المجتمع السوري

الرقة وسباق الزمن.. هل تنجح خطة تعويض الفاقد التعليمي؟

بقلم: ريم ريّا

بعد سنوات من الحرب والانقسامات الإدارية التي أثرت بشدة على التعليم في محافظة الرقة، عادت مشكلة التسرب الدراسي إلى الظهور مع إطلاق برامج دعم ودروس تقوية تستهدف آلاف الطلاب الذين وجدوا أنفسهم خارج النظام التعليمي الرسمي أو انتقلوا بين مناهج وأنظمة تعليمية مختلفة في السنوات الأخيرة. بالنسبة للعديد من الطلاب، لا يقتصر البرنامج على الدروس الإضافية فحسب، بل هو أيضاً محاولة لتعويض سنوات دراسية ضائعة بسبب الظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة، وفرصة للعودة إلى الامتحانات الرسمية بعد تراكم فجوات في المواد الأساسية.

ومع ذلك، فإن السؤال الذي يشغل بال الجميع، هل هذه الإجراءات وحدها كافية لتعويض ما فقده الطلاب خلال سنوات الانقطاع؟ أم أن معالجة آثار هذه الفترة تتطلب برنامجاً أطول وأكثر شمولاً؟

الفشل الدراسي… سنوات لا يمكن تعويضها في بضعة أشهر فقط

يواجه عدد كبير من الطلاب في الرقة تحدياً يتجاوز مجرد ضعف الأداء في مادة أو مادتين. يعني الفشل الدراسي التراكمي فقدان المهارات الأساسية في القراءة والرياضيات والعلوم واللغات، وهي مهارات تبنى تدريجياً على مدار سنوات الدراسة. خلال السنوات القليلة الماضية، تأثر قطاع التعليم في المحافظة بعوامل عديدة، منها إغلاق المدارس، ونقص الكوادر، وتغييرات المناهج الدراسية من قِبل الجهات الرقابية، والتسرب القسري لبعض الطلاب بسبب ظروف اقتصادية أو أمنية.

وقد أدى هذا الواقع إلى عودة بعض الطلاب إلى المدارس مع وجود فجوة بين مستواهم الحالي ومتطلبات المنهج الرسمي. وهذا يُعقّد مهمة المعلمين، إذ لا يقتصر دورهم على شرح المواد الجديدة، بل يبدأ أحياناً بإعادة بناء الأسس التعليمية التي فقدها الطلاب.

يستهدف برنامج تعويض الفاقد التعليمي في الرقة طلاب برامج التعليم الأساسي (التاسع) وشهادة الثانوية العامة بفرعيها (العلمي والأدبي). وتشمل المرحلة الأولى 2880 طالباً، ومن المقرر تنفيذ مرحلة ثانية بنفس العدد، ليصل إجمالي عدد الطلاب المستفيدين إلى 5760 طالباً في الرقة والطبقة. وينفذ البرنامج في 12 مدرسة، حيث تخصص فصول دراسية لطلاب الصف التاسع وطلاب المرحلة الثانوية. وقد تم اختيار معلمين ذوي خبرة وتدريبهم على أساليب التعلم النشط وتقنيات التقييم.

يرى المعلمون أن أهمية هذه المبادرة لا تكمن فقط في توفير فصول دراسية إضافية، بل أيضاً في إعادة ربط الطلاب بالمدرسة وتعزيز ثقتهم بقدرتهم على مواصلة تعليمهم بعد سنوات من الانقطاع.

اقرأ أيضاً: إعادة بناء التعليم في شرق سوريا: آلاف المدارس تعود للحياة

تعويض الفاقد التعليمي.. هل الإجراءات الحالية كافية؟

على الرغم من أهمية برنامج تعويض الفاقد التعليمي، إلا أن حجم المشكلة يجعل من الصعب اختزال الحل في دورات مؤقتة أو مكثفة. إذ يحتاج الطلاب الذين انقطعوا عن الدراسة لسنوات إلى مناهج مختلفة تراعي الفروق الفردية بينهم. فطالب الصف التاسع الذي انقطع عن الدراسة لسنوات لا يحتاج بالضرورة إلى منهج مكثف، بل إلى تقييم لمستواه لتحديد نقاط ضعفه، ومن ثم وضع برنامج تعليمي مصمم خصيصًا لتلبية احتياجاته. كما يعتمد نجاح أي برنامج لتعويض الفاقد التعليمي على عدة عوامل، أهمها توفر مدارس مجهزة تجهيزاً جيداً، وكادر تدريسي دائم، وتوفير الكتب والمواد التعليمية، وتقديم الدعم اللاحق للطلاب بعد انتهاء البرنامج لمنعهم من العودة إلى فجوة التعلم.

في هذه المرحلة، يتحمل المعلمون مسؤولية أكبر من المعتاد. فهم لا يتعاملون فقط مع طلاب بحاجة إلى المعرفة، بل مع جيل عانى من تجارب صعبة أثرت على علاقته بالتعليم. ويحتاج المعلمون إلى أدوات تعليمية تساعدهم على معالجة الفروقات الكبيرة في مستويات الطلاب، واستخدام أساليب تدريس مرنة تسد الفجوة بين من واصلوا تعليمهم ومن انقطعوا عنه. كما يصبح تقديم الدعم النفسي للطلاب جزءاً أساسياً من العملية التعليمية، لا سيما لمن عانوا من سنوات من عدم الاستقرار، وشعروا باليأس أو فقدوا الحافز للعودة إلى المدرسة.

التعليم.. بين إعادة بناء المدارس وإعادة بناء المستقبل

لا تقتصر أزمة التعليم في الرقة على المناهج الدراسية والامتحانات فحسب، بل هي جزء لا يتجزأ من عملية إعادة بناء المجتمع بأكمله بعد سنوات من الاضطرابات. إن عودة كل طالب إلى مقاعد الدراسة محاولة لاستعادة جزء من مستقبل جيل كامل. يرى المراقبون أن برامج تعويض ما فات من التعليم خطوة ضرورية، لكن يجب أن تتطور من مبادرات مؤقتة إلى سياسة تعليمية مستدامة تشمل جميع مستويات التعليم وتعالج آثار الاضطراب، لا مجرد التحضير للامتحانات.

في الحقيقة، المعادلة واضحة.. تعويض ما فقده الطلاب اليوم يعني تقليل الخسائر غداً، والتهاون أو السماح باتساع الفجوة التعليمية سيؤدي حتماً إلى زيادة صعوبة الإصلاح، لأن التعليم، كالبناء، يصبح أكثر تكلفة وتعقيداً في إعادة بنائه إذا تأخرت أسسه.

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى