المجتمع السوري

الدمج يطيل انتظار المعاملات في الحسكة.. أين تتعطل دوائر الدولة؟

بقلم: ريم ريّا

يواجه سكان في محافظة الحسكة صعوبة في إنجاز عدد من معاملاتهم الحكومية، مع استمرار إغلاق بعض الدوائر الخدمية في مدن المحافظة، بالتزامن مع خطوات دمج المؤسسات الحكومية مع المؤسسات التي كانت تديرها “قسد” في السابق. وبينما ينتظر الأهالي عودة الدوائر إلى العمل، تبقى معاملات مدنية وعقارية وقضائية معلقة، وسط تساؤلات عن الجهة التي يمكن مراجعتها لإنجازها.

ولا تتوقف المشكلة عند تأخر معاملة واحدة، إذ ترتبط بعض الوثائق بإجراءات أخرى يحتاجها المواطن في حياته اليومية، من تسجيل واقعة ولادة واستخراج وثائق الأحوال المدنية، إلى معاملات الملكية والإرث والقضايا القضائية. ومع غياب بعض الدوائر، يجد المواطن نفسه أمام أكثر من خيار، بينها الانتظار أو البحث عن بديل خارج المحافظة.

قبل نحو عامين، رزق أحد سكان مدينة الحسكة، بمولود، التي ولدت قبل سقوط النظام السابق بنحو ثلاثة أشهر. لكن والدها لم يتمكن حتى اليوم من استكمال تسجيلها بشكل رسمي، بحسب ما يقول، بسبب تعطل الدائرة التي يفترض أن تنجز معاملتها.

حاول المواطن خلال الفترة الماضية معرفة الجهة التي يمكنه مراجعتها لتثبيت واقعة الولادة، لكنه لم يصل إلى حل نهائي. ويقول إن بعض الأشخاص نصحوه بالسفر إلى دمشق لإنهاء المعاملة،وهو ما يراه مكلفاً من جميع الجوانب، خاصةً أن الأمر يتعلق بوثيقة أساسية لطفلة تحتاج إليها في المستقبل في الدراسة وغيرها من الإجراءات.

مكاتب مغلقة وإجراءات معلقة في الحسكة

تتمحور المشكلة حول مؤسسات حكومية مختلفة في مدن الحسكة والقامشلي وعامودا والدرباسية والمالكية، لم تستأنف بعد عملها المعتاد. وتشمل هذه المؤسسات السجل المدني (المعروف محلياً باسم “النفوس”)، والمحاكم المركزية، وسجلات العقارات، وغيرها من الدوائر.

ويشير المواطنون إلى أن المشكلة لا تقتصر على إغلاق المكاتب، بل تمتد لتشمل غياب المعلومات حول البدائل المتاحة أو الجهة المختصة التي يمكن التواصل معها خلال هذه المرحلة الانتقالية. حاول أحد سكان ريف الحسكة، إنجاز معاملة إدارية عائلية، لكنه لم يتمكن من إتمامها بسبب توقف الجهة المعنية عن العمل. ويلفت إلى أن المواطنين يجدون هذه المكاتب مغلقة عند وصولهم، ونادراً ما يحصلون على إجابات واضحة عند الاستفسار عن مواقع بديلة لإنجاز المعاملات، ويضيف أن البعض يطلب منهم الانتظار، بينما ينصح آخرون بالسفر إلى دمشق.

ويرى أن الانتظار يتحول إلى مشكلة جدية عندما تكون المعاملة مرتبطة بوثائق أخرى أو مواعيد نهائية محددة، إذ لا يملك المواطنون أي وسيلة لمعرفة موعد إعادة فتح المكتب أو المكان الذي يمكنهم فيه إنجاز معاملاتهم في غضون ذلك.

اقرأ أيضاً: لقاء الشرع وعبدي يضع اتفاق الدمج أمام التنفيذ

السجل العقاري يزيد من تعقيد الموقف

تتجلى آثار عمليات الإغلاق هذه بوضوح في السجل العقاري، نظراً لأن إجراءاته تمس حقوق الملكية، وعمليات البيع، والميراث، ونقل الملكية. ويذكر أحد سكان الحسكة، أنه لم يتمكن من إتمام إجراء يتعلق بعقار عائلي لأن الدائرة المعنية لا تزال متوقفة عن العمل.

ويقر بأن وجود مرحلة انتقالية أمر مفهوم، إلا أن تعليق الخدمات دون وجود آلية مؤقتة يخلق معضلة حقيقية لأصحاب الحقوق، لا سيما عندما تعتمد إجراءات أخرى على وثائق عقارية أو سجلات رسمية. ويضيف أن السفر إلى دمشق أو محافظة أخرى لإنجاز معاملات معينة ليس خياراً بإمكان الجميع، نظراً لتكاليف النقل والإقامة، إضافةً إلى الوقت الذي يتعين على المواطنين تخصيصه لمتابعة معاملاتهم.

لا يقتصر التأخير في الإجراءات الإدارية على السجل العقاري، بل يمتد ليشمل المسائل المتعلقة بالمحاكم والسجل المدني أيضاً. يشير أحد المواطنين إلى أن الإجراءات القضائية تتطلب وجود جهة تواصل واضحة للمواطنين أو وكلائهم القانونيين، لا سيما وأن القضايا تنطوي على ملفات ومواعيد جلسات وحقوق لا يمكن تركها معلقة دون مصير معلوم. وفيما يتعلق بالسجل المدني، تشمل الإجراءات تسجيل المواليد والوفيات وعقود الزواج وحالات الطلاق، إضافةً إلى إصدار الشهادات والوثائق الرسمية؛ وهي أمور لا غنى للمواطنين عنها لفترات طويلة.

تتلخص المسألة في سؤال واحد.. أين يمكنه تسجيل حديثي لولادة؟

المواطنون في الحسكة يريدون ببساطة معرفة الجهة المسؤولة، والمستندات المطلوبة، والإطار الزمني لإتمام معاملة تسجيل حديثي الولادة على الأقل، دون الخوض في تفاصيل التغييرات الإدارية التي شهدتها المحافظة.

بدأت عملية دمج المؤسسات الحكومية مع تلك التي كانت تدار سابقاً من قبل “قوات سوريا الديمقراطية”  عقب اتفاق 29 كانون الثاني 2026، الذي نص على دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية ضمن هياكل الدولة. ورغم أن إجراءات الدمج بدأت بشكل تدريجي، إلا أن العمليات لم تستأنف بنفس الوتيرة في جميع القطاعات، مما أدى إلى توقف العديد من الإجراءات الإدارية.

ويرى المراقبون أن إعادة تفعيل هذه المؤسسات تتطلب ما هو أكثر من مجرد فتح أبوابها، إذ تستلزم تنظيم خطوط القيادة، وشؤون الموظفين، والملفات والسجلات، فضلاً عن تحديد الصلاحيات وإجراءات العمل. ويؤكد بعضهم أنه نظراً لعدم إشراك المواطنين في هذه الاتفاقيات الإدارية، فلا ينبغي تركهم دون جهة تواصل واضحة لمتابعة شؤونهم. وهناك اقتراح من بعض الناشطين، أن تقترن عملية الدمج بحلول مؤقتة للإدارات التي لم تستأنف عملها بعد، مع تحديد واضح للجهات المسؤولة عن أنواع محددة من الإجراءات، وضمان الشفافية في التواصل بشأن الخطوات التي يتعين على المواطنين اتخاذها.

ختاماً، في في انتظار اكتمال عملية الدمج، تظل التحديات اليومية التي يواجهها سكان الحسكة أبسط بكثير من التعقيدات الإدارية المصاحبة، فالمواطنون يريدون ببساطة معرفة الأماكن التي يجب التوجه إليها، والجهات التي ستتولى إنجاز معاملاتهم، وموعد استلام وثائقهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى