السماء التي هجرها العالم… تعود للحياة: 15 ألف رحلة عبر الأجواء السورية خلال شهر!

بقلم: ديانا الصالح
لسنوات طويلة، تعاملت شركات الطيران مع الأجواء السورية، كما لو أنها “مثلث برمودا” الخاص بالملاحة الجوية في منطقة الشرق الأوسط.. مساحة كبيرة على الخرائط، لكن يفضل الجميع الالتفاف حولها مهما كلف الأمر.
اليوم وبعد أكثر من عقد انقلب الوضع تماماً، أكثر من 15 ألف رحلة عبرت الأجواء السورية خلال شهر حزيران الماضي وحده، لتتحول البلاد التي كانت تُستبعد من مسارات الطيران إلى واحدة من الممرات الجوية النشطة.
قفزة غير مسبوقة في حركة العبور الجوي
أظهرت بيانات الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي السورية، عبور 15 ألفاً و620 طائرة فوق الأجواء السورية خلال شهر حزيران الماضي، وذلك بزيادة بلغت 32.4 بالمئة مقارنة بشهر أيار الذي سجل 11 ألفاً و801 رحلة.
وهذا دليل على التحول في تعامل شركات الطيران ونظرتهم إلى المجال الجوي السوري، وذلك بعد سنوات من تجنبه، نتيجة الحرب التي دارت في البلاد والمخاطر التي رافقتها.
أهمية هذه المستجدات تتجاوز أرقام الرحلات الجوية، لكونها تتجسد بشكل رئيسي في طبيعة هذه الرحلات، خاصة أن معظمها هي رحلات ترانزيت دولية، تستخدم الأجواء السورية ضمن مساراتها وهي تنتقل بين أوروبا وآسيا، مما أعاد لسوريا موقعها الاستراتيجي ضمن شبكة الملاحة الجوية في الشرق الأوسط.
الحركة تعود إلى المدارج أيضاً
الانتعاش انعكس على حركة الطائرات التي تعبر الأجواء السورية، إلى جانب حركة التشغيل داخل المطارات المحلية، حيث تشير التقارير إلى ارتفاع مؤشرات العبور الجوي، وذلك بالتزامن مع تحسن النشاط التشغيلي لمطاري دمشق وحلب خلال حزيران الماضية، حيث سجل المطاران 1074 رحلة مجدولة، ضمنها 931 رحلة متتبعة عبر منصات تتبع الطيران.
عقد من الصمت فوق الممر السوري
بداية الغياب السوري عن خرائط شركات الطيران تعود تحديداً إلى عام 2012، حيث بدأت الشركات الدولية بتوجيه مساراتها بعيداً عن سوريا، كلما اتسعت رقعة الحرب وارتفعت المخاطر الأمنية، لكن ذروة هذا الاستبعاد كانت بحلول عامي 2013 – 2014، فقد اختفت رحلات الترانزيت بشكل كبير عن شاشات الرادار.
المجال الجوي السوري لم يغلق رسمياً، لكن شركات الطيران وجدت أن الالتفاف حول سوريا أقل خطراً من المرور فوقها، وبهذا تحولت البلاد من عقدة ملاحة جوية في الشرق الأوسط إلى مساحة شبه فارغة ولسنوات.
دمشق وحلب عودة تدريجية
على مستوى المطارات يبدو أن التعافي كان أكثر وضوحاً في مطار دمشق الدولي، الذي استحوذ على الحصة الأكبر من النشاط الجوي خلال شهر حزيران الماضي، ووفقاً لبيانات منصة تتبع الرحلات “فلايت رادار”، فقد سجل المطار 871 رحلة مجدولة من بينها 731 رحلة يتم تتبعها، مع وجود مؤشرات ملحوظة على تحسن تدريجي في الحركة مع تقدم أيام الشهر.
كما تظهر البيانات أنه كان هناك ارتفاع في عدد الرحلات المجدولة في مطار دمشق، حيث ارتفع هذا العدد من 259 رحلة خلال أول عشرة أيام من حزيران إلى 322 رحلة خلال آخر عشرة أيام.
أما مطار حلب الدولي فقد سجل 203 رحلة مجدولة خلال حزيران من ضمنها 200 رحلة متتبعة، حيث سُجلت زيادة محدودة ومستقرة في حركة التشغيل بنهاية الشهر، فيما ارتفع عدد الرحلات المجدولة من 62 رحلة في أول عشرة أيام إلى 75 رحلة خلال آخر عشرة أيام من الشهر.
قبل الحرب ممر جوي لا غنى عنه
قبل عام 2011 كانت الأجواء السورية تعتبر أحد أهم الشرايين الجوية في الشرق الأوسط، فالموقع الجغرافي يجعلها واحدة من أقصر الممرات الجوية، التي تربط شرق المتوسط مع الخليج العربي وجنوب آسيا.
وعلى الرغم من غياب الإحصاءات الرسمية المنشورة عن حجم حركة العبور في تلك الفترة، إلا أن مسؤولين في قطاع الطيران يؤكدون أن مستويات الترانزيت الحالية، لا تزال أقل من الأرقام التي كانت تسجلها سوريا قبل الحرب، وأن ازدياد حركة المرور يعود إلى شركات الطيران الخليجية، حيث لا تزال وكالة سلامة الطيران الأوروبية توصي شركات الطيران بتجنب التحليق فوق البلاد والمنطقة، كما تتجنب شركات الطيران الآسيوية والأمريكية الشمالية إلى حد كبير المجال الجوي للشرق الأوسط.
رئيس الهيئة العامة للطيران المدني عمر الحصري، كان قد أكد أن “الزيادة في حركة الطيران العابر تعكس بداية تحول حقيقي في كيفية نظر شركات الطيران إلى المجال الجوي السوري، باعتباره مساراً قابلاً للتطبيق وموثوقاً به مرة أخرى ضمن شبكة الحركة الجوية الإقليمية”، مضيفاً: “الهيئة العامة للطيران المدني قامت بتحديث مسارات الطيران، وإعادة تقييم أنماط حركة المرور، وتعزيز أنظمة الملاحة والمراقبة”.
عودة الشركات.. مؤشر الثقة الأوضح
ارتفاع عدد الطائرات فوق الأجواء السورية لا يعتبر المؤشر الوحيد على عودة النشاط الجوي، خاصة أن هذا الارتفاع سبقه عدة مؤشرات، حيث شهد العامان الأخيران عودة تدريجية لشركات الطيران الإقليمية والدولية إلى الأجواء بعد سنوات من الانقطاع.
الخطوط الجوية القطرية كانت أول شركة طيران دولية كبرى تعلن استئناف رحلاتها إلى دمشق، تلتها التركية والأردنية وفلاي دبي والعربية للطيران وطيران ناس وطيران الجزيرة، ثم انضمت إليها شركات أخرى بشكل متتالٍ.
يمكن القول إن هذه العودة المتدرجة تعكس تحسناً في النظرة التشغيلية إلى قطاع الطيران السوري، كما تشكل بالنسبة لخبراء القطاع أحد أهم المؤشرات على استعادة المطارات السورية، جزءاً من حضورها الإقليمي بعد أكثر من عقد من العزلة الجوية.
السماء السورية بين الماضي والمستقبل
لا شكّ أن أهمية الرقم 15 ألف المسجل عن شهر حزيران، تكمن بدلالته الرمزية على عودة سوريّة تدريجية إلى النقل الجوي في المنطقة، لكن الطريق لا يزال طويلاً أمام استعادة الدور الحيوي الذي كانت تلعبه الأجواء السورية قبل عام 2011.
سوريا التي اختفت من خرائط شركات الطيران لسنوات كما تختفي السفن في أساطير مثلث برمودا، قررت السياسة والحرب أن تتجاهل موقعها الجغرافي الهام، الذي يحاول اليوم استعادة مكانته ويسمع العالم ضجيج المحركات في أجوائه، فالسياسة والتحالفات والحدود والمسارات كلها تتبدل بين ليلة وضحاها، ولكن الموقع الجغرافي يبقى الحقيقة الثابتة والراسخة.
اقرأ أيضاً: عودة الطرود البريدية الدولية عبر مطار دمشق: خدمة صغيرة أم إعادة وصل سوريا بالعالم؟









