الرصيف الرابع في مرفأ طرطوس.. خطوة لتعزيز شريان التجارة البحرية السورية

بقلم: ريم ريّا
في محافظة طرطوس لا يعد الحديث الدائر عن الميناء البحري والرصيف الرابع فيه مجرد مسألة هندسية أو مجرد منشأة خرسانية تمتد داخل الميناء، بل يصبح النقاش أوسع ويتعلق الأمر بشريان اقتصادي هام قادر على التأثير في حركة البضائع والتحكم بها، ويؤثر على ديناميكيات السوق، ويشمل تكاليف وأجور النقل.
إن عودة الرصيف الرابع في ميناء طرطوس التجاري، بما يشمله من مرافق ومستودعات، إلى عهدة الإدارة السورية خطوة هامة لقطاع النقل البحري وتصحيح لمساره، فالخطوة هذه قد أتت في وقت تسعى فيه الدولة السورية إلى إنعاش موانئها وتعزيز دورها في التجارة الإقليمية.
الأمر يتعدى زيادة عدد السفن التي ترتاد الميناء، بل يعتمد النجاح على قدرة هذا الرصيف على تقليل فترات الانتظار الطويلة، والتسريع من عمليات الشحن والتفريغ في الميناء، وبالتالي رفع كفاءة واحدة من أهم البوابات الاقتصادية الحيوية في البلاد.
رصيف طرطوس بطول 630 متراً قادر على استقبال السفن الكبيرة
للرصيف الرابع مواصفات فنية مميزة تمنحه أهمية تشغيلية بالغة، إذ يبلغ طول الرصيف 630 متراً، ويقاس عمق المياه فيه بين 10 أمتار في الجانب الشرقي و13.20 متراً في الجانب الغربي. هذه المواصفات المميزة تسمح باستقبال سفن كبيرة تصل حمولتها إلى حوالي 55 ألف طن. كذلك يمكن للرصيف الرابع في طرطوس استقبال ثلاث سفن معاً، مما يعزز قدرة الميناء على التعامل مع كميات أكبر من السلع والبضائع.
إضافة لموقع الرصيف المميز بمحاذاة الرصيف الخامس المخصص لسفن (Ro-Ro)، وهي سفن تتيح دفع أو سحب المركبات والبضائع بدلاً من الاعتماد على طرق الرفع التقليدية، مما يسهل التكامل بين مختلف أنواع عمليات النقل البحري. ومن مرحلة الانتظار المرهق إلى الإدارة الفعالة والسريعة
في سوريا يواجه قطاع النقل البحري تحديات عديدة تتجاوز مجرد عدد الأرصفة، أهمها ما يتعلق بسرعة العمليات، فسرعة العمليات داخل الميناء تعتبر عاملاً حاسماً لا يمكن التغاضي عنه، فكل ساعة انتظار للسفن يتم ترجمتها عملياً إلى تكاليف إضافية تتحملها شركات الشحن والمستوردون، وهي تكاليف قد تنقل في النهاية إلى المستهلكين على شكل ارتفاع في أسعار السلع التي تصل إلى السوق.
وهنا تبرز أهمية هذا الرصيف، إذ يمكن لتشغيله أن يخفف الضغط عن الأرصفة الأخرى في الميناء، ويقلل فترات انتظار السفن، ويسرع عمليات الشحن والتفريغ. في ظل اقتصاد سوري متهالك يعتمد بشكل كبير على استيراد السلع والمواد الأساسية، فكفاءة الموانئ هي المحرك الرئيسي لديناميكيات السوق، فهي تتجاوز كونها مجرد مسألة لوجستية منفصلة عن الحياة اليومية للمواطنين.
اقرأ أيضاً: ميناء طرطوس يعود للواجهة بتمويل إماراتي ثقيل
المستودعات ومناطق التخزين الداعمة للتجارة
تتجاوز أهمية الرصيف البحري موقعه الساحلي، إذ يرتبط الرصيف بمستودعات ومناطق تخزين تسهّل التدفق المنظم للبضائع بعد وصولها. كما تشكل البنية التحتية للتخزين جزءاً حيوياً من عمليات الموانئ الحديثة، فوصول السفينة لا يمثل نهاية رحلة الشحنة، بل بداية لسلسلة من العمليات تشمل التخزين والنقل والتوزيع. وكلما اتسمت هذه العمليات بالسرعة والتنظيم، زادت قدرة الميناء على استيعاب أحجام التجارة، مما يحوله من مجرد نقطة عبور إلى مركز لوجستي يخدم الاقتصادات المحلية والإقليمية.
أما من باب الرؤية الاقتصادية فتشغيل الرصيف الرابع قد يعود بالنفع على قطاع التجارة إلى جانب قطاع النقل. ومع ذلك، فإن انعكاس ذلك على انخفاض أسعار السلع يعتمد على مجموعة من العوامل المتكاملة أبرزها دخول الاقتصاد السوري مرحلة التعافي. قد تساهم زيادة القدرة الاستيعابية للميناء في خفض بعض تكاليف النقل والانتظار، لكن انتقال هذه الفائدة إلى المستهلك يتوقف على عوامل أخرى، مثل أسعار الشحن العالمية، وأسعار الطاقة، وآليات التوزيع في السوق المحلية.
ويعتبر الرصيف الرابع الجديد جزءاً من الحل، لكنه ليس “عصا سحرية” ستؤدي إلى خفض الأسعار فور تشغيله. فالموانئ، شأنها شأن العديد من الأنظمة تتسم بطبيعة معقدة وتتطلب إدارة فعالة وميزانيات وصيانة لتعمل بشكل صحيح ويخدم الهدف من وجودها. فالخرسانة وحدها لا تحرك عجلة الاقتصاد، بل تحتاج لمتابعة إدارة صارمة وخطط للتنفيذ.
طرطوس على خارطة النقل البحري من جديد
يتمتع ميناء طرطوس بموقع استراتيجي على الساحل السوري، ويشكل مع ميناء اللاذقية شبكة نقل قادرة على ربط سوريا بالأسواق العالمية وإعادتها إلى قطاع النقل الدولي. ومع تزايد أهمية الممرات البحرية للتجارة العالمية، فإن تطوير قدرات الموانئ لا يقتصر على الحاضر فحسب، بل يتعلق أيضاً بالتنافسية المستقبلية للبلاد في قطاع الخدمات اللوجستية.
تشهد المنطقة منافسة محتدمة بين الموانئ المختلفة لجذب حركة الشحن والبضائع، ولذا فإن أي تحسن في كفاءة الموانئ السورية قد يمثل فرصة لاستعادة جزء من أهميتها التجارية.
أما بالنسبة لمحافظة طرطوس، لا يمكن اعتبار “الرصيف الرابع” مجرد توسعة لمساحة الميناء فحسب، بل يحسب كخطوة مربوطة بمساعي إحياء قطاعي التصنيع والخدمات. فالميناء النشط يعني زيادة حركة الشاحنات، بالتالي توفير المزيد من فرص العمل، وتوسيع نطاق الخدمات البحرية واللوجستية، فضلاً عن إحداث أثر يمتد من البوابة البحرية وصولاً إلى الأسواق المحلية. والتحدي الأبرز يكمن في تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج ملموسة من خلال الإدارة الفعالة، وضمان استمرارية العمليات، وجذب استثمارات توازي حجم هذه الطموحات.
ختاماً الاختبار الحقيقي يتمثل في قدرة “الرصيف الرابع” على التحول من مجرد مساحة جديدة داخل الميناء إلى محرك فعلي للاقتصاد في البلاد.









