الزراعة البعلية في سوريا تحت سطوة الجفاف

الزراعة البعلية في سوريا شهدت تراجعاً في الموسم الحالي، بعد أن سجلت الهطولات المطرية أدنى مستوياتها منذ عقود، حسب نشرة المديرية العامة للأرصاد الجوية السورية في 2 من أيار الماضي.
بلغت مساحة الأراضي الزراعية البعلية في سوريا عام 2013، 3.3 مليون هكتار، المساحة الكبرى منها للشعير والقمح البعلي بمليوني هكتار، تليها محاصيل العدس والحمص والفول بـ200,000 هكتار، بحسب الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية.
أما إنتاج الحبوب، قد بلغ في عام 2024 نحو 3.4 مليون طن، بحسب ما نشرته منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، أي أقل بنسبة 13% من متوسط الخمس سنوات الماضية، وبنحو 33% من متوسط إنتاج ما قبل عام 2011.
ويرجع ذلك إلى سوء توزيع الأمطار خلال الموسم، وارتفاع درجات الحرارة خلال فترة النمو في نيسان وأيار 2024، وارتفاع أسعار المدخلات الأساسية، ومن المتوقع أن يكون إنتاج الحبوب في سوريا بالموسم الحالي أقل من متوسط إنتاج السنوات الماضية جميعها وفقاً لما صرحت به منظمة “الفاو”، على إثر ذلك اضطر المزارعون لبيع محاصيل القمح البعلية لمربي المواشي لتعويض بعض خسائرهم.
وقال المزارع في حمص “غياث الآغا” لوسائل إعلامية، واصفاً الواقع: إن خسارة الدونم الواحد بلغت 370,000 ليرة بعد أن “ضمّنها” لمربي المواشي بـ30,000 ليرة للدونم الذي كلفه 400,000 ليرة بين أجور البذار والحراثة والمبيدات.
لكن بعض المزارعين لم يستطيعوا “تضمين” محاصيلهم بسبب ضعف النمو. ووفقاً لما صرّح به المدير السابق للإنتاج العضوي ومدير نظام الإنذار المبكر عن الجفاف، “محمد بحري”، فإن نمو المحاصيل البعلية هذا الموسم ضعيف جداً في أغلب المحافظات، ولا يمكن حتى تضمينه أو الاستفادة منه.
وفي ظل الواقع المرير للزراعة البعلية كشف المهندس الزراعي وخبير فيزيولوجيا النبات وتأثيرات المناخ أنس رحمون، إنه في مناطق الاستقرار الثانية والثالثة والرابعة، إما دخلت المحاصيل البعلية بنسبة 25% من الإنتاج، وإما خرجت من الإنتاج بشكل كامل، على سبيل سراقب وريف حلب الجنوبي ومعرة النعمان وخان شيخون وريف حماة الشمالي، كل محاصيلها البعلية خرجت من الإنتاج، والقمح البعلي الذي يشكّل 30% من قمح سوريا فقد خرج من الإنتاج بالكامل.
الجفاف يضعف خصوبة التربة، خاصة في المناطق التي تعتمد على الأمطار كمصدر رئيس للرطوبة، وهذه الخصوبة قائمة على التوازن الدقيق بين الخصائص الفيزيائية والكيماوية والحيوية للتربة، وهو توازن لا يمكن أن يتحقق دون وجود الماء.
وأفاد المهندس الزراعي “خالد الكنج” لوسائل إعلام: “غياب الأمطار سيؤدي إلى مجموعة من الآثار، تبدأ من تعرية الطبقة السطحية الغنية بالمغذيات، وارتفاع معدلات التبخر، وفقدان المادة العضوية التي تعد كنزاً بالنسبة للتربة”.
اقرأ أيضاً: الجفاف يهدد الزراعة والأمن الغذائي.. كيف نواجه كوارث الطبيعة؟!
لافتاً إلى أن التعرية هي “الخطر الأكبر” على التربة، بفعل ما تسببه من فقدان للطبقة السطحية التي يُبنى عليها النظام الزراعي بأكمله. والخطورة في هذا الفقد تكمن في أن تشكل هذه السنتمترات البسيطة العلوية في التربة يحتاج إلى مئات السنوات وعمليات معقدة جداً من التحلل والتجوية”.
على إثر ذلك بدأ الفلاحون بالاعتماد على منظومات الري العاملة بالطاقة الشمسية، عبر ألواح شمسية ضخمة موصولة برافعات جهد متخصصة تدعى “رافعات جهد زراعية” ذلك لتشغيل غطاسات تغذي الأراضي الزراعية الكبيرة، وتوفّر مصدر ري دائم لمساحات تصل إلى 500 دونم كما في قرية المختارية بريف حمص، ولقرابة 1500 دونم في بعض مناطق إدلب.
وضمن الخطط لموضوعه لمواجهة الجفاف الذي يضرب الزراعة البعلية، قال مدير إدارة الاقتصاد والتخطيط في المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة (أكساد)، أيهم الحمصي، إن “أكساد” يتبنى استراتيجية طويلة الأمد لمواجهة الجفاف، بحيث يتم استنباط أصناف محسّنة من القمح القاسي والطري والشعير والذرة البيضاء، قادرة على التحمل العالي للظروف المناخية القاسية، مع توفير احتياطي وراثي متنوع يضم أكثر من 50 تركيباً وراثياً عالي الغلة ومتحملًا للجفاف، يمكن الاعتماد عليه في سوريا والدول العربية.
في حين وقعت وزارة الزراعة السورية اتفاقية مع برنامج الأغذية العالمي (WFP)، في 3 من تموز، لدعم المزارعين المتضررين من الجفاف في سوريا، هدفها تقديم دعم موجه إلى المجتمعات الزراعية المتأثرة بالجفاف، وحماية سبل العيش في المناطق الريفية، وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على الصمود، كما نصّت الاتفاقية على تنفيذ تدخلين متكاملين يستهدفان نحو 33,000 مزارع، بناء على تقييم الاحتياجات والقدرة التشغيلية.
يشمل التدخل الأول دعم مالي زراعي للمزارعين المتضررين من الجفاف في محافظات الحسكة، وحلب، وإدلب، وحماة، وحمص، ودرعا، ويُقدَّم على مدى دورتين إلى ثلاث، تبعاً لحدة الجفاف وهشاشة أوضاع الأسر المتضررة، أما التدخل الثاني يتضمن توزيع حصص غذائية شهرية حتى نهاية كانون الأول للمزارعين المتضررين في الرقة ودير الزور، لتلبية احتياجاتهم الغذائية وتخفيف آثار خسارة محاصيلهم، بحسب “سانا”.
ويوصي محمد بحري مدير الإنذار المبكر سابقاً، أنه على المدى الطويل لا بد من إعادة تفعيل مشاريع حصاد المياه وتقديم القروض لتبني طرق الري الحديثة وضمان استخدامها بالكفاءة المطلوبة وكذلك إعادة تفعيل مشروع الاستمطار، واعتماد محاصيل اقتصادية بديلة ذات احتياجات مائية قليلة.
اقرأ أيضاً: الجفاف يضرب محصول التين في حماة، ومطالبات بالتعويض









