الساعات الأخيرة لـ «ليرة الأسد».. كيف صنعت المهلة سوقاً للرفض والاستغلال والمضاربة؟
الليرة القديمة تخرج.. والسوق يسبق القرار!

الكاتب: أحمد علي
ينتهي مساء الخميس 30 تموز 2026 حق استخدام الأوراق النقدية السورية القديمة في البيع والشراء وتسوية الالتزامات، لكن السوق سبق الموعد الرسمي بأيام. محال تجارية ووسائل نقل ومقدمو خدمات امتنعوا عن قبول بعض الفئات أو جميعها، بينما ازدحمت مراكز الاستبدال وظهرت وساطة غير رسمية تقتطع جزءاً من قيمة الأوراق مقابل تحويلها سريعاً إلى العملة الجديدة.
أعلن مصرف سوريا المركزي إنجاز استبدال نحو 80% من العملة المتداولة، وهي نسبة تشير إلى تقدم كبير في العملية التي بدأت مطلع العام. غير أن النسبة الوطنية لا توضح أين بقيت الكتلة غير المستبدلة، ولا توزعها بين الأسر والتجار والمحافظات والفئات النقدية. الساعات الأخيرة كشفت أن انتهاء المهلة لم يكن إجراءً حسابياً فقط، فقد تحول التاريخ المحدد إلى عامل يغير سلوك السوق قبل أن تتغير الصفة القانونية للنقود.
الليرة القديمة قبل نهاية المهلة
بدأ استبدال العملة في الأول من كانون الثاني 2026 وفق معيار يعادل كل مئة ليرة قديمة بليرة جديدة واحدة. أصدر المصرف ست فئات جديدة هي 5 و10 و25 و50 و100 و500 ليرة، وبدأت العملية بمهلة مدتها تسعون يوماً قابلة للتمديد، ثم مُددت لاحقاً حتى نهاية تموز. وحددت التعليمات في البداية 59 مؤسسة مالية وأكثر من 1500 فرع معتمد لتنفيذ الاستبدال داخل سوريا.
فرضت القواعد الرسمية تعايش الإصدارين خلال فترة الاستبدال، وألزمت الجهات العامة والخاصة بعرض الأسعار بالعملتين وقبول كلتيهما. كان الهدف أن ينتقل السوق تدريجياً من وحدة حساب امتلأت بالأصفار إلى وحدة أبسط، من دون المساس بالقوة الشرائية أو الحقوق المالية والعقود والديون. كما حمل التغيير بعداً سياسياً واضحاً بسبب خروج الأوراق التي ارتبط بعضها بصور حافظ وبشار الأسد، لكن الأثر المعيشي بقي مرتبطاً بمدى توافر النقد الجديد وسهولة الوصول إليه.
أعطت مهلة التعايش المواطنين وقتاً لتبديل مدخراتهم النقدية، وأتاحت للمصارف سحب الأوراق على مراحل. في المقابل، صنعت نهاية محددة للعملية فارقاً متزايداً بين الورقة القديمة والجديدة كلما اقترب 30 تموز. ظلت الورقتان متساويتين قانونياً، لكن التاجر الذي يتلقى نقداً قديماً في اليوم الأخير يحتاج إلى تمريره فوراً أو الوصول إلى مركز استبدال، وأصبح ينظر إلى قبوله بوصفه مخاطرة زمنية إضافية.
ازدادت هذه المخاطرة عندما رفض الموردون والشركات استلام الأوراق القديمة من تجار التجزئة. ظهرت النتيجة في حمص ودمشق وريفها ومدن أخرى، إذ قلّصت متاجر الفئات التي تقبلها أو انتقلت إلى العملة الجديدة وحدها. امتد الخلاف إلى النقل والجباية والخدمات اليومية، ورفض بعض المواطنين أيضاً استلام الأوراق القديمة كباقٍ من الفواتير، خشية أن تبقى في أيديهم بعد انتهاء المهلة.
لا تعني هذه الممارسات أن العملة فقدت قيمتها قبل الموعد. كانت تتمتع بقوتها الإبرائية حتى نهاية 30 تموز، وكان رفضها يتعارض مع تعليمات التعايش المعلنة. لكن القوة القانونية تحتاج إلى منفذ عملي يستطيع حامل الورقة من خلاله تحويلها من دون كلفة مرتفعة. عندما ضاقت المدة وتفاوتت قدرة المراكز بين المحافظات، بدأ السوق بتسعير صعوبة الاستبدال نفسها.
كيف نشأت سوق الرفض؟
رصدت تقارير ميدانية في 28 و29 تموز توقف محال ومطاعم وصيدليات عن استقبال النقد القديم، كما رصدت قبول بعض التجار له بعد خصم من قيمته. وصل الخصم في دير الزور إلى نحو 10% في حالات نقلتها «عنب بلدي»، بينما تحدث مواطنون في الرقة عن عمولات تبدأ بنحو 2% عند تبديل فئة الخمسة آلاف ليرة وترتفع مع الفئات الأصغر، وقد تصل إلى 10%. هذه النسب ليست سعراً رسمياً، وإنما كلفة فرضتها الوساطة وضيق الوقت.
ظهرت أيضاً فروق في سعر الدولار بحسب نوع الليرة المستخدمة. نقلت تقارير عن سوقين، أحدهما للدفع بالعملة الجديدة والآخر بسعر أعلى عند استخدام القديمة، ما دفع بعض حائزي النقد إلى شراء الدولار بخسارة للتخلص من أوراقهم. لا تكشف المصادر حجم هذه التعاملات أو الجهات التي نفذتها، لذلك لا يمكن تقدير أثرها على سعر الصرف العام، لكنها توضح كيف انتقلت مهلة إدارية إلى مضاربة على قابلية النقد للتصريف.
تفاقمت المشكلة خارج المدن التي تملك شبكة مصرفية أوسع. في الرقة، قال مواطنون إن مركز المدينة كان الوحيد الذي يستقبل المراجعين فعلياً بعد توقف مركزي الطبقة وتل أبيض بسبب نقص العملة الجديدة، من دون تأكيد رسمي لسبب التوقف. استغرقت معاملة أحد التجار ست ساعات، وكان الحد اليومي للاستبدال في المركز عشرة ملايين ليرة قديمة. طول الانتظار وغياب البدائل جعلا العمولة التي يطلبها الصراف غير الرسمي تبدو لبعض المواطنين أقل كلفة من تعطيل يوم كامل أو السفر مرة أخرى.
لم يكن النقص مقتصراً على كمية العملة الجديدة. تحدثت التقارير عن شح فئتي 10 و25 ليرة، وعن عدم انتشار فئة 5 ليرات على نحو يلبّي التعامل اليومي. ظهرت المشكلة في أجور النقل والمشتريات الصغيرة، إذ أصبح دفع السعر الدقيق أو إعادة الباقي أمراً صعباً. لجأ بعض الباعة إلى تقريب الحساب إلى الأعلى أو إعطاء سلعة صغيرة بدلاً من الباقي، ووصل الأمر في سوق صحنايا إلى إعطاء بيضة أو بيضتين مكان الفكة.
هذا النوع من التقريب لا يفسر التضخم العام، لأن الأسعار تتأثر بسعر الصرف والإنتاج والنقل والكتلة النقدية وعوامل أخرى. لكنه يرفع كلفة عدد كبير من المعاملات الصغيرة بصورة متكررة، ويقع أثره بصورة أشد على من ينفق دخله يومياً. كما أنه يغيّر التسعير نفسه، لأن البائع قد يختار سعراً يتوافق مع الفئات الموجودة بدلاً من السعر الناتج عن التكلفة والمنافسة.
توزع الضرر بصورة غير متساوية. الشركات الكبيرة تملك حسابات مصرفية وموظفين وقدرة أكبر على إيداع النقد، بينما يواجه العامل الذي يتقاضى أجره يومياً أو صاحب المدخرات الصغيرة وقتاً أقصر وخيارات أقل. واستفاد الوسطاء الذين يملكون سيولة جديدة أو وصولاً أسرع إلى مراكز الاستبدال من هذا التفاوت، من دون أن يعني ذلك أن كل عملية غير رسمية كانت احتيالاً، فقد أدى بعض الصرافين وظيفة احتاج إليها السوق، لكن السعر حُدد خارج الرقابة وعلى حساب حامل العملة القديمة.
ما بعد 30 تموز
تفقد الأوراق القديمة قوتها الإبرائية اعتباراً من 31 تموز، فلا تعود صالحة للدفع أو لإجراء المعاملات المالية. لا تختفي قيمتها الاسمية مباشرة، إذ تبدأ مرحلة سحب تستمر خمس سنوات، وتُنفذ حصراً عبر مصرف سوريا المركزي في دمشق. يشترط المصرف ألا يقل الطلب عن مئة ورقة نقدية، ثم يحول القيمة بعد التدقيق إلى حساب مصرفي بالليرة الجديدة، من دون عمولات أو رسوم أو ضرائب.
تحمي هذه الآلية قيمة الكميات التي لم تدخل مراكز الاستبدال قبل المهلة، لكنها تضع شروطاً تختلف عن المعاملة اليومية. صاحب عدد محدود من الأوراق قد لا يبلغ الحد الأدنى، والمقيم بعيداً عن دمشق يحتاج إلى تحمل كلفة السفر، كما يحتاج طالب السحب إلى حساب مصرفي يستقبل القيمة. تتحول الورقة في هذه المرحلة من وسيلة دفع فورية إلى مطالبة مالية لا تُسترد إلا بعد إجراء إداري.
يظهر هنا الفرق بين نجاح سحب معظم النقد وبين عدالة الوصول إلى العملية. نسبة 80% لا تكشف مقدار ما يحمله أصحاب المبالغ الصغيرة، ولا عدد الأشخاص الذين لم يتمكنوا من الاستبدال، ولا الفئات المتبقية في كل محافظة. كما لم تنشر بيانات تفصيلية عن الشكاوى المتعلقة برفض العملة قبل موعدها أو حجم الخصومات في السوق غير الرسمية. نشر هذه المعلومات سيتيح تقييم ما إذا كانت المشكلات حالات محدودة أم نتيجة متكررة لتوزيع المراكز والسيولة.
أدى حذف صفرين إلى تبسيط الرواتب والأسعار والحسابات، وساعد المصرف على إعادة تنظيم الدورة النقدية ومعرفة جزء أكبر من الأموال المتداولة خارج القطاع المصرفي. لكنه لم يضف قوة شرائية إلى دخل الأسرة، ولم يعالج وحده أسباب ارتفاع الأسعار أو ضعف الثقة بالمصارف. قدرة العملة الجديدة على أداء وظيفتها اليومية تعتمد على توافر فئات تناسب الأجور والأسعار، وانتشار وسائل دفع بديلة، واستمرار قبولها من دون فروق غير رسمية.
تغلق نهاية 30 تموز مرحلة التعايش بين الإصدارين، لكنها لا تغلق آثارها. المطلوب بعد ذلك هو تأمين الفئات الصغيرة، وتوضيح طريقة التعامل مع الحيازات التي لا تبلغ مئة ورقة، وتوسيع الوصول إلى السحب أو إيجاد ترتيبات للمحافظات البعيدة، مع نشر حصيلة الاستبدال بصورة أكثر تفصيلاً. من دون ذلك سيبقى جزء من كلفة الإصلاح النقدي محمولاً على من وصلوا متأخرين إلى المراكز أو لم يملكوا القدرة على الوصول أصلاً.
أنجز المصرف الجزء الأكبر من عملية الاستبدال وحدد موعداً واضحاً لإنهائها، لكن السوق حوّل الأيام الأخيرة إلى خصم على العملة القديمة قبل سقوط صفتها القانونية. ما حدث يكشف أن المهلة لا تُقاس بطولها وحده، بل بقدرة آخر مواطن على استخدام حقه خلالها. نجاح المرحلة المقبلة سيتحدد بمدى معالجة النقد المتبقي ومنع تحول الانتقال إلى خسارة غير معلنة لأصحاب المبالغ الصغيرة.
اقرأ أيضاً: قرار سحب الليرة التركية في الشمال السوري… إصلاح أم بذرة فوضى؟









