سياسة

ماذا تعني عودة «فيزا» لحياة السوريين؟

الكاتب: أحمد علي

توقف السوريون قليلاً عند إعلان مصرف سوريا المركزي الاتفاق مع شركة فيزا لبناء منظومة مدفوعات رقمية في البلاد، لأن مثل هذا الأمر سيغير ملامح حياتهم اليومية بطبيعة الحال، وستصبح معه النقود أقل حضوراً في الجيب وأكثر حضوراً على الشاشة، وهذا تماماً ما يبدو أن السوريين سيقتربون من تجربته في خطوة توحي بأن مرحلة جديدة من التعامل المالي بدأت تتشكل في البلاد رغم أن التقدم فيها قد لا يكون بالسرعة المتوقعة.

وعند الحديث عن منظومة مدفوعات رقمية، لا يتعلق الأمر بمجرد بطاقة بلاستيكية تُمكّن صاحبها من الدفع في متجر أو على موقع إلكتروني، بل بتحول تدريجي في طريقة حركة المال، وكيفية توثيقه، وحماية التعاملات، وفتح نوافذ جديدة أمام الأفراد والشركات على حد سواء، لكن وسط ضغوط معيشية واقتصادية معروفة للجميع، تطرح هذه الخطوة أسئلة عملية: فما معنى الدفع الإلكتروني في سوريا؟ وما الذي يمكن أن يجنيه المواطن السوري فعلياً من عودة «فيزا» إلى السوق السورية؟ وهل نحن أمام تغيير جذري سريع، أم مسار طويل يحتاج إلى وقت وثقة وبنية تحتية قوية حتى يكتمل؟

واقع الدفع الإلكتروني في سوريا اليوم

قبل الحديث عن فيزا، لا بدّ من فهم الصورة الأكبر، الدفع الإلكتروني في سوريا يعني ببساطة استخدام أدوات رقمية – مثل بطاقات الدفع، المحافظ الإلكترونية، أو تطبيقات الهاتف المحمول – لتنفيذ المعاملات المالية بدلاً من النقود الورقية. وهذا يشمل دفع ثمن المشتريات في المتاجر، تسديد فواتير الخدمات، الشراء عبر الإنترنت، وتحويل الأموال بين الأشخاص أو بين الشركات.

وفي سوريا، حتى الآن، فإن الاعتماد الأكبر على الدفع النقدي، مع محاولات متفرقة لتوسيع قاعدة الدفع الإلكتروني عبر المصارف المحلية وبعض المحافظ الرقمية، لكنها لم تصل بعد إلى درجة الانتشار التي تجعل المواطن يشعر أنها جزء أساسي من حياته المالية اليومية.

وهنا تظهر أهمية دخول لاعب عالمي بحجم فيزا، بما يحمله من شبكة واسعة وخبرة تقنية ومعايير أمان متقدمة، يمكن أن تمنح الدفع الإلكتروني في سوريا دفعة قوية على مستوى البنية التحتية والثقة معاً.

ماذا تعني عودة فيزا

في الجوهر، يعني إعلان مصرف سوريا المركزي عن التوصل إلى اتفاق شراكة مع شركة فيزا لبناء منظومة مدفوعات رقمية في سوريا أن الشركة تستعد لإطلاق عملياتها رسمياً في السوق السورية، بالتعاون مع المؤسسات المالية المرخّصة في البلاد.

وبحسب ما نشرته الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا)، فإن المرحلة الأولى من الاتفاق تتركز على بناء بنية تحتية قوية وآمنة للمدفوعات، تتضمن إصدار بطاقات دفع وتمكين محافظ رقمية وفق معايير عالمية، مع ضمان جاهزية التشغيل البيني الدولي.

وهذا يعني أن المواطن السوري سيصبح، تدريجياً، قادراً على امتلاك بطاقة فيزا صادرة عن مصرف محلي، واستخدامها في نقاط البيع داخل سوريا وعبر الإنترنت، وربما لاحقاً خارجها ضمن ما تسمح به القواعد التنظيمية والعقوبات الدولية.

كما ستعمل فيزا، وفق الاتفاق، على تمكين التجار من قبول المدفوعات عبر حلول منخفضة التكلفة مثل تقنية “Tap to Phone” واستخدام رموز الاستجابة السريعة (QR Code)، ما يسهّل على المحال الصغيرة والمتاجر المنزلية الدخول إلى عالم الدفع الإلكتروني من دون استثمارات ضخمة في أجهزة متخصصة.

فوائد مباشرة للمواطنين والشركات

عندما يصبح الدفع الإلكتروني في سوريا خياراً متاحاً على نطاق واسع، قد يلمس المواطن مجموعة من الفوائد العملية، فبدلاً من حمل مبالغ نقدية كبيرة بسبب تضخم العملة، يمكن الاعتماد على بطاقة أو محفظة رقمية، الامر الذي يوفر المجهود، ويقلل مخاطر السرقة أو ضياع المال مثلاً. كما ستختصر المعاملات الزمن، خصوصاً في دفع الفواتير والرسوم أو الشراء عبر الإنترنت، وهو أمر مهم لمن يعيش في مدن مزدحمة جداً كدمشق مثلاً أو مناطق بعيدة عن مراكز الخدمات كالزبداني.

على مستوى الشركات، وخصوصاً المنشآت الصغيرة والمتوسطة، قد توفر منظومة المدفوعات الرقمية سجلاً واضحاً للتعاملات يساعد في إدارة السيولة والضرائب والحصول على تمويل مستقبلي بناءً على حجم المبيعات الحقيقي، لا التقديري، فالاتفاق مع فيزا يركز صراحة على دعم رواد الأعمال المحليين وربطهم بشبكة شركاء إقليميين وعالميين في قطاع التكنولوجيا المالية، ما يفتح الباب أمام خدمات جديدة مثل حلول التقسيط الرقمية، والمتاجر الإلكترونية المحلية أو غيرها من القضايا الأخرى.

تحديات أمام الدفع الإلكتروني

رغم الإيجابيات، لا يمكن تجاهل التحديات التي قد تواجه انتشار الدفع الإلكتروني في سوريا، فأول هذه التحديات يتعلق بالبنية التحتية التقنية، مثل توفر الإنترنت المستقر، وتحديث الأنظمة المصرفية، وتأمين الطاقة اللازمة لتشغيل نقاط البيع وأنظمة الاتصالات في مختلف المناطق.

التحدي الثاني يرتبط بثقة الناس، فجزء كبير من المجتمع اعتاد التعامل النقدي المباشر، ويحتاج إلى وقت وتجربة إيجابية ليقتنع بأن الدفع الإلكتروني آمن وموثوق، وفي هذا الإطار تظهر أهمية برامج التوعية وبناء الثقافة المالية الرقمية، إلى جانب التشريعات التي تحمي المستهلك من الاحتيال الإلكتروني أو الأخطاء في المعاملات.

هناك أيضاً عامل خارجي لا يمكن إغفاله، وهو القيود والعقوبات التي قد تؤثر في مدى قدرة المنظومة الجديدة على الاتصال الكامل بالشبكات المالية العالمية، لكن الاتفاق مع فيزا، إلى جانب مذكرة التفاهم السابقة مع ماستر كارد لتطوير البنية التحتية للمدفوعات الرقمية، يشير إلى رغبة رسمية في تجاوز البنى القديمة قدر الإمكان والاقتراب من المعايير الدولية.

كيف يستعد السوريون للاستفادة

الاستفادة القصوى من الدفع الإلكتروني في سوريا لا تتوقف على المصرف المركزي أو شركة فيزا فقط، بل على استعداد الأفراد والمؤسسات للتعامل مع هذا التحول. فبالنسبة للمواطن، الخطوة الأولى هي فتح حساب مصرفي فعّال حيثما أمكن، ومتابعة ما ستطلقه المصارف من بطاقات ومحافظ رقمية، والتعرّف إلى القواعد الأساسية لأمن المعلومات، مثل عدم مشاركة بيانات البطاقة، واستخدام كلمات مرور قوية، وتفعيل التنبيهات على الهاتف لمراقبة أي حركة غير معتادة.. إلخ.

أما صاحب المتجر أو المشروع الصغير، فيحتاج إلى التفكير في كيفية دمج وسائل الدفع الإلكتروني في عمله اليومي، سواء عبر جهاز بسيط لتحويل الهاتف إلى نقطة بيع، أو من خلال الاعتماد على رموز QR ليتلقى المدفوعات مباشرة في حسابه. وكلما زاد عدد المتاجر التي تقبل الدفع الإلكتروني، أصبح استخدامه أكثر منطقية للمواطن، ودخلت الدورة الاقتصادية في حلقة إيجابية تشجع على مزيد من التحول الرقمي.

في المحصلة، عودة فيزا إلى السوق السورية ليست حلاً سحرياً لكل المشكلات، لكنها خطوة مهمة على طريق طويل نحو اقتصاد أكثر شفافية وتنظيماً، يكون فيه الدفع الإلكتروني في سوريا جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، لا استثناءً أو ترفاً.

اقرأ أيضاً: الليرة الرقمية السورية: ضرورة اقتصادية أم رفاهية؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى