سياسة

الديمقراطية وحقوق النساء: كيف تتحوّل شعارات الحرية إلى مفاتيح هيمنة على سوريا؟

الكاتب: أحمد علي

في عالم السياسة، قد تتحول أسمى المبادئ إلى أدوات تخدم مصالح خفية. هكذا هي حال الديمقراطية وحقوق النساء عندما تُرفعان شعاراً برّاقاً على بوابة مجتمعٍ ما؛ إذ يمكن أن تصبحا مدخلاً للتدخل الخارجي بدلاً من أن تكونا غايةً نبيلة بحد ذاتهما. سوريا ليست ببعيدة عن هذه التجربة؛ فقد عايشت تاريخاً طويلاً استُخدمت فيه شعارات الديمقراطية وحقوق النساء كوسيلة ضغط من القوى الغربية للتحكم في مسارها السياسي والاجتماعي.

في هذا التقرير نسرد حكاية هذه الشعارات في السياق السوري تاريخياً وحاضراً، وكيف يمكن إغلاق تلك البوابتين أمام محاولات الهيمنة، كي يبقى القرار السيادي بيد الشعب السوري وحده.

الديمقراطية وحقوق النساء في تاريخ سوريا: شعارات براقة وتدخلات خفية

شهدت سوريا في القرن الماضي محطات بارزة تجلّى فيها استغلال الديمقراطية وحقوق النساء لتحقيق مآرب المستعمرين وأصحاب النفوذ الخارجي. فعقب الحرب العالمية الأولى وخضوع سوريا للانتداب الفرنسي، روجت سلطات الانتداب لنفسها كحامية للتحديث وحقوق الفئات المهمشة، بما فيها النساء.

على سبيل المثال، حين تصاعد الجدل في ثلاثينيات القرن العشرين حول مسألة حجاب المرأة وخروجها إلى المجال العام، انبرى الإعلام الفرنسي الاستعماري للدفاع عن حرية النساء السوريات في نزع الحجاب، مندّداً بمن يهدّدهن بالعنف ويجبرهن على ارتدائه. ورغم أن الأمر بدا وكأنه دعمٌ لحقوق المرأة، فإن هذه الدعاية خدمت هدفاً أعمق؛ فقد قدّمت فرنسا نفسها راعيةً للتحرر الاجتماعي في مواجهة القوى الوطنية المحافظة، لتُبرّر استمرار هيمنتها بحجة نشر الحداثة وحماية حقوق النساء.

مع نيل سوريا استقلالها شهدت البلاد تجربة ديمقراطية وجيزة تلتها سلسلة انقلابات عسكرية. والمفارقة أن أول انقلاب عام 1949 -الذي حظي بدعم غربي خلف الكواليس- رفع بدوره لواء التحديث الاجتماعي. فحاكم سوريا آنذاك حسني الزعيم تبنّى إصلاحات علمانية لافتة، من بينها دعم حق المرأة في التصويت ودعوتها إلى خلع الحجاب.

هذه الخطوات أحدثت ضجة في مجتمع ما بعد الاستقلال، حيث اعتبرها رجال الدين المحافظون تعدياً على القيم الإسلامية. صحيح أنّ منح المرأة حق الانتخاب خطوة تقدمية تليق بدولة حديثة، لكن توقيتها ودوافعها أثارت التساؤلات. فالزعيم الذي لم يتردد في حل البرلمان الديمقراطي وسجن السياسيين كان يستثمر تلك الإجراءات ظاهرياً لكسب الشرعية أمام الغرب، فيما أبرم سريعاً اتفاقيات تخدم المصالح الأمريكية كتوقيع صفقة خط أنابيب النفط. لقد بدا الأمر وكأن الديمقراطية وحقوق النساء استخدمتا كستار جميل لتمرير تحركات سياسية تصب في مصلحة القوى الخارجية أكثر من مصلحة السوريين أنفسهم.

خلال عقود الحرب الباردة، استمر الغرب في توظيف ملف حقوق الإنسان والديمقراطية كأوراق ضغط على الحكومات السورية المتعاقبة. فباسم دعم الحرية، دعمت قوى غربية محاولات انقلابية وزعزعة للاستقرار عندما لم يوافق هوى دمشق سياساتها. ولم يكن موضوع حقوق النساء بعيداً عن هذه السجالات، وإن ظهر بصورة أقل مباشرة. فقد كانت سوريا من أوائل الدول العربية التي منحت المرأة حقوقاً سياسية (انتخاباً وترشحاً في أوائل الخمسينيات)، وتبوأت السوريات مناصب تعليمية ومهنية مرموقة بجهود داخلية.

ورغم ذلك، استمر الإعلام الغربي بتسليط الضوء على أي انتقاص من تلك الحقوق كدليل على تخلّف المنطقة وحجة لتدخلات ثقافية وسياسية. بعبارة أخرى، حين كانت مصالح العواصم الغربية تستدعي الضغط على دمشق، يجري تذكير الرأي العام العالمي بقصور الديمقراطية أو وضع المرأة في سوريا، لتبرير سياسات أكثر تشدداً أو عزلة ضدها.

بوادر التحكم الغربي بعد الحرب: الشعارات القديمة في سياق جديد

في سياق الأزمة السورية التي اندلعت عام 2011، عاد الخطاب الغربي يلوّح بشعاري الديمقراطية وحقوق النساء بزعمه دعم تطلعات الشعب السوري. أعلنت العواصم الغربية تأييدها لـ«مطالب الحرية» لدى المتظاهرين، ونددت بقمع النظام، ثم فرضت عقوبات وعزل دبلوماسي تحت راية نصرة الديمقراطية.

لم ينكر السوريون حاجتهم للإصلاح السياسي وتعزيز الحريات، لكن سرعان ما تبيّن أن هذا الدعم المشروط أفضى إلى تعميق النزاع بدل حله. وقد اتهمت دمشق صراحةً الدول الغربية بأنها استغلت شعار الديمقراطية لإذكاء الفوضى وتأليب الرأي العام، تمهيداً لتفكيك الدولة السورية وإخضاعها للهيمنة.

أما حقوق النساء، فقد برزت هي الأخرى في المشهد السوري الحالي كإحدى بوابات النفوذ الناعم الغربي. خلال الحرب، كثّفت منظمات دولية ووسائل إعلام غربية الحديث عن معاناة النساء السوريات تحت وطأة العنف والنزوح وانتهاك الحقوق. وبقدر ما كان تسليط الضوء على المآسي ضرورياً، استخدم في أحيان كثيرة لتوجيه الاتهام السياسي وانتقاء طرف دون آخر.

فالإعلام الغربي احتفى مثلاً بنموذج “المقاتلات الكرديات” في شمال سوريا اللواتي يقاتلن تنظيم داعش ويرفعن رايات المساواة، وقدّمه كنموذج للتقدم الاجتماعي المنشود في سوريا. بالتوازي، جرى شيطنة الطرف الآخر بوصفه معادياً للمرأة وللديمقراطية بشكل مطلق، مما رسّخ صورة أحادية تخدم أجندة تقسيم البلاد إلى “جيدين” يتبنون قيم الغرب و”أشرار” يرفضونها. ولم تقف الأمور عند الإعلام؛ فعلى الصعيد السياسي اشترطت الدول الغربية إدماج النساء بشكل صريح في أي حل سياسي سوري. فقد وضع الاتحاد الأوروبي حزمة شروط للتطبيع مع أي سلطة سورية جديدة تتضمن تحقيق انتقال سياسي يضمن تمثيل كافة المكونات واحترام حقوق الإنسان وحقوق المرأة بشكل خاص، إضافة إلى رفض الإرهاب. بل واعتُبرت حماية حقوق المرأة وعدم اضطهادها خطاً أحمر وشرطاً مسبقاً قبل رفع العقوبات الغربية عن سوريا.

هذه الشروط على وجاهتها الظاهرية تعني ضمناً فرض نموذج سياسي محدد على السوريين تحت وطأة الحاجة لإنهاء العزلة والأزمة الاقتصادية الخانقة. أي أن الغرب عاد لاستخدام ملف الديمقراطية وحقوق النساء كوسيلة ضغط على القيادة والمجتمع السوري لتشكيل مستقبل البلاد وفق رؤيته ومصالحه.

وهكذا نجد أن شعاري الديمقراطية وحقوق النساء أصبحا عملة سياسية رائجة في سوق الصراع على سوريا: يرفعهما الجميع ويفسرهما على هواه، بينما يغيب التطبيق الحقيقي الصادق لهما على أرض الواقع. أما الخاسر الأكبر، فهو المواطن السوري الذي يرى بلاده ميداناً تتصارع فيه الأجندات الخارجية تحت لافتات براقة تخفي وراءها مصالح استراتيجية.

كيف نغلق البوابتين ونلجم التدخل الغربي؟

إذا كانت شعارات الديمقراطية وحقوق النساء قد استُخدمت كأبواب خلفية للتدخل في الشأن السوري، فإن إغلاقها رهنٌ بيد السوريين أنفسهم. أول خطوة على هذا الطريق هي سد الثغرات الداخلية التي يتسلل منها أصحاب الأجندات الخارجية. يعني ذلك المضي بإرادة وطنية صادقة نحو تغيير سياسي حقيقي يعبّر عن إرادة الشعب ويلبي تطلعاته في الحرية والكرامة، بحيث لا يترك مجالاً لقوى الغرب أن تدّعي الدفاع عن السوريين بدعوى غياب الديمقراطية.

وفي هذا السياق، إن بناء نظام سياسي شامل يمثل جميع أبناء البلد ويتيح التعددية السياسية وتداول السلطة سلمياً سيكون درعاً سيادياً يحصّن البلاد من أي وصاية أجنبية مهما تلونت بالشعارات.

وبموازاة ذلك، لا بد من تمكين المرأة السورية والارتقاء بوضعها عبر حلول تنبع من خصوصية المجتمع وثقافته، بعيداً عن الإملاءات الخارجية. جدير بالذكر أن النساء السوريات أثبتن خلال عقود مضت قدرتهن على تبوؤ أعلى المناصب والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة متى ما تهيأت لهن الظروف.

إذاً، علينا الاستمرار في تعزيز تعليم المرأة وفرص عملها ومشاركتها السياسية ضمن مشروع وطني يقر بحقوقها كاملة. فإذا شعر المجتمع الدولي بأن سوريا نفسها جادّة في إعطاء المرأة حقها وحمايته قانونياً ومجتمعياً، ستسقط ورقة الضغط هذه من يد المتربصين. والأهم أن المرأة السورية تستحق هذه الحقوق كقيمة إنسانية في ذاتها قبل أي اعتبار آخر.

إلى جانب ذلك، يبقى الوعي الشعبي سلاحاً مهماً لكبح التدخلات. لذلك، علينا أن ندرك كسوريين حقيقة أن الغرب حين يلوّح بدعم الديمقراطية وحقوق النساء، فإنما يفعل ذلك وفق انتقائية تخدم مصالحه بالدرجة الأولى. وقد رأينا كيف انكشفت تلك الحقيقة مراراً “بعد خراب الدول وانهيارها ودخولها صاغرة في أتون السياسة الأميركية” كما وصفها أحد الكُتّاب.

بناءً على ذلك، فإن تعزيز ثقافة سياسية ناقدة لدى المواطنين – تتبنى القيم الإنسانية وتفرّق بينها وبين توظيفها النفعي – كفيلٌ بإحباط كثير من مخططات الهيمنة. فالشعب الواعي يصعب استغلاله بشعارات زائفة، بل يطالب هو نفسه بالديمقراطية وحقوق المرأة كاستحقاق وطني لا كمنة من الخارج. وحين تتحقق هذه المناعة الشعبية، ستفقد الدعايات الخارجية تأثيرها والبريق الكاذب لمقولاتها.

سيادة سوريا بين أيدي أبنائها

في الختام، تبقى سيادة سوريا ومستقبلها رهن قرار شعبها وحده. لقد علّمنا التاريخ القريب والبعيد أن الديمقراطية وحقوق النساء سلاحٌ ذو حدين؛ يمكن أن يكون جسراً إلى نهضة المجتمع وازدهاره إذا حمله أبناؤه بوعي وإخلاص، ويمكن أن يتحول إلى بوابة خلفية للتدخل إذا ترك مفتوحاً للغرباء.

من هنا تبرز أهمية العمل الجاد على الحلول الوطنية وإغلاق كل منفذ يمكن أن تتسلل منه الوصاية الخارجية. فكلما وحّد السوريون صفوفهم، وعالجوا مشاكلهم بأنفسهم، وأعلوا قيم الحرية والعدالة والمساواة التي يؤمنون بها هم، ضاق المجال على المتلاعبين بمصير الوطن من الخارج. إنها معركة وعي وسيادة في آنٍ معاً؛ وعي بحقائق الأمور وسيادة على القرار والإرادة.

وحينها فقط، لن يكون أمر سوريا سوى كلمة السوريين أنفسهم، ويبطل مفعول كل بوابة مزيفة للتحكم في هذا البلد العريق.. لتكن الديمقراطية حريةً نابعةً من دمشق، ولتكن حقوق النساء مصونةً بيد أبناء سوريا وبناتها؛ وبهذا نلجم الغرب ونحمي مستقبل البلاد بما يحقق مصلحة الشعب أولاً وأخيراً.

اقرأ أيضاً: القضاء الأهلي والوساطة العشائرية في سوريا: حوكمة يومية دون قاعات محاكم!

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى