الذرة الصفراء في الرقة.. محصول الصيف يواجه أزمة التكاليف!

بقلم: ريم ريّا
لم يكن موسم الذرة الصفراء في محافظة الرقة مجرد موسم زراعي عادي، بل كان حدثاَ اقتصادياً ينتظره آلاف المزارعين بعد كل حصاد قمح. ففي كل عام، كانت الحقول تزرع بهذا المحصول، مما يوفر دخلاً إضافياً للأسر الريفية وينعش الأسواق الزراعية. إلا أن الوضع هذا الصيف مختلف. فقد أجبر الارتفاع الكبير في تكاليف الإنتاج ونقص السيولة عدداً متزايداً من المزارعين على ترك حقولهم بوراً. ويحذر السكان المحليون من عواقب هذا التراجع المستمر وتأثيره المحتمل على القطاع الزراعي.
الذرة في الرقة.. محصول مرتبط بالاقتصاد الريفي
تعتبر الذرة الصفراء ذات أهمية بالغة في الرقة. فهي من أبرز المحاصيل الصيفية المستخدمة في علف الحيوانات، وهي ضرورية لتربية المواشي. كما أنها مصدر دخل حيوي للعديد من الأسر التي تعتمد على الزراعة كمصدر رزق رئيسي.
يبدأ موسم الزراعة مباشرة بعد حصاد القمح، لذا ينظر إليه المزارعون كفرصة لزراعة الأرض مرتين في السنة وكسب المال للمساعدة في تغطية نفقات معيشتهم. إلا أن تحقيق هذا الهدف بات أكثر صعوبة مع استمرار ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج.
يؤكد عدد من المزارعين أنهم توقفوا عن زراعة الذرة ليس بسبب انخفاض المحصول أو تراجع الطلب، بل لعدم قدرتهم على تحمل تكاليف بدء الموسم. فقد ارتفعت تكاليف تجهيز الأرض، وشراء البذور والأسمدة، وتوفير مياه الري، والوقود، وأجور العمال، مما دفع الكثيرين إلى تأجيل الزراعة أو ترك أراضيهم بوراً. ويعتقد السكان المحليون أن المشكلة الرئيسية لم تعد في الزراعة نفسها، بل في القدرة على تمويلها، لا سيما في ظل محدودية السيولة لدى معظم الأسر الزراعية.
في موسم الحصاد.. أصبح الدين جزءاً لا يتجزأ من الموسم
يقول مزارعون في ريف الرقة إن الاعتماد على الائتمان لشراء البذور والأسمدة والمبيدات أصبح واقعاً سنوياً. يشتري المزارعون مستلزمات الإنتاج بالتقسيط ويسددون ثمنها بعد الحصاد. إلا أن هذا الخيار يزيد التكاليف نظرًا لارتفاع سعر الدفع المؤجل مقارنةً بالدفع النقدي.ويؤكد الكثيرون أن استمرار هذا الوضع سيحمل المزارعين التزامات مع بداية الموسم، مما يزيد من المخاطر في حال خسارة المحصول أو انخفاض سعره أثناء التسويق.
حسب لتقديرات المزارعين وتجار مستلزمات الإنتاج الزراعي، انخفضت المساحة المزروعة بالذرة الصفراء هذا الموسم بنحو النصف مقارنةً بالسنوات السابقة. ويعكس هذا الانخفاض الضغوط الكبيرة التي يواجهها القطاع الزراعي في المحافظة. ويعزو المواطنون هذا التراجع إلى ارتفاع أسعار الأسمدة والوقود والبذور، بالإضافة إلى تأخر صرف مستحقات القمح. وقد حرم هذا الوضع العديد من المزارعين من الأموال التي كانوا يعتمدون عليها لتمويل موسم الصيف. كما أثر هذا الوضع على الأسواق الزراعية، حيث انخفضت مبيعات البذور والأسمدة بشكل ملحوظ مقارنةً بالمواسم السابقة.
اقرأ أيضاً: تعافي القطاع الزراعي بعد الحرب..دراسة متكاملة لتطبيق آليات التعافي
تأثيرات تتجاوز الحقول.. وتصل للبيوت
لا تقتصر آثار انخفاض إنتاج الذرة على المزارعين فحسب، بل تمتد لتشمل الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها، بما في ذلك تجارة مستلزمات الإنتاج الزراعي، والنقل، وأسواق الأعلاف، ومربي الماشية الذين يعتمدون على هذا المحصول لتلبية احتياجاتهم. ويعتقد السكان أن استمرار انخفاض الإنتاج قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الأعلاف في المستقبل، مما سيؤثر بدوره على أسعار اللحوم ومنتجات الدواجن وغيرها من السلع الزراعية.
يعتقد المزارعون أن تجاوز الأزمة يبدأ بتوفير مستلزمات الإنتاج بأسعار معقولة، وتسريع سداد مستحقات المحاصيل السابقة لتمكينهم من تمويل الموسم الجديد دون اللجوء إلى الاقتراض. كما يطالبون بتوفير تسهيلات ائتمانية ميسرة وقروض زراعية، وخفض تكاليف مستلزمات الإنتاج، ووضع آليات تضمن تسويق الذرة بأسعار تضمن هوامش ربح مناسبة للمزارعين. يؤكد السكان أن التراجع المستمر في زراعة الذرة لا يهدد محصولاً موسمياً فحسب، بل يؤثر أيضاً على أحد أهم مصادر الدخل في المناطق الريفية، مما يؤثر على الدورة الاقتصادية التي يستفيد منها آلاف العاملين في الزراعة والقطاعات المرتبطة بها.
على الرغم من الوضع الراهن، لا يزال المزارعون واثقين من قدرة الذرة الصفراء على استعادة مكانتها إذا ما توفرت ظروف الإنتاج المناسبة. ويعتقدون أن تخفيف الأعباء عن المزارعين وتشجيعهم على العودة إلى زراعة أراضيهم سيحافظ على أحد أهم المحاصيل الصيفية في الرقة، ويضمن استمرار سبل عيش العديد من الأسر.









