سياسة

بين جونية واللاذقية: سياحة عابرة أم قناة تواصل لبنانية ـ سورية جديدة؟

الكاتب: أحمد علي

أول مرة منذ زمن طويل، عاد البحر ليشهد شيئاً بسيطاً بين لبنان وسوريا، فقد رست باخرة ركاب قادمة من جونية في اللاذقية يوم 22 حزيران 2026، بعد سنوات من توقف الرحلات البحرية المنتظمة بين البلدين. وفي ظاهره، يبدو الخبر سياحياً، لكن المسافة بين جونية واللاذقية ليست مسافة بحرية فقط، بل هي مسافة سياسية واجتماعية تراكمت عليها سنوات الحرب والأزمة والحدود الثقيلة..

لذلك لا يكفي أن نسأل إن كانت الرحلة ستنجح تجارياً. السؤال الأهم هو ما إذا كان هذا الخط الصغير قادراً على فتح قناة تواصل طبيعية بين مجتمعين لم ينقطعا فعلاً، لكن طرق التواصل بينهما أصبحت أكثر تعباً وكلفة وارتباكاً بفعل أحمال السياسة.

الرحلات البحرية بين جونية واللاذقية: الطريق الذي عاد من البحر

وصلت باخرة الركاب السياحية Cedar Waves إلى مرفأ اللاذقية قادمة من مرفأ جونية اللبناني، معلنة استئناف الرحلات البحرية المنتظمة لنقل الركاب بين المرفأين. ووفق ما نقلته وكالة سانا، تتسع الباخرة لنحو 350 راكباً، ويبدأ الخط بمعدل رحلتين إلى ثلاث رحلات أسبوعياً، مع حديث عن توسع لاحق بالتعاون مع مكاتب السفر والسياحة.

وهذه أرقام صغيرة إذا قيست بحركة الحدود البرية، لكنها مهمة لأنها تعيد فتح نمط تنقل كان غائباً. وتحدث مدير قسم شؤون المسافرين في مرفأ اللاذقية عز الدين الحسين عن ركاب من جنسيات مختلفة، وعن تسهيلات قدمتها الهيئة العامة للمنافذ والجمارك لدخول السوريين وغير السوريين. وجرى استقبال الباخرة بحضور وزير السياحة السوري مازن الصالحاني، الذي عُرضت الخطوة في تصريحاته كمدخل لتنشيط الحركة السياحية وتسهيل حركة الركاب.

على الجانب التجاري، تعرض شركة نخال، عبر صفحة Cedar Waves، رحلات من جونية إلى اللاذقية بأسعار تبدأ من 135 دولاراً للاتجاه الواحد، خلال فترة تشغيل تمتد من 19 حزيران حتى 30 تشرين الأول 2026. وتعرض الصفحة نفسها خط جونية إلى مرسين بأسعار تبدأ من 165 دولاراً، وتشير إلى أن الباخرة تعمل من مرفأ جونية باتجاه اللاذقية ومرسين، ضمن شبكة أوسع تحاول ربط لبنان بجوار شرق المتوسط.

الرحلة ليست كبيرة بما يكفي لتغيير اقتصاد بلدين، لكنها ليست بلا معنى بطبيعة الحال، فهي تضع مرفأ اللاذقية في علاقة ركاب لا بضائع فقط، وتمنح جونية وظيفة إقليمية أوسع من السياحة المحلية، وتقدم للسوري واللبناني خياراً جديداً لا يمر بالبر وحده. أحياناً يبدأ التغيير من طريق أقل ازدحاماً.

السياحة ليست كل الحكاية

تسويق الخط بوصفه سياحياً مفهوم، فالموسم الصيفي يحتاج إلى حركة، والساحل السوري يبحث عن إشارات تعاف، ولبنان يحاول منذ سنوات ترميم صورته السياحية وسط الأزمة الاقتصادية والاهتزاز الأمني. لكن حصر المسألة في السياحة وحدها يضيق المعنى. بين لبنان وسوريا عائلات، طلاب، تجار، عاملون، أصحاب مصالح صغيرة، وناس اعتادوا أن تكون المسافة بين البلدين يومية قبل أن تصبح معقدة.

وهنا تظهر الدلالة الاجتماعية للرحلة، فالنقل البحري لا يلغي الطريق البري، ولا ينافسه بالضرورة. لكنه يفتح طريقاً موازياً، أقل احتكاكاً بمعابر مزدحمة وإجراءات قد تطول. وإذا استقر جدول الرحلات، يمكن أن يتحول من نزهة بحرية إلى خدمة فعلية. الخدمة هي الامتحان، لا صورة الباخرة عند الرصيف.

هناك أيضاً دلالة لبنانية لا يجوز إغفالها. صحيفة The National تحدثت، قبل انطلاق الخدمة، عن عودة منتظرة لخط جونية ـ لارنكا بعد تأجيل قصير، وعن أسعار تبدأ من 95 دولاراً للاتجاه الواحد إلى قبرص، في بلد يعتمد كثيراً على مطار بيروت كبوابة شبه وحيدة للخروج والدخول. وفي قراءة The Beiruter، يمثّل مشروع العبارات محاولة لإعادة وصل لبنان بفضائه البحري بعد عزلة طويلة، وربط جونية بقبرص وسوريا وتركيا. هذا البعد يشرح لماذا لا تقف القصة عند اللاذقية وحدها.

لكن الربط البحري لا يعيش على الرغبة، بل يحتاج إلى انتظام، تراخيص، سلامة، جمارك، شرطة حدود، تأمين، وكل تفصيل صغير قد يعطل المسار إذا لم يثبت. وقد أظهرت تقارير قبرصية في نهاية أيار 2026 أن الإعلان عن خط لبنان ـ قبرص أثار أسئلة حول التصاريح والسلامة لدى السلطات القبرصية. وهذه النقطة لا تعني فشل المشروع، لكنها تذكر بأن النقل الدولي ليس إعلاناً سياحياً فقط.

الاختبار في الاستمرار

لا يعني الخط البحري بين جونية واللاذقية عودة طبيعية كاملة للعلاقات اللبنانية السورية، ولا يعني أن كل العقد القديمة حُلت. هذا تحميل زائد لباخرة ركاب، لكن الخط يكشف شيئاً آخر، فهناك حاجة متبادلة إلى ممرات أقل توتراً بين البلدين، وإلى أدوات عملية تعيد الحركة من دون انتظار تفاهمات سياسية كبرى.

لبنان يستفيد إذا نجح في تنويع بواباته البحرية والسياحية، خصوصاً في ظل الضغط الطويل على اقتصاده وتراجع الثقة بالبنى العامة. وسوريا تستفيد إذا استطاعت تحويل مرافئها إلى محطات ركاب آمنة ومنظمة، لا إلى عناوين إعلامية عابرة. أما المسافر، وهو الطرف الذي يُنسى عادة في الخطابات، فيستفيد إذا وجد خدمة واضحة السعر، ثابتة الموعد، كريمة في التعامل، وسريعة في إجراءات الدخول والخروج.

ما الذي لا تقوله البيانات الرسمية؟ لا تقول بعد إن هناك طلباً كافياً يضمن استمرار الخط بعد موسم الصيف. ولا تقول إن الكلفة ستكون مناسبة لكل الفئات. ولا تقول إن الإجراءات ستبقى سهلة عندما ترتفع الأعداد. لذلك يجب قراءة الخطوة بقدرها. فهي بداية اختبار، لا نتيجة نهائية.

الاختبار الأول سيكون في الانتظام، فرحلة أو رحلتان لا تصنعان خطاً. والاختبار الثاني في الثقة، فالمسافر يعود إلى الخدمة التي تحترم وقته وماله. والاختبار الثالث في السياسة، لكن بمعناها العملي لا الخطابي.. هل تستطيع مؤسسات البلدين إدارة قناة تواصل يومية بلا تعطيل وبلا توظيف زائد؟

أخيراً، قد تبقى الرحلات البحرية بين جونية واللاذقية نشاطاً سياحياً محدوداً، وقد تتحول إلى طريق صغير لكنه ثابت في إعادة وصل ما قطعته السنوات. الفارق بين الاحتمالين ليس في البحر، فالبحر مفتوح، والفارق في الإدارة والطلب والثقة. فإذا نجحت الرحلات في أن تكون خدمة لا مناسبة، سنكون أمام قناة تواصل لبنانية سورية جديدة، هادئة، عملية، وأهم من ضجيجها بكثير.

اقرأ أيضاً: اللاذقية وصيف استثنائي.. كيف تستعد عاصمة الساحل السوري لاستقبال آلاف الزوار؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى