الرقابة التموينية على الأسواق: هل تكفي لرصد المواد الفاسدة؟

بقلم هلا يوسف
تعد سلامة الغذاء من المواضيع التي تشغل الدول العالمية لما فيها من حساسية كبيرة متعلقة بسلامة المواطنين. ولا سيما عندما يتعلق بالمواد الغذائية الحساسة كأغذية الرضع. ومن هنا تظهر قضية المواد الغذائية منتهية الصلاحية كقضية صحية واقتصادية ومسؤولية كبيرة تقع على عاتق الجهات الرقابية والمنتجين.
ففي السابع من كانون الثاني 2026، أعلنت شركة نستله عن سحب طوعي واحترازي لبعض دفعات حليب الأطفال (NAN) و (26-S) و (ALFAMINO) في عدد من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نتيجة احتمال وجود آثار لمادة cerealide في أحد مدخلات الإنتاج من مورد خارجي. هذا الإعلان، ورغم كونه إجراء احترازياً أعاد فتح النقاش حول مدى أمان المنتجات الغذائية المتداولة في الأسواق، ومدى جاهزية الدول للتعامل مع مثل هذه الحالات.
وقد سارعت وزارة الصحة السورية إلى إصدار تنويه رسمي أكدت فيه أن سوريا ليست ضمن الدول المشمولة بالسحب الطوعي، إلا أنها شددت في الوقت ذاته على تعاملها مع أي إشعار يخص سلامة أغذية الرضع بأقصى درجات الجدية، من خلال المتابعة المستمرة والتنسيق مع الجهات المعنية، إضافة إلى جاهزيتها لسحب أي كميات يثبت دخولها ضمن الدفعات المتأثرة إن وجدت. كما دعت المواطنين إلى التحقق من أرقام التشغيلات ومراجعة المراكز الصحية فوراً في حال ظهور أي أعراض مقلقة لدى الأطفال.
هذا الموقف الرسمي يطرح تساؤلاً مشروعاً: إذا كانت سوريا خارج نطاق السحب، فإلى أي مدى يمكن الاطمئنان إلى سلامة الغذاء في الأسواق المحلية عموماً؟
للإجابة عن هذا التساؤل تكشف تقارير مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في دمشق عن واقع رقابي مزدحم بالتحديات. فخلال عام واحد تم تنظيم 5952 ضبطاً عدلياً، منها 509 ضبوط تتعلق بسلامة الغذاء، و 117 ضبطاً لمواد منتهية الصلاحية، إضافة إلى ضبوط تتعلق بالغش والتدليس ومخالفات اللحوم الحمراء والبيضاء.
وتظهر نتائج تحليل العينات الغذائية أن نسبة المخالفة بلغت %32.5، وهي نسبة مرتفعة تعكس حجم الخلل في الالتزام بالمواصفات الصحية، مقابل 20.4% نسبة مخالفة في العينات غير الغذائية. كما سجلت مئات الضبوط التموينية في الأفران والمخابز، ما يؤكد أن المخالفات لا تقتصر على سلعة أو قطاع واحد.
رقابة يومية… لكنها غير كافية
ورغم الجولات اليومية وسحب أكثر من 10 إلى 15 عينة يومياً من أسواق دمشق، يعترف مسؤولو التجارة الداخلية بأن التحدي الأكبر يتمثل في نقص أعداد المراقبين والخبرات مقارنة باتساع رقعة الأسواق وتنوع المواد المعروضة.
حيث يؤكدون أن الدوريات الرقابية تعمل بشكل يومي، وأن عشرات العينات يتم سحبها باستمرار لتحليلها في مخابر معتمدة، مع تنظيم ضبوط بحق المخالفين واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
إلا أن الواقع العملي يكشف عن نقص واضح في عدد المراقبين والخبرات الفنية، ما يجعل من الصعب تغطية جميع الأسواق والمناطق، خاصة في ظل تنوع المواد الغذائية وتزايد أساليب التحايل.
أساليب غش متنوعة في المواد الغذائية.. والضحية المستهلك
لم يعد الغش الغذائي مقتصراً على بيع مواد منتهية الصلاحية فقط، بل تطور ليأخذ أشكالاً أكثر تعقيداً وخطورة. فبعض المنتجين يلجؤون إلى خلط زيوت رخيصة بزيت الزيتون وطرحها على أنها منتجات بلدية، أو استبدال المكسرات بمكونات أقل كلفة مثل البازيلاء في صناعة الحلويات لإعطائها اللون.
وتشير شهادات من مختصين في حماية المستهلك إلى ممارسات صادمة، مثل استخدام مواد صبغة صناعية غير مخصصة للغذاء لتحسين المظهر، أو التلاعب بمعلومات المنشأ وتاريخ الإنتاج في المعلبات المستوردة والمهربة كالسردين الصيني.
ومع تطور الصناعات الكيميائية، أصبح من الصعب كشف هذا النوع من الغش دون تحاليل مخبرية دقيقة، الأمر الذي يضاعف من التحديات أمام الأجهزة الرقابية المحدودة الإمكانات.
في هذا السياق، تؤكد اختصاصية التغذية د. صفاء منجد أحمد أن ضعف الثقافة الغذائية لدى المستهلك يشكل عاملاً أساسياً في تفاقم المشكلة. فالكثير من الناس يقبلون على شراء المواد الغذائية بدافع التقليد أو الإغراء البصري، دون التحقق من القيمة الغذائية أو السلامة الصحية.
وتحذر من أن هذه السلوكيات، خاصة لدى الأطفال والطلاب، تسهم في انتشار أمراض موسمية ومزمنة، مثل فقر الدم، واضطرابات الجهاز الهضمي، وضعف المناعة، إضافة إلى أمراض أكثر خطورة على المدى البعيد.
وترى أن نشر الوعي الغذائي يجب أن يبدأ من الأسرة، ويمتد إلى المدارس والجامعات، عبر تعليم الأجيال كيفية قراءة البطاقة الغذائية، وفهم الرموز الصحية، ومعرفة طرق الحفظ والطهي السليمة، والتمييز بين الغذاء الآمن والضار.
وعلى الرغم من التنبيهات العالمية والجهود المحلية المبذولة عبر الجهات الرقابية والتموينية، يبقى موضوع المواد الغذائية منتهية الصلاحية مشكلة ذات أوجه متعددة في سوريا. حيث يعتمد نجاح الجهود المحلية على تكاتف عمل وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك من جهة، والتوعية المجتمعية من جهة أخرى.
اقرأ أيضاً: الأسواق في سوريا فوضى تتطلب رقابة.. فمن يحدد الأسعار؟









