مقابلات

الدكتور محمد أبو زيد في «كاجوال»: الإسلام بين الشورى وحرية المعتقد وفقه الواقع

تحرير: هلا يوسف

استضاف بودكاست “كاجوال” على موقع “سوريا اليوم 24“، بإدارة الأستاذ عروة درويش، الأستاذ الدكتور محمد أبو زيد، الباحث في الشريعة والشؤون الإسلامية والفقهية، وصاحب عدد من المؤلفات، من أبرزها وأحدثها مؤلفه الجدلي الأخير: “حال البشرية في الآخرة بين رحمة الله وغضبه”.

تناولت المقابلة مجموعة واسعة من القضايا الفقهية والفكرية المعاصرة، بدءاً من مفهوم التطرف الديني في الواقع الإسلامي، مروراً بمفهوم الولاء والبراء، وصولاً إلى قضايا الدولة والدستور وحرية المعتقد والمواطنة في الإسلام. وفيما يلي عرض تفصيلي لأبرز ما جاء في الحلقة من أفكار وتوضيحات الأستاذ الدكتور محمد أبو زيد.

التطرف الديني ومفهوم الولاء والبراء

بدأ المحاور عروة درويش بالإشارة إلى الواقع السوري، وما يثار حول وجود تيارات دينية متطرفة، وبعض الشيوخ المرتبطين بها، ممن يصدرون فتاوى عقائدية تؤثر في سلوك أتباعهم. كما أشار إلى أن بعض هؤلاء قد يشغلون مواقع داخل الدولة، أو يملكون قدرة على التأثير في المجال العام، ويستخدمون مفهوم «الولاء والبراء» بمعنى يربط الإيمان بوجوب موالاة المسلم والبراءة من غير المسلم، بل يصل أحياناً إلى الدعوة إلى عدم التعامل مع غير المسلم. ومن هنا طرح السؤال عن موقف الشريعة الإسلامية من هذا الفهم.

أجاب الدكتور محمد أبو زيد بأن التطرف، في أصله، ظاهرة سلوكية موجودة في المجتمعات البشرية كلها، إذ لا يوجد مجتمع متجانس بالكامل. فداخل كل مجتمع توجد درجات مختلفة من التشدد والاعتدال، كما يمكن أن تظهر النزعات المتطرفة في الدول، والأحزاب السياسية، والجماعات الدينية على حد سواء. غير أن الخطورة، بحسب أبو زيد، لا تكمن في وجود المتطرفين بحد ذاته، بل في وصولهم إلى مواقع التأثير وصنع القرار. أما إذا ظلوا بعيدين عن مراكز القوة، فإن أثرهم يبقى أقل خطورة. وأكد في هذا السياق أنه لا يعلم بوجود متطرفين يشغلون مناصب في الدولة السورية اليوم.

ثم انتقل الدكتور محمد أبو زيد إلى شرح مفهوم «الولاء»، موضحاً أنه مفهوم قديم مرتبط بالهوية العقائدية، ويعني القرب والمحبة. وأساسه، في التصور الإسلامي، محبة الله ومحبة المؤمنين. وهذا المعنى، في أصله، لا يثير إشكالاً، سواء عند المسلمين أو عند أتباع الديانات الأخرى، إذ يميل كل إنسان عادة إلى محبة أبناء دينه أو جماعته الإيمانية.

لكن الإشكال يبدأ، كما يوضح أبو زيد، عندما يُفهم «الولاء» بطريقة سياسية أو إقصائية، تنكر على المواطنين المسالمين حقهم في الانتماء الوطني المشترك. فالولاء ليس مفهوماً واحداً بسيطاً، بل له مستويات متعددة، منها الولاء القلبي، والولاء القولي، والولاء العملي. ولا يمكن إصدار حكم واحد على هذه المستويات كلها، لأن الحكم يختلف باختلاف القصد والسياق والأثر.

وفي هذا السياق، يوضح أبو زيد أن بعض الشباب يخلطون بين هذه المستويات، فيعدّون مجرد محبة غير المسلم خروجاً من الدين، بينما قد تكون هذه المحبة طبيعية أو فطرية أو «جِبلّية»، كما وصفها ابن تيمية. فقد يحب الإنسان غير المسلم لحسن جواره، أو لإحسانه، أو لجمال خلقه، أو لعلاقة إنسانية مباشرة، وهذا لا يعني أنه والاه دينياً أو خرج من عقيدته.

كما يوضح أن «الولاء العملي»، أي القيام بأعمال لصالح غير المسلم، لا يحمل حكماً واحداً في كل الحالات. فقد يكون الفعل بدافع دنيوي، أو مصلحة شخصية، أو خوف، أو رغبة في حماية النفس أو الأقارب، ولا يكون بالضرورة نصرة لدين آخر. ولذلك لا يمكن الحكم بالخروج من الإسلام إلا إذا كان القصد واعياً ومباشراً في نصرة دين آخر على الإسلام.

ويستشهد الدكتور محمد أبو زيد في هذا السياق بحادثة الصحابي حاطب بن أبي بلتعة، حين أرسل كتاباً إلى قريش قبيل فتح مكة. ورغم خطورة الفعل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم بكفره، بعدما بيّن حاطب أنه لم يقصد نصرة الشرك، بل أراد حماية أهله في مكة. فقبل النبي عذره، ما يدل على أن الحكم لا يبنى على ظاهر الفعل وحده، بل على القصد والسياق أيضاً.

وينسحب الأمر نفسه على الأقوال، إذ ليست كل عبارة مدح أو مديح لغير المسلم دليلاً على تبني دينه أو عقيدته. فقد تقال بعض العبارات في سياق فني أو شعري أو جمالي، لا في سياق عقدي. ويضرب أبو زيد مثالاً ببعض الأعمال الفنية أو الشعرية التي غنتها فيروز، موضحاً أن فهم القول يحتاج إلى معرفة سياقه، لا إلى اقتطاعه وتحميله معنى عقائدياً مباشراً.

ثم ينتقل الدكتور محمد إلى تفسير النصوص القرآنية المتعلقة بالعلاقة مع غير المسلمين، مؤكداً أن إشكال المتطرفين أنهم يأخذون آيات نزلت في سياقات الحرب والصراع، ثم يعممونها على كل زمان ومكان، من دون التمييز بين حالة الحرب وحالة السلم. في المقابل، يحتوي القرآن أيضاً على نصوص واضحة تتعلق بالمسالمين، ومنها قوله تعالى: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم».

كما يستحضر قوله تعالى: «لا إكراه في الدين»، للدلالة على أن الإسلام يقر مبدأ عدم الإكراه، ويفتح باب البر والإحسان مع المسالمين، ولو كانوا من غير المسلمين أو من خارج الجماعة الدينية للمسلم.

ويشرح أبو زيد كذلك قوله تعالى: «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن»، مبيناً أن وصف «أهل الكتاب» يحمل معنى الاعتراف والتكريم، ولا يقوم على التقليل أو الإلغاء. كما أن الخطاب القرآني هنا لا يكتفي بالأمر بالجدال بالحسنى، بل يحدد أيضاً مضمون الخطاب بقوله: «وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون». وهذا، بحسب أبو زيد، خطاب توافقي يركز على المشتركات العامة، ولا يبدأ من نقاط الصدام العقائدي.

ويضيف الدكتور محمد أبو زيد أن هذا المنهج ليس نفاقاً ولا مجاملة فارغة، بل هو طريقة قرآنية في إدارة التعايش. فهو يقر بوجود الاختلاف العقائدي، لكنه لا يحوله إلى صراع دائم داخل المجتمع. ومن هنا، لا يمكن فهم القرآن من خلال آيات منفصلة عن سياقها، لأن النص القرآني يجمع بين أحكام الحرب وأحكام السلم، وبين التعامل مع المعتدي والتعامل مع المسالم.

ومن هنا يشدد أبو زيد على أهمية «التفسير الموضوعي»، أي جمع النصوص المتعلقة بموضوع واحد وقراءتها معاً، حتى يتشكل الفهم الكامل للمسألة. فهذه مهمة العلماء وأهل الاختصاص، وليست عملاً يمكن أن يقوم به أفراد غير مؤهلين يقتطعون النصوص ويصدرون الأحكام على الناس.

وفي سياق متصل، يوضح الدكتور محمد أبو زيد أن الإسلام أباح الزواج من أهل الكتاب، وهذا الحكم يعكس وجود مستوى من القبول الاجتماعي والتداخل الإنساني. فالزواج لا يخلق علاقة فردية فقط، بل ينتج عنه نسب ومصاهرة وروابط عائلية، تجعل أهل الكتاب جزءاً من النسيج الاجتماعي اليومي، وتفرض قدراً من التواصل والبر والتعايش داخل المجتمع الواحد.

ويختم أبو زيد هذا المحور بالتأكيد على أن بعض الشباب يسيئون فهم مفهوم «الولاء والبراء» عندما يحولونه إلى أداة لصناعة الصراع داخل المجتمع. فالإسلام، في فهمه المنضبط، يقر التعايش مع المواطن المسالم، بغض النظر عن دينه، ما دام شريكاً في الوطن وغير معتدٍ على المجتمع. ومن ثم، فإن العلاقة مع غير المسلم لا تُبنى على القطيعة المطلقة، بل على التمييز بين الاعتقاد الديني من جهة، والمواطنة والبر والعدل والتعامل الإنساني من جهة أخرى.

الدستور والشريعة والدولة في الإسلام

ثم ينتقل النقاش إلى موضوع الدساتير الحديثة، حيث يردّ الدكتور أبو زيد على الاعتراض الذي يطرحه بعض الرافضين للدساتير الوضعية، بدعوى أن «الحكم لله» وحده. ويوضح أن الإسلام عرف شكلاً مبكراً من التنظيم الدستوري منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، من خلال ما يُعرف بـ«صحيفة المدينة».

فقد نظّمت هذه الصحيفة العلاقات داخل مجتمع المدينة المنورة، الذي كان يضم الأوس والخزرج واليهود والمسلمين، وسعت إلى إنهاء الصراعات الداخلية، وتأسيس وحدة جغرافية وسياسية تقوم على معنى «الوطن»، لا على العصبية القبلية وحدها.

ويشرح الدكتور محمد أن هذه الوثيقة تضمنت نحو 47 مادة، من أبرزها اعتبار المسلمين واليهود وجميع أهل المدينة «أمة واحدة من دون الناس»، وضمان النصرة للمظلوم، ورفض حماية المجرمين، وتنظيم العلاقة بين مكونات المجتمع على أساس الحقوق والواجبات، مع احترام التعدد الديني داخل إطار الدولة.

كما تضمنت الصحيفة اعترافاً بحقوق أهل الكتاب، وحرية ممارسة شعائرهم، وعدم الاعتداء على أماكنهم الدينية، بما يعكس تصوراً مبكراً لمعنى المواطنة والتعدد داخل مجتمع سياسي واحد.

ويؤكد الدكتور محمد أبو زيد أن الحاكم في التصور الإسلامي ليس إلهاً ولا معصوماً، بل هو وكيل عن الأمة في تطبيق الشريعة، وقابل للمساءلة والتصويب. ويستشهد في هذا السياق بآيات قرآنية عاتبت النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الاجتهادات، ومنها حادثة «عبس وتولى»، للدلالة على أن السلطة ليست مقدسة، وأن مبدأ المراجعة والتصحيح حاضر حتى في التعامل مع أعلى سلطة دينية في الإسلام.

ويختم الدكتور محمد أبو زيد هذا المحور بالتفريق بين «الدولة الدينية» بالمعنى الغربي، التي تقوم على احتكار السلطة باسم الإله، وبين الدولة في التصور الإسلامي، التي تقوم على الوكالة والتكليف والرقابة المجتمعية. ويرى أن الخلط بين المفهومين أدى إلى سوء فهم واسع، لأن النظام الإسلامي يختلف جذرياً عن نموذج الحكم الكنسي الذي عرفته أوروبا في العصور الوسطى.

ثم يعود الدكتور محمد أبو زيد إلى الحديث عن دستور المدينة، موضحاً أن المرجعية فيه كانت لله ورسوله. وينتقل من ذلك إلى قضية التحاكم إلى الشريعة، مبيناً أن التطرف في فهم هذا المبدأ أدى إلى مآسٍ تاريخية دفعت الأمة ثمنها مبكراً، منذ مقتل الخليفة عثمان بن عفان، ثم مقتل الخليفة علي بن أبي طالب، وما تبع ذلك من تشكل الفرق واندلاع الاقتتال بين المسلمين حول قضية التحاكم.

ويقول الدكتور محمد أبو زيد إن كل إنسان يرغب في أن يكون دينه حاضراً في حياته، ولذلك لا يُعدّ عيباً أن يتحاكم المسلم إلى الشريعة، كما لا يُعدّ عيباً أن يتحاكم المسيحي إلى دينه. فهذه، في الأصل، حقوق دينية وإنسانية، ويمكن لفكرة المواطنة نفسها أن تطمئن الناس إلى حقهم في ممارسة معتقداتهم والاحتكام إلى قناعاتهم الدينية ضمن إطار منظم.

لكن الإشكال، بحسب الدكتور محمد أبو زيد، لا يكمن في مبدأ الشريعة ذاته، بل في فهم الشريعة، وفهم الواقع، ومعرفة الطريقة الصحيحة لتركيب الشريعة على الواقع. فهذه المسألة تحتاج إلى علم، وإدراك للسياق، وتمييز بين ما يمكن للفرد القيام به، وما يحتاج إلى سلطة ونظام ودولة.

ويشرح أن الشريعة، في مسائل التطبيق، تراعي أمرين أساسيين: «الثابت والمتغير»، و«حال القوة وحال الضعف». فهناك عبادات تحتاج إلى التقوى والالتزام الفردي فقط، مثل الصيام والزكاة، وهذه لا تحتاج إلى سلطة سياسية أو قوة تنفيذية، بل إلى إيمان الفرد ومسؤوليته الدينية.

في المقابل، هناك مسائل أخرى، ومنها الحكم بما أنزل الله، تحتاج إلى قوة وسلطة ونظام. ويضرب مثالاً بشخص يسرق منه جاره، فيقرر أن يعاقبه بنفسه لأنه يعتقد أن الله أمر بمعاقبة السارق، ثم يعود وقد تعرض للضرب لأن السارق أقوى منه. هنا يقال له إن هذا النوع من الأحكام ليس من عمل الأفراد، بل يحتاج إلى سلطة قادرة على التحقيق، وإثبات الجريمة، وتنفيذ العقوبة ضمن نظام عام.

ومن هنا يؤكد محمد أبو زيد أن تطبيق الشريعة، في مستواه التنفيذي العام، من المسائل التي تحتاج إلى دولة وقوة ونظام، لا إلى تصرفات فردية معزولة. فالشريعة، في هذا المعنى، لا تُختزل في ردات فعل شخصية، بل تحتاج إلى مؤسسة تضبط الفهم والتطبيق وتحفظ الحقوق وتمنع الفوضى.

اقرأ أيضاً: مشروع “جسور”: 64 جلسة حوارية تبحث العقد الاجتماعي واللامركزية والثقة الوطنية

حرية المعتقد والتعايش والكفاءة في الدولة الإسلامية

يتحدث الدكتور محمد أبو زيد عن العوائق التي قد تواجه تطبيق الشريعة، موضحاً أن هذه العوائق ليست من نوع واحد، بل تنقسم إلى عوائق خارجية وأخرى داخلية.

فعلى مستوى العوائق الخارجية، يشرح أبو زيد أن العالم اليوم أصبح شديد الترابط، ولم تعد أي دولة قادرة على التحرك بمعزل كامل عن محيطها الدولي. ولذلك، فإن أي محاولة لتطبيق الشريعة قد تواجه ضغوطاً خارجية، أو حصاراً اقتصادياً، أو عقوبات دولية، أو قوانين من نوع «قانون قيصر». ومن هنا، لا يكفي طرح المبدأ من الناحية النظرية، بل لا بد من دراسة الواقع، ومعرفة قدرة الدولة على المواجهة، وحساب النتائج السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهذه، بحسب أبو زيد، مسائل يقررها السياسيون وأهل الخبرة، لا الأفراد المتحمسون أو غير المختصين.

أما على مستوى العوائق الداخلية، فيوضح الدكتور محمد أبو زيد أن المشكلة قد تكون في أن الشعب نفسه لا يريد هذا الشكل من الحكم، أو لا يقبل تطبيقه في لحظة معينة. والحاكم، في النهاية، نائب عن الأمة أو الشعب، فإذا كانت الأغلبية لا تريد هذا المسار، فلا يجوز فرضه عليها بالقوة، لأن ذلك لا يؤدي إلى الاستقرار، بل يفتح باب الفتن والاقتتال الداخلي.

ويضرب أبو زيد مثالاً على فكرة العجز وعدم القدرة بما ذكره ابن تيمية عن النجاشي، ملك الحبشة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. فقد دخل النجاشي في الإسلام، لكنه لم يستطع أن يطبق كثيراً من الشرائع، لأن قومه لم يقبلوا بذلك، ولم يكونوا مستعدين لطاعته في هذا الأمر.

ويستحضر الدكتور محمد ما أورده ابن تيمية في «مجموع الفتاوى»، حيث بيّن أن النجاشي، رغم إسلامه، كان ملكاً على قوم من النصارى، ولم يطعه منهم في الدخول في الإسلام إلا عدد قليل. ولذلك، عندما مات، لم يصلّ عليه أحد من قومه، فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الغائب، وقال: «مات أخوكم فصلوا عليه».

كما نقل ابن تيمية أن النجاشي لم يكن قادراً على تطبيق كثير من شرائع الإسلام، فلم يهاجر، ولم يجاهد، ولم يحج، بل روي أنه لم يكن يتمكن من إظهار بعض الشعائر كالصلاة أو الصيام أو الزكاة بالصورة المعروفة، لأن قومه كانوا سينكرون عليه ذلك. ومع ذلك، يرى ابن تيمية أن النجاشي من أهل الجنة، لأنه فعل ما استطاع إليه سبيلاً، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها.

ثم ينتقل الدكتور محمد أبو زيد إلى قصة النبي يوسف عليه السلام، الذي تولى منصباً تنفيذياً في دولة لا تحكم بشريعة يعقوب. ويوضح أن يوسف عليه السلام لم يكن قادراً على تطبيق كل ما يريد، حتى في قصة أخيه اضطر إلى التعامل مع النظام القائم بطريقة تراعي حدود الممكن، وأن يحتكم إلى قانون يعقوب بصورة غير مباشرة حتى يستطيع إبقاء أخيه عنده.

ومن هذين المثالين، يؤكد أبو زيد أن التكليف الشرعي مرتبط بالاستطاعة، وأن تحميل الناس ما لا يقدرون عليه لا ينتج تطبيقاً صحيحاً للدين، بل يفتح الباب أمام المشقة والاضطراب. فالشريعة لا تنفصل عن القدرة، ولا عن شروط الواقع، ولا عن تقدير المآلات.

ثم ينتقل الدكتور محمد أبو زيد إلى قضية حرية التدين والمعتقد، موضحاً أن احترام حرية التدين لا يقتصر على أهل الكتاب فقط، بل يشمل كل إنسان مسالم. ويربط ذلك بدستور المدينة، الذي لم يكن يضم المسلمين واليهود وحدهم، بل كان يضم أيضاً مشركين داخل المجتمع السياسي الواحد.

ويستشهد أبو زيد بقوله تعالى: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم»، موضحاً أن الآية لم تحدد ديناً بعينه، بل جعلت معيار التعامل هو السلم وعدم الاعتداء. فمن لم يقاتل المسلمين في دينهم، ولم يخرجهم من ديارهم، فالأصل في التعامل معه هو البر والقسط، لا العداء والقطيعة.

كما يؤكد أن التعدد والاختلاف جزء من السنن الإلهية في الاجتماع البشري، مستشهداً بقوله تعالى: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم»، وبقوله تعالى: «ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين». وبذلك، لا يكون الاختلاف الديني سبباً لإلغاء الآخر، بل واقعاً ينبغي تنظيم العلاقة معه على أساس العدل والبر والسلم.

ويشير محمد أبو زيد إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قدّم نموذجاً عملياً لهذا التعايش. فقد احتاج إلى طعام، فاستدان من يهودي، وترك درعه رهناً عنده، وتوفي قبل أن يسترده. وهذا يدل، بحسب أبو زيد، على وجود تعامل اجتماعي واقتصادي طبيعي داخل المجتمع، لا على حالة قطيعة دائمة بين المسلمين وغيرهم.

ويؤكد أبو زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يردم الفجوات بين مكونات المجتمع، لأن أي فراغ داخلي أو انقسام اجتماعي قد يتحول إلى نقطة ضعف يستفيد منها العدو الخارجي. ولذلك، كان بناء المجتمع السياسي في المدينة قائماً على تنظيم العلاقة بين المكونات المختلفة، لا على دفعها إلى الصدام المستمر.

وفي هذا السياق، يشير الدكتور محمد إلى أن دستور المدينة نص على أن «لليهود دينهم وللمسلمين دينهم»، بما يعني الاعتراف بالتعدد الديني داخل الإطار السياسي العام. كما يوضح أن التشاركية السياسية كانت حاضرة في التجربة الإسلامية الأولى، وأن ما يسمى اليوم بالديمقراطية يقابله في التصور الإسلامي مبدأ «الشورى».

ويستشهد أبو زيد بغزوة أحد، حيث شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، ونزل عند رأي الأغلبية بالخروج، رغم أن النتيجة كانت صعبة على المسلمين. ومع ذلك، لم يُلغَ مبدأ الشورى بعد الخسارة، بل نزل قوله تعالى: «فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر». وهذا يدل، بحسب أبو زيد، على أن الشورى ليست مبدأ مؤقتاً يسقط عند الخطأ، بل قاعدة في إدارة الشأن العام، حتى عندما تكون النتائج قاسية.

ويؤكد الدكتور محمد أبو زيد أن الإسلام يقوم على الشورى، والاستشارة، والرجوع إلى أهل الذكر والخبرة. ولا يشترط، في كل مجال من مجالات الخبرة، أن يكون صاحب الرأي مسلماً، لأن المعيار هنا هو المعرفة والكفاءة والقدرة على تقديم الرأي الصحيح. فإدارة الدولة لا تقوم على الحماسة وحدها، بل تحتاج إلى أهل اختصاص في السياسة والاقتصاد والإدارة والحرب والعمران وسائر شؤون الحياة.

كما يوضح أن الشريعة تفرّق بين «الثابت» و«المتغير». فالعقائد والعبادات الكبرى من مجال الثوابت، أما السياسة والحرب والإدارة وشؤون الدولة فهي من المجالات التي تتغير بحسب الزمان والمكان والقدرة والمصلحة. ولذلك، لم تأت الشريعة بتفاصيل جامدة لكل شأن من شؤون الحكم والإدارة، بل جاءت بقواعد عامة مرنة، مثل الشورى، والعدل، والاجتهاد، ورد الأمر إلى أهله.

ويرى أبو زيد أن الإسلام لو وضع تفاصيل نهائية جامدة لكل شيء قبل 1400 سنة، لما بقي صالحاً لكل زمان ومكان. ومن هنا جاءت مرونة الشريعة في المسائل المتغيرة، حتى تظل قادرة على التعامل مع الوقائع الجديدة، من دون أن تفقد أصولها الكبرى.

وفي مسألة المناصب العامة، يوضح الدكتور محمد أبو زيد أن هناك مناصب دينية مرتبطة بدين الدولة، وهذه من الطبيعي أن يتولاها أهلها. أما بقية المناصب الإدارية والسياسية والفنية، فالأصل فيها هو الكفاءة والثقة والقدرة على أداء المهمة.

ويستشهد أبو زيد بأن النبي صلى الله عليه وسلم استعان في الهجرة بدليل مشرك، لأنه كان الأكفأ والأوثق في هذا المجال. كما يشير إلى أن الإمام أحمد وابن تيمية تحدثا عن تقديم الشخص الكفء في بعض مواقع العمل العام، حتى لو لم يكن الأكثر تديناً، إذا كانت المصلحة العامة تحتاج إلى خبرته وقدرته.

كما يستحضر قوله تعالى على لسان ابنة شعيب: «إن خير من استأجرت القوي الأمين»، موضحاً أن معيار الإدارة والحكم يقوم على الجمع بين القوة والأمانة. فالقوة هنا تعني القدرة والكفاءة والخبرة، والأمانة تعني الثقة والنزاهة وحفظ المسؤولية. ولذلك، لا يمكن إدارة الدولة بمجرد الشعارات، بل لا بد من أهل قدرة وأمانة في مواقعهم المناسبة.

ويضيف أبو زيد أن الدول الإسلامية، عبر التاريخ، استعانت بغير المسلمين في كثير من المناصب والوظائف، لأن إدارة الدولة تحتاج إلى خبرات متعددة، ولأن المواطنة لا تُختزل في الانتماء الديني وحده.

أما في مسألة الانتماء إلى الأمة أو الوطن، فيوضح الدكتور محمد أبو زيد أنه لا يوجد تعارض ضروري بينهما. فالأمة رابطة دينية، والوطن رابطة جغرافية وسياسية، ولكل منهما حقوق وواجبات. ويؤكد أن المواطن له حقوقه الكاملة داخل وطنه، بغض النظر عن دينه، ما دام جزءاً من المجتمع السياسي، ملتزماً بالسلم العام وغير معتدٍ على الآخرين.

ويختم الدكتور محمد أبو زيد حديثه بالتأكيد على أن الإسلام يوازن بين الأمة والوطن، وبين الدين والدولة، وبين الثابت والمتغير، وبين المثال والواقع. فلا يصح اختزال الشريعة في رغبة فردية في الفرض والقسر، كما لا يصح عزلها عن مقاصدها في العدل والرحمة وحفظ المجتمع ومنع الفتنة.

وبذلك، تكشف مقابلة الدكتور محمد أبو زيد في بودكاست «كاجوال» عن رؤية تقوم على قراءة النصوص ضمن سياقاتها، مع التأكيد على التعايش، والمواطنة، والشورى، وحرية المعتقد، والكفاءة في إدارة الدولة. كما يركز أبو زيد على أن كثيراً من أزمات التطرف جاءت من الفهم المجتزأ للنصوص، ومن محاولة فرض تصورات دينية بالقوة، بعيداً عن شروط الواقع ومقاصد الشريعة. ومن هنا يقدم قراءة واقعية لتطبيق الشريعة، تربط بين النص والقدرة، وبين المبدأ والمآل، وبين الإيمان وحفظ المجتمع.

يمكنكم مشاهد الحلقة كاملة على صفحة «سوريا اليوم24» على فيسبوك:

https://www.facebook.com/share/v/1YAnP54456/

اقرأ أيضاً: مرحلة التحول الكبير: قراءة في السياسة والاقتصاد مع الدكتور عبيدة نحاس

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى