الذهب الأحمر في المونة السورية.. رحلة صناعة دبس الرمان في ظل التحديات

بقلم: هلا يوسف
تعد الأرض السورية غنية بخيراتها الزراعية التي تشكل أساس “مونة الشتاء” في كل بيت، ومن بين هذه الخيرات يبرز الرمان أو كما يُعرف بـ “الذهب الأحمر”، الذي يتحول بمهارة الأيادي السورية إلى دبس كثيف لاذع المذاق يزين موائدهم في فصل البرد. ومع حلول أشهر أيلول وتشرين الأول والثاني، تبدأ النساء السوريات، كما في كل عام، بالاجتماع في ساحات البيوت والحدائق لتحضير أجود أنواع دبس الرمان بطرق تناقلنها جيلاً بعد جيل.
ومع تنوّع الأساليب وتباين طبيعة المناطق، أصبحت لكل محافظة نكهتها المميزة التي تعكس خصوصية بيئتها وموروثها الشعبي. في هذا المقال، سننطلق في رحلة داخل عالم صناعة دبس الرمان في سوريا، نتعرف من خلاله على مراحل إنتاجه وفوائده، ونرصد أبرز التحديات المناخية والاقتصادية التي تواجه هذا المنتج التراثي العريق.
من الشجرة إلى الحطب
يعد موسم الرمان من أطول المواسم الزراعية، كما يوضح المزارع خالد نسلة، لذلك يشكل مصدر رزق مستمراً وطويل الأمد مقارنةً ببقية المواسم الزراعية، ويُعتبر دعامة اقتصادية أساسية للعديد من العائلات في المنطقة.
في بلدة دركوش، يشرح المزارع خالد خطوات صناعة دبس الرمان الأصلي، حيث تبدأ العملية بقطف ثمار الرمان الناضجة من البساتين وتجميعها، ثم تأتي مرحلة تفريط الحبوب، وهي من أكثر المراحل التي تتطلب جهداً ووقتاً، لذلك يستعين خالد بعدد من العمال لإنجازها. وتعد هذه المرحلة مميزة بطريقتها التقليدية، إذ تُفرَط الثمار عبر دقّ نصف الرمانة بخفة حتى تتساقط حبوبها الحمراء دون أن تتلف.
ويشير خالد إلى أن الرمان المستخدم في صناعة الدبس يجب أن يكون من النوع الحامض المزّ، لأنه يمنح المنتج النهائي نكهته المميزة. بعد عملية التفريط، يُعصر الرمان بواسطة آلة خاصة، ثم يُصفّى العصير الناتج باستخدام قماشة نظيفة لإزالة البذور والشوائب. ويؤكد خالد أن دبس الرمان من المنتجات التي لا تحتمل الغش، فكلما كانت عملية التصفية دقيقة، انعكس ذلك على كثافة وسماكة الدبس وجودته.
أما المرحلة الأخيرة، وهي الأصعب والأكثر استهلاكاً للوقت والجهد، فتتمثل في غلي العصير المصفى على نار الحطب لعدة ساعات قد تصل إلى عشر ساعات متواصلة. ويُعد تأمين كمية كافية من الحطب أحد أبرز التحديات التي تواجه العاملين في هذا المجال، إلا أن هذه الطريقة التقليدية تبقى السرّ في الحصول على دبس رمان طبيعي غني بالنكهة واللون.
دبس الرمان مصدر دخل للعائلات الريفية السورية
تجاوزت صناعة دبس الرمان الاحتياجات المنزلية للكثير من الأسر الريفية السورية في ظل الضغوط الاقتصادية الحالية، فقد حولت النساء السوريات مهارتهن في صناعته إلى مشاريع منزلية صغيرة تساند أسرهن اقتصادياً. ورغم الجهد الكبير الذي تتطلبه مراحل تحضيره، إلا أنه يشكل عادة وتراث للكثير من المناطق.
في قرية العربية (المعروفة سابقاً باسم اليهودية)، تعمل السيدة وداد القصير في صناعة دبس الرمان منذ سنوات، وقد أصبح هذا العمل مصدر رزق أساسي لعائلتها. وتوضح وداد أن ارتفاع تكاليف الإنتاج وأسعار الرمان انعكس مباشرة على سعر المنتج النهائي، حيث يتراوح سعر الكيلو الواحد من الرمان بين 4,000 و5,000 ليرة سورية، بينما يصل سعر الكيلو الممتاز من دبس الرمان الجاهز إلى نحو 100,000 ليرة سورية.
وتشير وداد إلى أن صناعة دبس الرمان بالنسبة لنساء الأرياف ليست مجرد حرفة تراثية، بل وسيلة حقيقية لتحسين مستوى المعيشة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد. كما تذكر أن الأسرة الواحدة تحتاج في المتوسط من أربعة إلى ستة كيلوغرامات من دبس الرمان خلال فصل الشتاء، ما يجعل هذا المنتج عنصراً أساسياً في المطبخ السوري ومخزون غذائي لا غنى عنه.
الفوائد الغذائية لدبس الرمان
لا يقتصر دبس الرمان على كونه مكون يضيف للطعام مذاق جيد ومميز، بل يعد إحدى المنتجات التي تحمل باقة من الفوائد الصحية للجسم بحسب خبراء التغذية. فهو يحتوي على مجموعة من العناصر والمركبات المفيدة التي تمنح الجسم دعماً متكاملاً، من أبرزها:
- تحسين الهضم وتنظيم حركة الأمعاء بفضل خصائصه الحمضية الطبيعية.
- تعزيز مناعة الجسم ومقاومة الالتهابات.
- خفض الكوليسترول الضار والمساعدة في الحفاظ على صحة القلب والأوعية الدموية.
- تقوية العظام لغناه بالكالسيوم والبوتاسيوم والمعادن الضرورية.
- تحسين صحة البشرة والشعر بفضل احتوائه على نسبة عالية من فيتامين C ومضادات الأكسدة.
- المساهمة في خسارة الوزن من خلال تنظيم الشهية وتحفيز عملية الأيض.
تحديات وتراجع في إنتاج دبس الرمان
رغم القيمة الغذائية والاقتصادية العالية لدبس الرمان، فإن إنتاجه يشهد تراجع كبير في بعض المناطق السورية، وعلى رأسها سهل الغاب في محافظة حماة، حيث واجه المزارعون هذا الموسم صعوبات مناخية واقتصادية أثرت على كمية وجودة المحصول.
تقول فريال مسعود، وهي من العاملات في صناعة دبس الرمان في سهل الغاب: “نعمل في هذه المهنة منذ سنوات طويلة، ونعتمد على الطرق التقليدية التي ورثناها عن أجدادنا لأنها تحافظ على النكهة الأصلية والقيمة الغذائية للمنتج. لكن الموسم هذا العام لم يكن جيداً كما توقعنا بسبب تأخر هطول الأمطار وضعف تسويق المنتج.”
يؤكد المنتج المحلي علي فاتي أن تراجع التسويق هذا العام شكل ضربة قاسية للعاملين في المهنة، موضحاً أن معظمهم يعتمد على طرق بدائية بسيطة في التصنيع، بدءً من العصر اليدوي وحتى الغلي البطيء على الحطب للحفاظ على جودة الدبس.
ويضيف: “الركود في الأسواق ناتج عن الوضع الاقتصادي الصعب الذي تمر به البلاد، ما أجبر الأسر على تقليل الإنفاق على المنتجات غير الأساسية، حتى وإن كانت ذات قيمة غذائية عالية.”
فقد شهد سهل الغاب خلال السنوات الأخيرة تقلّبات مناخية متكرّرة، منها تأخر الأمطار وضعف الموارد المائية، وهو ما انعكس سلباً على إنتاج الرمان، المادة الخام الأساسية لصناعة الدبس. ويأمل المنتجون أن تشهد المواسم المقبلة تحسناً مناخياً ودعم أكبر في عملية التسويق أكبر لإحياء هذه المهنة.
مشكلات مشابهة في ريف درعا الغربي
على المقلب الآخر تشابه وضع سهل الغاب مع ريف درعا الغربي، حيث تكبد مزارعو الرمان خسائر مالية كبيرة نتيجة تشقق المحصول المبكر، ما اضطرهم إلى بيع الثمار المتضررة لمعامل العصير ودبس الرمان بأسعار زهيدة. إلا أن جودة المنتج النهائي تتأثر سلباً بهذه الظروف.
ويُرجع المزارعون هذه المشكلة إلى قلة الري بسبب انخفاض منسوب المياه الجوفية، وتباين درجات الحرارة بين الليل والنهار. حيث يقول المزارع أحمد الحشيش إن بئره جفت في وقت مبكر هذا العام، مما أجبره هو وغيره من المزارعين على تعميق الآبار حتى 350 متر في محاولة لتأمين مياه كافية لري المحاصيل.
محصول الرمان بين موسمي العام الماضي والحالي
رغم غياب الإحصائيات الدقيقة حول حجم إنتاج الرمان في سوريا خلال الموسم الحالي، تشير التقديرات الأولية الصادرة عن عدد من مديريات الزراعة في المحافظات إلى أن الإنتاج شهد تبايناً بين المناطق، مع تحسن نسبي في بعض المحافظات وتراجع طفيف في أخرى، نتيجة لتأثير العوامل المناخية والاقتصادية.
درعا تتصدر الإنتاج وتحافظ على توسع زراعتها
في محافظة درعا، قدرت مديرية الزراعة كمية إنتاج الرمان للموسم الحالي بنحو 33 ألف طن، في مؤشر على توسع المساحات المزروعة وتحسن المردود الاقتصادي لهذا المحصول المهم في الجنوب السوري.
وأوضح مدير الزراعة عاهد الزعبي أن زراعة الرمان تنتشر على نطاق واسع في مناطق طفس والمزيريب وداعل، حيث تبلغ المساحة المزروعة نحو 1,850 هكتار وتضم أكثر من 1.1 مليون شجرة مثمرة.
وأشار الزعبي إلى أن الإقبال على زراعة الرمان شهد نمو سريع خلال السنوات الأخيرة، بسبب جدواها الاقتصادية العالية مقارنة بمحاصيل أخرى مثل العنب، إذ توفر عائد جيد للمزارعين. كما أوضح أن شجرة الرمان تبدأ بالإنتاج بعد ثلاث سنوات من زراعتها، ويبلغ متوسط إنتاجها بين 25 و50 كيلوغرام في السنوات الأولى، ليصل إلى 80 كيلوغرام بعد مرور خمس سنوات.
ويعكس هذا الموسم في درعا نجاح المزارعين في تعزيز الإنتاج المحلي ورفع القيمة الاقتصادية للمحصول، في ظل دعم مديرية الزراعة للقطاع عبر برامج الإرشاد والتخطيط المستدام، ما يجعل الرمان رافد مهم للاقتصاد الريفي ومصدر لتحسين دخل الأسر الزراعية.
استقرار نسبي في إنتاج طرطوس
أما في محافظة طرطوس، فقد أوضح مدير الزراعة المهندس حسن حمادة أن التقديرات الأولية تشير إلى أن إنتاج المحافظة من الرمان بلغ نحو 3,500 طن هذا العام، من إجمالي 365,000 شجرة مثمرة، بينما يبلغ عدد الأشجار الكلي قرابة 400,000 شجرة مزروعة على مساحة 177 هكتار.
وبيّن حمادة أن إنتاج هذا الموسم قريب من إنتاج العام الماضي مع انخفاض طفيف نتيجة الظروف المناخية غير المستقرة التي شهدتها المنطقة.
تراجع عام في الإنتاج مقارنة بالعام السابق
على المستوى الوطني، أوضح المهندس علي الداحوري، رئيس دائرة البستنة في مديرية الإنتاج النباتي بوزارة الزراعة، أن إنتاج عام 2024 بلغ نحو 69,238 طن من الرمان، أي أقل بنسبة 15% تقريباً مقارنة بإنتاج عام 2023 الذي وصل إلى 81,173 طن.
وبين الداحوري أن محافظة درعا احتلت المرتبة الأولى في الإنتاج هذا العام بكمية 26,574 طن، تلتها حلب بإنتاج قدره 17,886 طن، ثم اللاذقية بإنتاج بلغ 11,684 طن. كما أشار إلى أن الرمان يُزرع في معظم المحافظات السورية بأنواعه المختلفة — الحلو والحامض واللفّان (وهو النوع المتوسط بين الحلو والحامض).
ومع الإحصاءات السابقة، تحتاج صناعة دبس الرمان دعم حكومي وخطط معينة لزيادة الإنتاج في كافة المناطق السورية. حيث يمكن أن تشكل هذه الصناعة رافد اقتصادي لسوريا من جهة، ومصدر دخل للكثير من الأسر الريفية السورية من جهة أخرى.
اقرأ أيضاً: حلاوة الجبن.. حرب الحلويات بين حمص وحماة لم تُحسم بعد









