المجتمع السوري

السوريون في المهجر أمام مرحلة جديدة.. الحماية تتغير والعودة تفرض أسئلة مختلفة

بقلم: ريم ريّا

لا تزال هناك شريحة واسعة من السوريين في الشتات، وتغيرت معهم الظروف ووضعتهم في مرحلة جديدة، بدأت ملامحها تتضح بعد التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا في نهاية عام 2024 مع سقوط نظام بشار الأسد. ويقدر عدد السوريين في الشتات، وفق آخر الإحصائيات بأكثر من 18 مليون نسمة، بينما بلغ عدد اللاجئين السوريين المسجلين بشكل رسمي في الدول المضيفة الرئيسية حوالي 3.95 مليون لاجئ في النصف الثاني من عام 2026، على الرغم من أن هذا الرقم آخذ في التناقص بسبب عودة اللاجئين إلى سوريا بعد التحرير.

ومع ذلك، فإن انخفاض عدد اللاجئين لا يعني انتهاء مشكلة السوريين في الخارج. بل على العكس، فقد بدأت مرحلة جديدة فيما يتعلق بوضع من بقوا في الدول المضيفة، وطبيعة الحماية التي يتلقونها، وما إذا كانت الظروف الجديدة في سوريا ستؤثر على قراراتهم المستقبلية بشأن الإقامة والعودة.

النمسا جزء من التغيير في حياة المغتربين السوريين

النمسا مثال حي وواضح على هذا التحول في حياة السوريين المغتربين. إذ حصل حوالي 3100 سوري على الحماية الفرعية خلال النصف الأول من عام 2026، بالمقارنة مع  1523 سوري آخر حصلوا على صفة لاجئ خلال الفترة نفسها. وقد تضاعف تقريباً عدد السوريين الحاصلين على الحماية الفرعية مقارنةً بمن منحوا حق اللجوء، وهو تغيير ملحوظ عن السنوات السابقة.

يشير هذا الفرق إلى أن السلطات النمساوية تفرق بشكل متزايد بين من يستوفون معايير صفة اللاجئ ومن لا يستوفونها ولكنهم قد يواجهون خطراً في حال عودتهم إلى سوريا.

ما الفرق بين اللجوء والحماية الفرعية؟ يعتبر التمييز بين هاتين الصفتين أمراً في غاية الأهمية للسوريين الذين ينتظرون الب في طلباتهم. ترتبط صفة اللاجئ بشكل عام بالاضطهاد الفردي أو الخوف المبرر من الاضطهاد لأسباب محددة، بينما تمنح الحماية الفرعية عندما لا تستوفى معايير اللجوء، ولكن العودة إلى بلد المنشأ تشكل خطراً على حياة الشخص أو سلامته.

لذا، فإن منح الحماية الفرعية لعدد أكبر من السوريين لا يعني أن السلطات تعتبرهم لاجئين بالمعنى القانوني نفسه. بل يعني ذلك أن تقييمهم قد خلص إلى وجود أسباب تمنع عودتهم في الوقت الراهن. قد يبدو هذا التمييز القانوني شكلياً، ولكنه يمثلفرقاً على أرض الواقع في وضع الشخص ومستقبله، خاصةً بالنسبة لمن ينتظر قراراً بشأن إقامته.

اقرأ أيضاً: المؤهلات السورية ترتفع في ألمانيا بنسبة 42 بالمئة.. ماذا يعني ذلك للسوريين؟

أدى سقوط النظام إلى تغيير آلية تقييم طلبات اللجوء

يرتبط هذا التغيير بالتحول السياسي الذي شهدته سوريا في نهاية عام 2024 وسقوط نظام بشار الأسد. في السابق، كان جزء كبير من طلبات اللجوء في سوريا يستند إلى الخوف من الاضطهاد المرتبط بالنظام السابق، لا سيما بالنسبة للمعارضين والناشطين وغيرهم من الفئات المعرضة للاضطهاد. مع ذلك، وبعد التغيير السياسي، أصبح تقييم طلبات اللجوء أكثر ارتباطاً بالوضع الراهن في سوريا والظروف التي قد يواجهها الشخص عند عودته.

هذا يعني أن سقوط النظام لم ينهِ مشكلة اللجوء في سوريا، ولكنه غير الأسئلة التي تطرحها سلطات الهجرة عند مراجعة الطلبات. في الوقت نفسه، تشهد النمسا انخفاضاً حاد في عدد طلبات اللجوء، حسب بيانات نشرتها السلطات النمساوية في السابق، إذ بلغ عدد طلبات اللجوء في النمسا خلال النصف الأول من عام 2026 حوالي 4900 طلب، مقارنةً بأكثر من 6200 طلب تم تسجيله في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2025. كما أشارت بيانات الربع الأول إلى انخفاض بنسبة تقارب 45% مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق. ويتزامن هذا الانخفاض مع تشديد النمسا لسياسات الهجرة والعودة، ومع ازدياد عمليات الترحيل والمغادرة من البلاد.

بالنسبة للسوريين، يترجم هذا، من جهة، إلى انخفاض في عدد الوافدين الجدد، ومن جهة أخرى، إلى بدء عودة بعض الموجودين حالياً في الخارج.

العودة ليست مجرد قرار سياسي

لا يقتصر النقاش الدائر حول عودة السوريين على تغير الوضع السياسي فحسب، بل إن العودة بالنسبة لملايين السوريين مرتبطة أيضاً بالسكن والعمل والتعليم والخدمات والأمن والاستقرار الاقتصادي. لذا، لا يمكن تفسير انخفاض عدد اللاجئين على أنه نهاية لأزمة اللاجئين السوريين. فقد عاد بعضهم بالفعل، ويستعد آخرون للعودة، بينما يفضل البعض البقاء في البلدان التي استقروا فيها لسنوات. علاوة على ذلك، لا يزال هناك من ينتظرون معرفة كيفية تعامل الدول المضيفة مع وضعهم القانوني.

تزداد أهمية هذه النقطة مع تحول بعض الدول الأوروبية من معاملة السوريين في المقام الأول كلاجئين مرتبطين بالنظام السابق إلى تقييم أكثر تفصيلاً لكل حالة على حدة والظروف المحيطة بعودتهم.

قد يكون ما يحدث في النمسا مؤشراً على مرحلة جديدة في أزمة اللاجئين السوريين، تتمثل سمتها الرئيسية في أن الوضع القانوني للسوريين في الخارج لم يعد مستقراً كما كان في السنوات السابقة. أثرت التغيرات السياسية في سوريا على كيفية معالجة طلبات اللجوء، بينما ساهمت الهجرة العائدة في انخفاض عدد اللاجئين، بالتزامن مع تشديد بعض الدول الأوروبية لسياسات الهجرة.

مع ذلك، لن يتحدد مسار المرحلة المقبلة بالأعداد فقط. فمستقبل السوريين في الخارج سيتوقف أيضاً على قدرة سوريا على توفير الظروف التي تجعل العودة خياراً عملياً ومستقراً، وعلى كيفية تعامل الدول المضيفة مع كل حالة على حدة.

ختاماً، بين العائدين إلى سوريا، والذين اختاروا البقاء، والذين ما زالوا ينتظرون قراراً بشأن مستقبلهم، يبدو أن أزمة اللاجئين السوريين قد دخلت مرحلة جديدة. لا تركز هذه المرحلة على أسباب مغادرة البلاد فحسب، بل تتناول سؤالاً يتردد دائماً في أذهان السوريين: هل أصبحت بعض الظروف التي دفعت السوريين إلى الرحيل مختلفة بما يكفي لتجعل العودة من ضمن الخيارات القابلة للتنفيذ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى