أعمال واستثمار

الساحل السوري: جمال مهدور بين الأمواج والنفايات

بقلم: ريم ريا

على طول الساحل السوري وامتداده، يبدو المشهد وكأنه لوحة من الجمال والخذلان في آنٍ معاً. فزرقة البحر لا تزال آسرة، وأصوات الموج تختزن وتحكي حكايات وأسرار الصيف القديم، لكن خلف هذا الجمال تتوارى وتظهر تفاصيل موجعة، أرصفة متآكلة، شواطئ هجرتها الحياة، ومنشآت مهدمة، وتلال من النفايات.

في اللاذقية، يقف شاطئ الرمل الجنوبي مثالاً صارخاً على هذه المفارقة، شاطئ رملي فريد كان يمكن أن يشكل جوهرة السياحة السورية، لكنه ورغم محاولات الإصلاح، يتحول من وقت إلى آخر إلى مكبّ للنفايات وربما مأوى للمشردين.

تمتد الشواطئ المنسية التي تختزل قصة قطاعٍ كان واعداً يوماً ما، قبل أن يبتلعه الإهمال وتتقاذفه ظروف الحرب وسوء الإدارة، وسط مدينة كل ما فيها يعشق الحياة. على تخوم بحر اللاذقية، جوهرة الساحل السوري، ليست الحرب وحدها التي سرقت بهجة السياحة، بل شيء يوازيها إيلاماً، إنه عجز التخطيط، وغياب رؤية مستدامة قادرة على صون هذا الإرث الطبيعي المميز. ليبقى السؤال مطروحاً وطنياً قبل أن يكون محلياً، هل فقدت السياحة الساحلية في سوريا روحها بفعل الحرب فقط، أم أننا خسرنا قبلها فنّ إدارة الجمال؟

سياحة الساحل السوري من قمة الازدهار إلى قاع الإهمال

لا شيء يبرز تقلبات السياحة في سوريا أكثر من الساحل السوري، فخلال العقدين الأخيرين، وقبل الأزمة السورية كان الساحل أحد أهم المقاصد السياحية في الشرق الأوسط وليس فقط في سوريا، ليشهد لاحقاً تراجعاً حاداً في الحركة والإنفاق والاستثمار نتيجة الحرب والأزمات المتلاحقة.

فحتى عام 2010، كانت محافظتا اللاذقية وطرطوس تمثلان الوجه البحري الأبرز للسياحة السورية، إذ استقبلت سوريا آنذاك نحو 10.9 ملايين زائر، معظمهم كانوا يتجهون نحو شواطئ “وادي قنديل، مشتى الحلو، بانياس، ورأس البسيط”. وكانت اللاذقية تحديداً الوجهة الأولى للسياحة الداخلية والخارجية بفضل منشآتها العريقة مثل “أوغاريت” و”روتانا أفاميا” و”الشاطئ الأزرق”، إضافةً إلى عشرات الفنادق والمطاعم والمسابح التي كانت تعمل بطاقة شبه كاملة.

لكن بعد عام 2011 واندلاع الأحداث السورية، انقلب المشهد رأساً على عقب. فالأزمة الأمنية والاقتصادية، ومعها الإهمال الإداري، وضعف التنسيق بين البلديات ووزارة السياحة، أدّت إلى تدهور متواصل في القطاع، تحديداً في محافظة اللاذقية التي فقدت موقعها الريادي لصالح طرطوس، التي حظيت باهتمام حكومي واستثماري أكبر، ما جعلها تسرق الأضواء بشكل تدريجي وباتت هي القبلة السياحية للساحل السوري، وتشهد إقبالاً سياحياً خارجياً من قبل اللبنانيين بكثرة.
ضعف التمويل والبنية التحتية في مدينة اللاذقية التي لطالما كانت مدينة منسية من ناحية الخدمات لاسيما الكهرباء والمياه والطرقات ساهم في هجرة المستثمرين، بينما كانت طرطوس تشهد تطويراً في منشآتها وشواطئها، ما جعلها المقصد الأول للسياحة الساحلية في سوريا اليوم.

يضم الساحل السوري اليوم أكثر من 100 منشأة سياحية في اللاذقية وحدها، بينها منتجعات خمس نجوم مثل “لاميرا” و”لاوديسيا” و”غولدن بيتش”. كما يوجد في عموم الساحل نحو 32 منتجعاً خاصاً بطاقة استيعابية تبلغ 7000 سرير فقط، منها أربعة من سوية خمس نجوم.

كما أن عدداً من المشاريع الكبرى مثل “الديار القطرية” و”جول جمال” السياحي في عام 2016، حسب المسؤولين وقتها أن التوقف أو الإلغاء كان بسبب التعثر المالي وسوء الإدارة. فعام 2016 كان مؤشراً واضحاً على الانحدار، إذ شهد الساحل إغلاق عشرات المنشآت بسبب غياب الخدمات الأساسية وارتفاع تكاليف التشغيل.

مع ذلك، لم تتخذ الجهات المعنية خطوات فعالة لمعالجة الخلل في التنسيق بين الوزارات والبلديات، فاستمرّ التدهور حتى عام 2022، الذي يُعد الأسوأ على الإطلاق منذ عام 2011.

فبحسب أصحاب “الشاليهات” في وادي قنديل ورأس البسيط، لم تتجاوز نسبة الحجوزات 10%، مقابل تراجع وصل إلى 90% في إشغال المنشآت مقارنة بالمواسم السابقة. وأرجع المستثمرون السبب إلى انقطاع الكهرباء والمياه ونقص المحروقات وأزمة النقل، فضلًا عن التدهور الأمني الذي ولّد خوفاً لدى الزوار.

فالطريق ما يزال طويلاً أمام استعادة الساحل السوري لمكانته القديمة وتحديداً اللاذقية كلؤلؤة البحر الأبيض المتوسط، بعد أن تحولت من رمزٍ للرفاه السياحي إلى شاهد على تراجع حاد بسبب الإهمال، وغياب الرؤية الاستثمارية، وفقدان الثقة بين السائح والجهات المنظمة.

اقرأ أيضاً: مداهمة في شاطئ اللاذقية تنتهي بالضرب والإهانات… والضحايا يطالبون بالمحاسبة لا الانتقام

شاطئ الرمل الجنوبي نموذجاً للإهمال

يقع شاطئ الرمل الجنوبي في جنوب مدينة اللاذقية، ضمن منطقة تُعرف باسم “الرمل الجنوبي أو الرمل الفلسطيني” والتي تضم أحياءً سكنية كثيفة. يمكن الوصول إليه بسهولة من مركز المدينة، حيث يمتد الشاطئ على طول الساحل الجنوبي للمدينة.

لطالما عانى شاطئ الرمل الجنوبي من إهمال واضح خلال السنوات الماضية، إذ تحول إلى منطقة شبه مهملة، على الرغم من أهميته الاجتماعية والسياحية. واليوم تسعى البلدية إلى تغيير هذه الصورة من خلال خطة عمل تدريجية تستهدف تنظيف الشاطئ، وتوفير بيئة صحية وجاذبة، تمهيداً لأن يكون وجهة سياحية لائقة لأهالي اللاذقية والسائحين من الخارج. إليكم صورة تظهر وضع الشاطئ المهمل قبل عمليات الإصلاح الحالية:

شاطئ الرمل الجنوبي

وكيف كان الرمل سابقاً:

يعتبر شاطئ الرمال الجنوبي من أجمل المواقع الساحلية في المدينة، يقول أحد أبناء المنطقة، إن الشاطئ الذي كان يوماً مقصد الأهالي والمصطافين، بات مليئاً بالمخلفات والنفايات، وقد تغيّر لون مياهه نتيجة تصريف الصرف الصحي مباشرة إلى البحر. ويضيف أن الروائح الكريهة طغت على المكان، فيما غابت الجهات المعنية عن أداء واجبها في تنظيف الشاطئ أو تأهيله، رغم أهميته الجغرافية والسياحية، والإهمال طال شاطئ الرمل كما طال الحي نفسه.

ليؤكد الكلام رجل خمسيني من سكان الحي، ويتحدث بحرقة عن البحر الذي اعتاد زيارته منذ صغره للترويح عن نفسه، لكنه بات يزداد حزناً كلما شاهد منظر التلوث المتزايد. يقول إن الشاطئ فقد لونه الطبيعي ورائحته الجميلة، متسائلاً عن سبب تأخر إنجاز محطات المعالجة التي طال انتظارها.

في المقابل، يحذر الخبراء في المعهد العالي للبحوث البحرية بجامعة تشرين من خطر امتداد التلوث، مشيرين إلى أنه يهدد التنوع البيولوجي في البحر، ويسبب اضطرابات في الأحياء البحرية نتيجة تراكم الملوثات. كما ينبّه التقرير إلى مخاطر صحية محتملة على الإنسان، كارتفاع نسب الأمراض المناعية والطفرات الوراثية عند استمرار الوضع دون معالجة جذرية. ليس شاطئ الرمل الجنوبي وحده المنسي فهناك شواطئ أخرى غير مستثمرة بشكل جيد كشاطئ الشراع الأبيض بمنطقة إم الطيور في ريف اللاذقية.

اقرأ أيضاً: أجمل مناطق السياحة الجبلية في سوريا

الخسارة الاقتصادية والسياحية لعدم الاستثمار

يشهد الساحل السوري مع شواطئه، تراجعاً واضحاً في الاستثمارات السياحية والخدمية بفعل عوامل متعددة منها التلوث والإهمال وغياب البنية التحتية، ما أدى إلى خسائر اقتصادية مباشرة وغير مباشرة. وهناك مؤشرات أن ضعف الاستثمار البيئي والخدماتي أدى إلى تراجع ثقة الزوار والمستثمرين بالبيئة الساحلية. ويؤكد على ذلك خبير اقتصادي أن البلاد اليوم “تخسر ملايين الدولارات بهذه القرارات التي تقيّد القطاع السياحي”، مشيراً إلى أن السياحة قادرة على خلق فرص عمل واسعة في مختلف المحافظات وليس فقط في الساحل.

ويضيف أن “الأجدى بوزارة السياحة أن تدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، لا أن تصدر قرارات تحد من الحريات” في إشارة منه إلى قرارات ضبط اللباس على الشواطئ العامة مؤخراً.

من جهته، يوضح صاحب أحد المنتجعات السياحية في اللاذقية أن “الدولة تفقد اليوم مصدراً رئيسياً للدخل، وتفوّت فرصة لتحريك العجلة الاقتصادية”، مشيراً إلى أن “غياب الأمن في الساحل، وكثرة حوادث القتل والخطف، تدفع المستثمرين للعزوف عن أي مشروع جديد”، مضيفاً: “إذا أردت الاستثمار، فعليك أولاً باستعادة الأمان”.

في ذات السياق، هناك دول مجاورة نجحت في السياحة الساحلية كتركيا ولبنان وقبرص، إذ عملت على إعادة تأهيل شواطئها الملوثة، مما حقق قفزة في عائداتها السياحية، بينما لا يزال الساحل السوري أسير الإهمال، مما أدى إلى تآكل الصورة الذهنية للسياحة الوطنية. وبينما كان السوريون قبل الحرب يتجهون إلى مرسين وأنطاكيا بسبب تكاليف السياحة المناسبة، لأننا اليوم بأمس الحاجة إلى رؤية جديدة تعيد الثقة والازدهار إلى البحر السوري.

اقرأ أيضاً: سكن مستحيل: لماذا تحولت إيجارات اللاذقية إلى رفاهية؟

أصوات الخبراء والجهات المسؤولة

تسعى مجالس المدن والبلديات ووزارة السياحة إلى معالجة الإهمال في الشواطئ وتطويرها ضمن الإمكانيات المتاحة. في ضوء ذلك أعد مجلس مدينة طرطوس خطة لتطوير شاطئ منطقة الأحلام، تقع منطقة الأحلام السياحية جنوب مدينة طرطوس، ممتدة على طول شاطئ البحر الرملي مباشرة مقابل جزيرة أرواد، حدّها الشرقي طريق عام يصلها بالكورنيش البحري شمالاً وحتى مخيم عمريت السياحي جنوباً بطول 3 كم وتمتد على مساحة 8 آلاف م2 وتضم حوالي 400 شاليه بحري. وعن خطة مجلس مدينة طرطوس لاستثمار هذه المساحة الشاسعة المطلة على البحر مباشرة والتي تتميز بأفضل المواصفات من حيث المساحة والقرب من المدينة وتوفر الطرقات والأرصفة وغيرها من البنى التحتية.

بيّن رئيس الوحدات الإدارية بطرطوس “عبد الفتاح الخطيب” أنه يتم حالياً وضع خطط لاستثمارها وفق عدة سيناريوهات للحل، بالتنسيق مع السياحة والمحافظة، ويجري الإعداد لورشة عمل حول رؤية محافظة طرطوس للاستثمار وستكون نتائج هذه الورشة الأساس لأي مشروع استثماري وأحدها منطقة الأحلام. وأشار الخطيب إلى أنه سيتم طرح أي موقع قابل للاستثمار، وبالتالي تعدّ هذه المنطقة من المواقع المستهدفة، حيث التوجه العام نحو استغلال أي شبر وموقع يمكن استثماره وبأقصى سرعة ، ولاسيما أن شاطئ الأحلام يتميز بمقومات كثيرة ومن المؤكد هو هدف سياحي مهم.

كذلك تسعى بلدية اللاذقية من خلال هذه الجهود إلى إحياء شاطئ الرمل الجنوبي ليكون واجهة حضارية للمدينة، ومتنفساً آمناً وجميلاً للعائلات، مع توفير وصول أفضل عبر شبكة طرقات منظمة. ويأمل المواطنون أن تستمر هذه المشاريع ضمن خطة شاملة لإعادة بريق اللاذقية، وتعزيز مكانتها كوجهة سياحية بارزة على الساحل السوري.

الساحل السوري يحتاج إلى خطة تنمية مستدامة للنهوض بكل مقوماته والاستفادة منها، وهذا ما طرحه المهندس خالد سلو  من خلال ورقة بحثية حول التنمية المستدامة للساحل السوري، وهي غنية بالشرح المفصل والاقتراحات التنموية، سنعرض منها طرحه اعتماد مبدأ التنمية على طول المحاور التي تناولتها الدراسة واقترحت لها مشاريع تنمية تناسبها، وهي المحور السياحي الأول: طريق اللاذقية – كسب – تركيا يعتبر هذا المشروع المحور الورقة محور سياحي تنموي مستدام تقوم تنميته على حماية المصادر الطبيعية والبيئية وتخديمها سياحياً، ولعل التنمية النقطية فيه يجب أن تتم على طول المحور وأهم مشروع فيه هو مشروع وادي قنديل.

المحور الثاني طريق اللاذقية – صلنفة يحوي على المحميات الطبيعية والمناظر الخلابة وقلعة صلاح الدين الأثرية وتنميه هذا المحور تعتمد على حماية البيئة الأثرية وتخديمها سياحياً ضمن إطار التنمية المستدامة ومن أهم المقترحات المقدمة إدارة موقع قلعة صلاح الدين ووضع برنامج لذلك يشمل خدمة مختلف العائلات.

المحور الثالث طريق اللاذقية – القرداحة يتميز بسلسلة الجبال الحاضنة له والمطل من خلالها على الغاب ووجود الأماكن الأثرية فيه مثل قلعة المهالبة وقلعة بني قحطان، وسدود، كسد السفرقية، ومن أهم المشاريع هو الاهتمام بسد السفرقية عبر برنامج سياحي لجملة مطاعم شعبية موزعة سوف ينعكس تشغيلها على السوق المحلية، إلى جانب الإدارة الكاملة لبحيرة مشقيتا عبر برنامج سياحي يشمل بناء قرية مائية وبطرح مشروع تلفريك سياحي للربط الشامل بين التلال. إضافةً إلى الاهتمام بالمرور وزمن الوصول والطرق وغيرها من اللوازم  للنهوض بالسياحة الساحلية والشواطئ المنسية في عموم الساحل السوري.

بالمحصلة، السياحة الساحلية لا تفيد الساحل فقط بل تغني سوريا كلها، وهذا الساحل ليس لأهله فقط بل لعموم أبناء سورية، فخدمته تعني تخديم الواجهة البحرية للبلاد، ما سينعش السياحة الداخلية والخارجية والاقتصاد المحلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى