السندات الحكومية: طريقة للاستثمار أم إعادة تدوير الديون؟

بقلم هلا يوسف
تشكل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها الاقتصاد السوري إحدى أكثر المواضيع المتداولة بين الخبراء الاقتصاديين. فمع كل خطوة تقوم بها وزارة المالية أو الاقتصاد، تبدأ التحليلات والتفسيرات لنتائج هذه الخطوة الإيجابية والسلبية. وهنا تظهر فكرة السندات الحكومية كحل معقول يراه المسؤولون المعنيون قادراً على سد العجز بين الإيرادات والنفقات دون خلق أزمة اقتصادية جديدة. بينما كانت وجهات نظر الخبراء متباينة بين أن هذه العملية يجب أن تكون مشروطة، وبين من يراها خطوة سلبية.
فبعد إعلان وزير المالية محمد يسر برنية أن موازنة عام 2026 ستسجل عجزاً يقارب 1.8 مليار دولار، وأن الحكومة تتجه إلى تغطية هذا العجز عبر إصدار سندات حكومية. بدأ الحديث عن هذه الخطوة ليس لكونها جديدة في عالم الاقتصاد، بل لكونها معقدة في ظل الظروف التي تعيشها البلاد، والتي تتضمن ضعف في السيولة، وتراجع الإنتاج والاستثمار الاقتصادي. مما يطرح سؤال وحيد: هل يمكن لهذه السندات أن توفر التمويل المطلوب أم ستكون عبء إضافي على الاقتصاد؟
بداية القصة.. لماذا تحتاج الحكومة إلى السندات؟
بحسب أرقام موازنة 2026، من المتوقع أن تكون الإيرادات العامة حوالي 8.7 مليارات دولار، بينما تتجاوز النفقات 10.5 مليارات دولار، هذا يعني أن هناك فرق مالي بحوالي 1.8 مليار دولار. لذلك لتقليص هذا الفرق تلجأ الحكومة إما إلى زيادة الضرائب، أو تقليص الإنفاق، أو طباعة المزيد من النقود، أو اللجوء إلى الاقتراض، أو جميعها معاً.
وإذا أغفلنا الضرائب، وهي وسيلة يبدو أن الحكومة بدأت تلجأ إليها بالفعل بشكل متزايد، وكذلك تقليص الإنفاق، يبقى خيار طباعة النقود غير وارد لأن ذلك يعني زيادة المخاطر المتمثلة بزيادة التضخم وتراجع العملة المحلية. تلجأ الحكومات بالعادة إلى الاقتراض على اعتبار أنه خيار أقل ضرراً. وهنا تظهر السندات الحكومية كأحد أهم أدوات التمويل المتاحة، والتي تعتبر من وسائل الاقتراض المحلي وليس الخارجي.
ما هي السندات الحكومية؟
ببساطة شديدة يمكن تعريف السند الحكومي بأنه ورقة مالية تطرحها الدولة للحصول على أموال من المستثمرين. حيث يقوم المستثمر بشراء السند، بينما تتعهد الحكومة بإعادة المبلغ بعد فترة زمنية محددة، مع دفع فائدة يتم الاتفاق عليها سابقاً. وبذلك حامل هذا السند لا يكون شريكاً في ملكية الدولة أو مشاريعها، بل يكون فقط دائناً لها.
لذلك يتم الاعتماد اليوم على السندات من قبل الحكومات بشكل كبير في مختلف دول العالم لتمويل المشاريع الكبرى، أو لتغطية العجز في الموازنات، أو لإعادة هيكلة الديون، مما يسمح لها بإدارة وضعها المالي.
لماذا يعتبر هذا الخيار أفضل من طباعة النقود؟
برأي الدكتورة منال الشياح، نائبة عميد كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، أن اللجوء إلى السندات الحكومية قد يكون أقل ضرراً من التمويل التضخمي المباشر. إذ إن طباعة المزيد من الأموال تعني زيادة الكتلة النقدية المتداولة في السوق، الأمر الذي يرفع مستويات التضخم ويضغط على سعر صرف الليرة السورية.
أما عندما تقترض الحكومة من السوق المحلية عبر السندات، فإنها تحصل على التمويل من الأموال الموجودة أصلاً في الاقتصاد بدلاً من خلق نقود جديدة، وهو ما يساعد على الحد من الضغوط التضخمية.
ومثلها مثل أي خطوة، تحتاج إلى دعائم لنجاحها، حيث ترى الشياح إن نجاح فكرة السندات يعتمد على الظروف الاقتصادية المحيطة به.
الاقتصاد السوري أمام تحديات كبيرة
وبما أن الاقتصاد السوري مليء بالتحديات والأزمات، فإن تقييم جدوى إصدار السندات في سوريا ليس سهلاً بحسب الشياح، لأن البلاد لا تعمل في ظروف اقتصادية طبيعية. فبعد سنوات طويلة من الحرب والعقوبات والتراجع في الإنتاج والاستثمار، أصبح الاقتصاد يواجه تحديات متعددة، من بينها ضعف النشاط الاقتصادي، وتراجع القوة الشرائية، وانخفاض مستويات الدخل.
بينما يعاني القطاع المصرفي نفسه من محدودية الودائع، في وقت تتجه فيه السلطات النقدية إلى تشديد السياسة النقدية وتقليص السيولة المتداولة بهدف كبح التضخم والحفاظ على الاستقرار النقدي. وبذلك العوامل السابقة تحد من نجاح فكرة السندات لكون التسويق لها في ظل الظروف السابقة غير مغري، وبالتالي سيكون هناك صعوبة في جذب المستثمرين.
الثقة أولاً.. من سيشتري السندات وما سبيل النجاح؟
السؤال الأهم الذي يطرحه الاقتصاديون اليوم لا يتعلق بإصدار السندات بحد ذاته، بل بمن سيشتريها. فالسندات لا تحقق هدفها إلا إذا وجدت جهات مستعدة لاستثمار أموالها فيها. وهنا ترى الدكتورة الشياح أن الإقبال الشعبي على السندات قد يكون محدوداً بسبب تراجع الدخول وارتفاع معدلات الفقر، عدا عن أن معظم المواطنين الذين يمتلكون أموال يفضلون الاحتفاظ بها عبر تحويلها إلى دولارات أو ذهب، على اعتبار أنها آمنة على المدى الطويل. بينما مخاوف التضخم قد تدفع بعض المستثمرين إلى القلق من تآكل القيمة الحقيقية لأموالهم مع مرور الوقت.
أما بالنسبة إلى شروط النجاح، فيشير الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي إلى أن نجاح السندات يعتمد على كيفية تصميمها. حيث تلعب مدة السند أحد أبرز هذه العوامل، لأن السندات طويلة الأجل تمنح الحكومة وقتاً أطول لتأمين موارد السداد، لكنها تدفع المستثمرين للمطالبة بعوائد أعلى بسبب مخاطر التضخم وعدم اليقين.
كما أن نسبة الفائدة تلعب دوراً أساسياً في جذب المستثمرين. فإذا كانت الفائدة منخفضة فلن تكون السندات مغرية، وإذا كانت مرتفعة ستتحمل الحكومة تكلفة أكبر عند السداد.
أما القضية الأكثر حساسية، بحسب قوشجي، فهي عملة الإصدار. فالعجز الحالي مقدر بالدولار الأميركي، وهذا ما يطرح تساؤل حول عملة السندات هل ستكون بالليرة السورية أم الدولار. حيث إذا صدرت بالليرة فقد تواجه الحكومة ضغوطاً مستقبلية عند الحاجة لتأمين العملات الأجنبية. أما إذا صدرت بالدولار فستكون الدولة مطالبة بتوفير موارد دولارية كافية لسداد أصل الدين والفوائد في المستقبل.
التحديات بين أزمة السيولة وسوق السندات
لا بد أن هذه العملية تنطوي على تحديات أخرى متمثلة بشح السيولة بحسب قوشجي. فالسياسة الاقتصادية التي يتبعها مصرف سوريا المركزي القائمة على الحد من السيولة لمواجهة التضخم تقلل من حجم الأموال المتاحة للاستثمار. وبذلك تكون المصارف العامة هي القادرة على الاكتتاب في السندات الحكومية.
كما تشكل غياب سوق ثانوية نشطة للسندات مشكلة ثانية. ففي الأسواق المتطورة يستطيع المستثمر بيع السند في أي وقت تقريباً قبل موعد استحقاقه، أما في حال عدم وجود سوق ثانوية فعالة، فإن المستثمر سيضطر للاحتفاظ بالسند حتى نهاية مدته، مما يقلل فكرة التوجه نحوه.
هل تتضرر الشركات من السندات الحكومية؟
رغم أن السندات تساعد الحكومة في تأمين التمويل، إلا أن لها آثاراً جانبية محتملة. وهنا تحذر الشياح من ظاهرة تعرف اقتصادياً باسم “مزاحمة القطاع الخاص”. ويحدث ذلك عندما تفضل المصارف شراء السندات الحكومية بدلاً من منح القروض للشركات والمشروعات الخاصة، لأنها تعتبر الحكومة أقل خطراً من المقترضين الآخرين. وبذلك تكون النتيجة ذهاب جزء كبير من السيولة للتمويل الحكومي بدلاً من استخدامها في مشاريع الاستثمار والإنتاج، مما يؤدي إبطاء عملية التعافي الاقتصادي.
متى يصبح الدين خطراً؟
من الطبيعي أن يؤدي إصدار السندات إلى زيادة حجم الدين العام الداخلي. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في الاقتراض نفسه، بل في طريقة استخدام الأموال المقترضة.
فإذا تم توجيه هذه الأموال إلى مشاريع إنتاجية تستطيع تأمين عوائد اقتصادية مستقبلية، ستكون هذه المشاريع طريقة لتسديد الدين والفوائد. أما إذا تم استخدام الأموال لتغطية نفقات استهلاكية أو جارية لا تحقق أي مردود اقتصادي، فإن الدين سيبقى قائماً بينما ستزداد أعباء السداد على الخزينة.
وتحذر الشياح من أن استمرار العجز لسنوات طويلة قد يدفع الحكومة إلى إصدار سندات جديدة لسداد سندات قديمة، ما يؤدي إلى تراكم الديون وتزايد أعباء خدمة الدين على الموازنة العامة.
خبراء يحذرون من تدوير الديون
التحذير من ما يسمى تدوير الديون كان مترافقاً مع الإعلان عن هذه الخطوة منذ أشهر، فقد قال الخبير الاقتصادي كرم الشعار أن الحديث عن إصدار أدوات دين جديدة يعني استمرار الضغوط المالية والتضخم، وازدياد حالة التقلب في سعر الصرف.
ويتفق معظم الخبراء على أن السندات وحدها لا تكفي لمعالجة جذور المشكلة. لأنه يجب أولاً إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، وتقليل الهدر المالي والإداري، وتحسين أداء المؤسسات العامة، بالإضافة إلى مكافحة التهرب الضريبي وتوسيع القاعدة الضريبية وتحسين التحصيل الضريبي، وإيجاد نوع من الدعم للقطاعات الإنتاجية وأهمها الزراعة والصناعة.
والجدير بالذكر أن وزارة المالية في عهد النظام السابق كانت قد أعلنت عام 2024 عن العمل على إعداد تشريع خاص بالصكوك الإسلامية السيادية، وهي أدوات تمويلية تشبه السندات من حيث الهدف، لكنها تعتمد على صيغ متوافقة مع التمويل الإسلامي.
كما كان مصرفيون وخبراء قد طرحوا هذه الفكرة منذ سنوات باعتبارها إحدى الأدوات التي يمكن أن تساهم في تمويل مشاريع إعادة الإعمار وتحريك عجلة الاستثمار. إلا أن الجدل كان حول كيفية استخدام الأموال الناتجة عنها، وما إذا كانت ستتجه نحو مشاريع تنموية منتجة أم إلى تغطية النفقات الجارية والعجز المالي
في النهاية، لا يمكن القول أن خطوة السندات الحكومية ناجحة مئة في المئة بحد ذاتها، بل يجب أن تكون قائمة على دعائم النجاح التي من ضمنها وجود الثقة، وخطة لاستغلال الأموال العائدة في الإنتاج والاستثمار. وإلا ستكون الحكومة بعد عدة سنوات أمام ديون وفائدة كبيرة.
اقرأ أيضاً: وزارة المالية تمدد مهل تسوية الديون المتعثرة









