكل طبيعي، دون وسطاء أو أدوات للتحايل؟”.









