الدوري السوري لكرة السلة.. الأجانب يرفعون السقف فهل ترتفع البنية؟

بقلم: ريم ريّا
شهد الدوري السوري لكرة السلة، في موسمه الحالي تحولاً لافتاً في بنيته الفنية والتنظيمية. فقد سجل حضوراً غير مسبوق للمحترفين الأجانب في صفوف الأندية المنافسة. للمرة الأولى، تبدأ معظم الفرق مشوارها بثلاثة لاعبين أجانب في قوائمها، في خطوة تعكس رغبة واضحة في رفع مستوى التنافس، وكسر النمط التقليدي الذي طبع الدوري لسنوات طويلة. هذا التوجه لا يمكن قراءته بوصفه قراراً فنياً معزولاً، بل يأتي ضمن محاولة لإعادة الاعتبار للعبة، واستعادة جزء من بريقها الجماهيري والإعلامي، في ظل تراجع واضح عاشته كرة السلة السورية خلال السنوات الماضية.
استقدام الأجانب فتح الباب أمام تساؤلات أوسع، لا تتعلق فقط بجودة اللعب أو نتائج الفرق، بل تمتد إلى جوهر التجربة نفسها: هل نحن أمام دوري يسير فعلاً نحو الاحتراف، أم أن ما يجري لا يتجاوز كونه تحسيناً شكلياً ضمن بنية ما زالت شبه هاوية؟
لمحة عن الدوري السوري لكرة السلة في سوريا
انطلق الدوري السوري لكرة السلة عام 1956 ولعب 66 نسخة خلال 68 عاماً حيث توقف في مناسبتين، الأولى عام 2013 بسبب الأوضاع الأمنية وألغي عام 2020 بسبب وباء كورونا فيما سيطرت 5 فرق فقط على التتويج بلقبه تاريخياً.
يعتبر فريق الشبيبة الرياضي “الجلاء الحلبي” سابقاً، أكثر الأندية تتويجاً ببطولة الدوري السوري عبر التاريخ بـ 28 بطولة، حيث توّج في أول 23 نسخة من الدوري السوري. والتي امتدت منذ 1956 لغاية 1978.
أما ثاني أكثر الأندية تتويجاً في بطولة الدوري فهو القطب الثاني لعاصمة الشمال “أهلي حلب”، والذي حقق لقب الدوري 20 مرة في تاريخه. وانطلق تاريخ الأهلي بالتتويج في بطولة الدوري منذ عام 1979 .حيث حافظ على لقبه لمدة 15 عاماً متتالياً ليتخلى عن البطولة في عام 1994. حتى عاد إلى منصات التتويج وظَفر بلقب الدوري السوري لكرة السلة عام 2022.
اقرأ أيضاً: سيدات السلة في سوريا: لعبٌ ضد الظروف
هل دوري كرة السلة السوري دوري احتراف للأجانب فعلاً؟
بالرغم من الخطوات المهمة التي اتخذها اتحاد كرة السلة هذا الموسم، وعلى رأسها السماح بعدد أكبر من اللاعبين الأجانب واعتمد نظام تنافسي أكثر تعقيداً، إلا أن توصيف الدوري كدوري “احترافي” ما زال محل جدل ونقاش واسعين.
فالاحتراف لا يمكن قياسه فقط بعدد المحترفين داخل أرض الملعب، بل منظومة متكاملة تبدأ من العقود الواضحة والملزمة، مروراً بالاستقرار المالي للأندية، ووصولاً إلى حقوق اللاعبين والشفافية الإدارية، إلى جانب تطوير البنية التحتية والتسويق والنقل التلفزيوني.
في الواقع وبكل صراحة، لا تزال غالبية الأندية السورية تعاني من هشاشة مالية، واعتماد أقل ما يقال عنه، أنه شبه كامل على رعايات ظرفية أو دعم إداري، وهذا ما يضعف قدرتها على الالتزام بعقود طويلة الأمد، سواء مع اللاعبين المحليين أو الأجانب.
فضلاً عن غياب أو عدم ثبات للموارد، على سبيل المثال، حقوق البث أو الإعلانات وغيرها، كل ذلك يجعل الاحتراف أقرب إلى توصيف فني جزئي، لا نموذج متكامل. بناءً عليه يمكن القول إن الدوري السوري لكرة السلة يعيش مرحلة “انتقالية” إن جاز التعبير، بين الهوية والاحتراف. إذ تتقدم بعض العناصر إلى الأمام، في حين تبقى عناصر أخرى عالقة في الخلف.
وجود الأجانب رافعة فنية وتنافسية
لا يمكن إنكار الأثر المباشر الذي يتركه اللاعبون الأجانب على الناحية الفنية على مستوى المباريات. فوجود لاعبين من أصحاب الخبرة وتجربة فنية احترافية يرفع نسق اللعب، ويمنح المدربين أدوات أوسع لتنفيذ خطط تكتيكية ذات تنوع أكبر.
كما يفرض حضور الأجانب مستوى أعلى من الجدية والانضباط داخل التدريبات، وهو ما ينعكس بشكل تدريجي على أداء الفريق الجماعي. إضافةً إلى ذلك، تساهم المنافسة التي يخلقها اللاعبين الأجانب في كسر الرتابة التي كانت طاغية على بعض المباريات، إذ كانت الفوارق الفنية محدودة، والنتائج متوقعة إلى حدٍ كبير.
أما اليوم، باتت معظم المواجهات مفتوحة التوقعات على احتمالات متعددة، وهو ما يمنح الدوري السوري جرعةً إضافيةً من الإثارة والندية.
موقع اللاعب المحلي بين هاجس التطوير والاعتماد
هناك هاجس مشروع يتعلق بمصير اللاعبين المحليين في ظل هذا الزخم الأجنبي المُعول عليه. فالتجربة الناجحة لا تقوم على استبدال اللاعب المحلي بالمحترف، بل على خلق توازن يسمح بالاستفادة من خبرات الأجانب دون تهميش المواهب الوطنية. الاحتكاك اليومي مع لاعبين محترفين يمكن أن يشكل فرصة تعليمية حقيقية، ترفع من وعي اللاعب المحلي وتطوره الفني، شرط ألا يتحول إلى دور ثانوي دائم داخل الملعب.
التاريخ القريب للدوري السوري لكرة السلة، يثبت أن بعض الفرق التي اعتمدت على لاعبيها المحليين استطاعت تقديم مستويات مميزة، ما يعني أن الحل لا يكمن في استيراد الجاهز فقط، بل في الاستثمار المتوازي باللاعب المحلي، عبر التدريب، والانضباط، ومنحه الثقة والمساحة.
البعد الاقتصادي والتسويقي لتجربة الأجانب
من الناحية الاقتصادية، يراهن القائمون على لعبة السلة أن استقدام الأجانب سيعيد تحريك عجلة الاهتمام الجماهيري وكذلك الإعلامي، ما يمكن أن يفتح الباب أمام فرص تسويقية أوسع تَدر أرباحاً أكبر.
فالمباريات ذات المستوى المرتفع تجذب المشاهد، والمشاهد يجذب صاحب الإعلان، وهذه هي المعادلة الذهبية في أي مشروع احترافي. لكن تحويل هذا الزحم الجماهيري إلى عوائد مالية حقيقية ما زال مرهوناً بوجود استراتيجية وضحة تتعلق بإدارة حقوق البث، وتنظيم العلاقة بين الاتحاد والأندية، وضمان توزيع عادل للعوائد.
حتى الآن، يبدو أن الأثر التسويقي ما زال في بداياته، ويحتاج إلى وقت وإدارة أكثر احترافية كي يتحول من حالة ظرفية إلى مصدر دخل مستدام.
بالمحصلة، لا يمكن إنكار أن وجود الأجانب في دوري كرة السلة بمثابة الخطوة الجريئة والمهمة، والتي يمكن أن توصف بأنها بالاتجاه الصحيح. لكن في ذات الوقت هناك تحديات بنيوية في السلة السورية لا زالت تعيق تحوّل الدوري السوري إلى منظومة احتراف حقيقية.
ربما يرفع الأجانب السقف لكنهم لا يستطيعون بناء الأساسات. ما يجري الآن هو اختبار حقيقي لنية التطوير، فإما أن يكون استقدام الأجانب مدخلاً للإصلاح الواسع أو لا يعدو كونه محاولة تجميلية سوف تفقد بريقها عاجلاً أم آجلاً.









