الدولة الأب.. متى يشترك الابن «العاق» بولادة الأب الذي يريد؟

مقال رأي – مؤيد حردان – الدولة الأب.. متى يشترك الابن «العاق» بولادة الأب الذي يريد؟
في جميع دول الشرق، عمد جهاز الدولة عموماً إلى تصدير نفسه بصورة «الأب الراعي» لأبنائه، ذاك الكائن المتعالي عن صراعاتهم اليومية، والحاكم بينهم بما يراه «عدلاً» و«حكمة». في الحقيقة، هذه الصورة الأبوية لم تولد مع الأنظمة الحديثة، بل تمتد عميقاً في تاريخ دول الأنهار الكبرى حيث نشأت أولى البُنى المركزية، وحيث كان الحاكم صورةً للإله كما في مصر القديمة. ومع الزمن، ترسّخت في الوعي الجمعي فكرة أن الدولة تُطعِم وتُؤدِّب في الوقت ذاته، وأنها إن ضربت، فإنما تفعل «لصالح الأبناء».
في سوريا، تجلّت هذه الأبويّة بأشدّ صورها قسوة خلال العقود الماضية. فـ«الأب» الذي كان يوزّع «الخرجية» على رعيّته، لم يكن يفعل ذلك من ماله، بل من جهدهم وعرقهم. ومع ذلك، بقيت الأغلبية تتعامل معه كوليّ نعمة، وحامٍ من الفوضى. لكن ما إن انقطعت الخرجية، وانكشفت يد الأب الثقيلة دون قناع، حتى سقطت القداسة عن صورته.
ثمّ سقطت السلطة، وسقط معها آخر ما تبقّى من سفاسف أبويّة سياسية حكمت البلاد باسم «الحماية» و«الاستقرار».
لكننا اليوم، ورغم سقوط السلطة، لا يزال هذا «الأب» حاضراً في وعي كثيرين منّا، أكثر مما هو موجود في مؤسساتنا في الواقع. فالكثير من السوريين الذين تمرّدوا وأصبحوا «عاقّين»، ما زالوا حتى اليوم يبحثون عن «أبٍ جديد» يطعمهم ويقرّر عنهم ويمنحهم الأمان مقابل الطاعة. كأنهم لم يكتشفوا بعد أن الأب الحقيقي، حين يحتكر الثروة والقرار، لا يورّث أبناءه إلا العجز!
تاريخياً، لطالما ارتبط صعود الدولة بالسلطة الذكورية التي نشأت لحماية الملكية الخاصة منذ اللحظة التي أطاحت فيها البشرية بـ«الأم الجماعية» أواخر المشاعة البدائية. ومنذ ذلك الحين، صار الأب – ثم الدولة – هو الحارس على الفائض والثروة، لا الموزّع العادل لهما.
وليس مصادفة أن الدولة الأولى كانت دائماً دولة ذكورٍ وأسياد، تحفظ الملكية أكثر مما تحفظ الناس.
الثورات الكبرى – كالثورة الفرنسية – كانت في جوهرها ثورات على هذه الأبوية، على البابا والملك والإقطاع، لكنها لم تُلغِ «الأب» بل نقلته من السماء إلى مؤسسات القانون. أما نحن، فما زلنا عالقين بين أبٍ سقط ولم يُدفن بعد، وأبٍ جديد يحاول ارتداء عباءة الهيبة، بوجهٍ ديني أو مدنيّ أو تكنوقراطيّ، وكلّهم سيّان.
ربما لهذا السبب، يحنّ بعض السوريين إلى عقود ما قبل الحراك الثوري والحرب ورفع الدعم، حين كان «الأب قاسياً لكنه يطعمنا». لكنّ الأب الذي لا يطعم إلا ليُؤدِّب، لا يُسمّى راعياً، بل حارساً على قطيعٍ لا يريد له أن يكبر.
المرحلة الجديدة التي نعيشها اليوم تطرح سؤالاً أعمق من تغيير السلطة: هل نستطيع كسر العلاقة الأبوية بين الدولة والمجتمع؟ هل يمكن بناء دولةٍ لا ترى في مواطنيها أطفالاً بل شركاء؟
لن تولد سورية الجديدة من رحم سقوط «الأب» وحده، بل حين يتشارك الأبناء في صياغة عقدٍ جديدٍ، لا تكون فيه الدولة أباً ولا ابناً، بل بيتاً مشتركاً تُدار ثرواته بعدلٍ ووعيٍ ومسؤولية… أي، باختصار وبعض المجاز: عندما يشترك الابن «العاق» بولادة الأب الذي يريد.
اقرأ أيضاً: تبرير رفع سعر الكهرباء بالتكاليف: نكتة سمجة في قاموس الفشل الحكومي
—————————————————————————
يفتح موقع «سوريا اليوم 24» صفحاته لكل من يحمل رأياً ويرغب في التعبير عنه بحرّية ومسؤولية، إيماناً منا بأن الحوار هو السبيل الأمثل لفهم الواقع وصياغة المستقبل. نحن نُجري لقاءاتنا مع ضيوف من مشارب فكرية وسياسية متعددة، نستمع إليهم ونعرض ما لديهم بأمانة وموضوعية، وننقل الآراء المختلفة من مصادر متعددة. ولكن نشرنا لآرائهم لا يعني بالضرورة تبنّيها، بل يأتي في إطار رسالتنا الهادفة إلى ترسيخ ثقافة الحوار وتبادل الرؤى في فضاء من الاحترام والانفتاح.









