الدليل البريطاني للاستثمار في سوريا .. ضوء أخضر مشروط!

الكاتب: ديانا الصالح
أثار الدليل البريطاني للاستثمار في سوريا الصادر مؤخراً عن وزارة الخارجية والتنمية في المملكة المتحدة، موجة جدل واسعة لما فيه من وعود بانخراط جديد للشركات البريطانية الاستثمارية للنهوض بالواقع السوري بعد سنوات من الانقطاع والعزلة، وفي هذا السياق تثور عدة تساؤلات هامة: هل يعتبر الدليل ضوءاً أخضراً نحو الانخراط الفعلي أم أن هناك شروطاً وقيوداً جديدة؟ وماذا عن الفرص الاستثمارية المتاحة؟
للمزيد من التفاصيل، تابع مقالنا التالي..
الدليل البريطاني للاستثمار في سوريا
تترجم وزارة الخارجية والتنمية البريطانية من خلال إصدارها الدليل الاستثماري في سوريا، التحول المشروط لسياستها تجاه دمشق، مع مراعاة ضرورة الموازنة بين الأهداف الاستثمارية من جهة والإطار القانوني الخاص بالعقوبات المفروضة ومكافحة الإرهاب من جهة أخرى.
أما بالنسبة للمرونة السياسية البريطانية تجاه الحكومة السورية، يمكن ملاحظتها بقراراتها المتتالية بعد سقوط سلطة الأسد، حيث رفعت جزءاً كبيراً من القيود المفروضة على قطاعات التجارة والنقل (الطيران)، إضافة إلى قطاعي التمويل (المالية) والطاقة، كما أزالت اسم الرئيس السوري أحمد الشرع و”هيئة تحرير الشام” من قائمة الإرهاب، ما يُعتبر دفعاً أولياً لعجلة إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.
على الرغم من ذلك، فإن تخفيف العقوبات البريطانية على سوريا لا يعني العودة للأعمال الاستثمارية في سوريا بشكل مطلق، بل هناك شروط محفوفة بالمخاطر، بالتالي يُحمّل الدليل البريطاني للاستثمار في سوريا المستثمر كامل مسؤولية الاستثمار وتبعاته، دون تقديم أي ضمانات.
بمعنى آخر تقع مسؤولية الالتزام بالإطار القانوني وعدم تجاوز الخطوط الحمراء الموضحة ضمن القيود والعقوبات المتبقية على المستثمرين بشكل مباشر ما يعرّضهم للعقوبة والمساءلة القانونية، وفي هذا السياق نذكر بقية القيود المفروضة، التي تشمل:
- تجميد أصول عدد من الأفراد والكيانات المُدرجة ضمن قائمة العقوبات
- حظر أسلحة الدمار الشامل إلى جانب المعدات والتقنيات الخاصة بالقمع الداخلي.
- القيود المفروضة على التجارة بالذهب والمعادن الثمينة.
- حظر بيع خدمات وتقنيات المراقبة للسلطات السورية
وعلى ذلك، يمكن اعتبار الموقف البريطاني بمثابة المسار الوسط، أي أنها تسمح للاستثمار ولكن لا تتحمل مسؤولية النتائج مهما كانت، لذلك تحثّ الشركات الاستثمارية على تحديد المخاطر المحتملة وتقييمها مع ضرورة وضعها لضمانات وضوابط تتماشى مع البيئة السورية، كبروتوكولات الامتثال ومكافحة الإرهاب.
كما أنها أكدت ضرورة الالتزام وعدم تجاوز قانون العقوبات، مع مراعاة ضوابط التصدير، ومبادئ مكافحة غسيل الأموال، فضلاً عن تحديدها مسارات الترخيص، لا سيّما التراخيص العامة إضافة إلى الإعفاءات الإنسانية.
الفرص الاستثمارية
يقدم الدليل البريطاني للاستثمار في سوريا الفرص الاستثمارية المتاحة أمام المستثمرين من منظور الحاجة السورية الماسة بعد سنوات من الحرب المدمرة، حيث ترتكز الإمكانات الواعدة في عدد من قطاعات الخدمات الأساسية، ويأتي في مقدمتها البنية التحتية المنهارة كالسكن وخدمات الماء والكهرباء، وقطاع الرعاية الصحية الذي يعاني من أزمة نقص حادة في المعدات والمرافق.
كما يتيح الدليل البريطاني للاستثمار في سوريا إمكانية انخراط الشركات البريطانية في مجالات الخدمات المالية والمصارف، والعمل على تقديم الاستشارات لدفع عجلة التعافي للأنظمة المصرفية المدمرة، مع فتح الباب لانخراط الشركات في مجالات الطاقة والسعي نحو المشاركة في التحول المستدام.
بريطانيا والاستثمارات الخارجية المباشرة
تُظهر بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية أهم مجالات الاستثمار البريطاني المباشر في الخارج خلال الفترة ما بين 2020-2023، والتي تعد من أهم محركات الأرباح الاستثمارية البريطانية الخارجية وهي قطاعات التعدين والمحاجر إصافة إلى التصنيع والخدمات المالية فضلاً عن قطاع التجزئة والنقل مع الدعم المهني.
وسجلت استثمارات الشركات البريطانية الخارجية تراجعاً ملموساّ خلال عام 2023، حيث انخفضت بمقدار 51.2 مليار جنيه إسترليني، لتبلغ 1,853.6 مليار جنيه إسترليني، مقارنة بعام 2022 الذي سجلت فيه نمواً جيداً يصل إلى 1,904.8 مليار جنيه إسترليني.
أما بالنسبة لأرباح الشركات البريطانية من الاستثمارات الخارجية خلال سنة 2023، فقد سجلت تراجعاً ملحوظاً يُقدر بقيمة 29.8 مليار جنيه إسترليني، لتبلغ 150مليار جنيه إسترليني، مقارنة بسنة 2022 التي وصلت فيها الأرباح إلى 179.8 مليار جنيه إسترليني.
فيما كانت حصة التراجع الأكبر من نصيب قطاعي المحاجر والتعدين، حيث تراجعت الأرباح الصادرة بقيمة 37.5 مليار جنيه إسترليني، وذلك يعود إلى الانخفاض الكبير بأسعار المنتجات النفطية خلال عام 2023، مقارنة بارتفاع الأسعار المرافق لعام 2022 بعد الحرب الروسية الأوكرانية، كما سجل قطاع التصنيع أيضاً انخفاضاً ملحوظاً في قيمة الأرباح الصادرة بمقدار 4.4 مليار جنيه إسترليني.
بالتالي أدى تراجع أرباح الاستثمارات الخارجية إلى انخفاض صافي الأرباح الاستثمارية الأجنبية المباشرة لبريطانيا، لتسجل 43.1 مليار جنيه إسترليني خلال سنة 2023، بالمقارنة مع عام 2022 التي سجلت الضعف تقريباً حيث وصلت إلى 81.9 مليار جنيه إسترليني.
في المقابل ارتفعت أرباح الاستثمارات الصادرة في عام 2019 بشكل ملحوظ، حيث بلغت 194.4 مليار جنيه إسترليني مقارنة بعام 2018، لتتجاوز بذلك ارتفاع الاستثمارات الواردة.
ختاماً، يتضح أن وزارة الخارجية والتنمية في الممكلة المتحدة تتعامل بحذر شديد يترجمها الدليل البريطاني للاستثمار في سوريا، عبر شروطها وتحميلها نتائج ومخرجات هذه التعاملات للمستثمر بشكل كامل، برأيك هل يحدّ ذلك من رغبة المستثمرين في الانخراط بالبيئة السورية؟
اقرأ أيضاً: ماذا يعني أن تتحول سوريا إلى “مركز مالي” في الشرق الأوسط؟









