المجتمع السوري

الدراما السورية خلال رمضان 2026: بين التريند وضعف النصوص

بقلم هلا يوسف

سجلت الدراما السورية خلال موسم رمضان 2026 تنوعاً كبيراً أغنى الساحة الفنية، وتصدرت بعض الأعمال كمسلسل مولانا المنصات العربية. ومن تابع هذه الأعمال لاحظ وجود انعطافة كبيرة في الموضوعات المتداولة خصوصاً في ظل التحولات السياسية التي نتجت عن التحرير، مع العلم أن رمضان الماضي تزامن مع هذا التحرير، لكن لم تكن الشركات قادرة على اللحاق بركب الموسم بسبب ضيق الوقت. لذلك جاء تقييم الأعمال هذا الموسم بطريقة منصفة أكثر كون الاستعداد أخذ وقته الكافي.

وقد أخذ هذا التقييم في حسبانه ليس جماهيرية الأعمال، وإنما الرؤية الفنية النقدية للنص المكتوب، والإخراج المرسوم لهذا النص، وأداء الممثلين القديمين والجدد. مما فتح باب للنقاش والآراء المتناقضة في بعضها، وفي المجمل الهدف النهائي لها هو استعادة المكانة التي حجزتها الدراما السورية في زاوية كل بيت عربي، دون تشتت أو استهلاك.

بين التوثيق والسطحية: كيف قرأ النقاد المعالجة الدرامية؟

لم تحصد الأعمال التي تناولت الثورة السورية في العديد من المواضع إعجاب الناس، وذلك بسبب خصوصيتها وحساسية مواضيعها. فقد أثارت هذه الأعمال انتقادات حادة، خاصة مع اتهام بعض الأعمال بالاستخفاف بالألم وتحويله إلى مادة تجارية. وتعقيباً على ذلك قدم الناقد الفني عامر فؤاد عامر قراءة متوازنة، معتبراً أن تحويل الأحداث الكبرى إلى مادة درامية ليس أمراً مرفوضاً بحد ذاته، بل هو مسار طبيعي في تاريخ الفن. لكنه شدد على أن المشكلة تكمن في طريقة المعالجة.

فقد قسم عامر هذه المعالجات إلى ثلاثة مستويات: توثيقي إنساني يهدف إلى حفظ الذاكرة وفهم التجربة، ورمزي نقدي يطرح تساؤلات حول السلطة والمجتمع، وثالث استهلاكي يوظف الحدث كوسيلة جذب دون عمق. وبرأيه، فإن الانتقادات الموجهة لبعض الأعمال صحيحة جزئياً، لكنها لا تنطبق على كامل الإنتاج، إذ نجحت بعض المسلسلات في تقديم طرح جاد ومتوازن.

ويظهر هذا التفاوت بوضوح عند النظر إلى أعمال مثل مسلسل “الخروج إلى البئر”، الذي اعتبره عدد من النقاد من أبرز أعمال الموسم، لما قدمه من سردية تجمع بين التوثيق التاريخي والبعد الإنساني، مستنداً إلى أحداث واقعية داخل معتقل صيدنايا، وموسعاً دائرته لربط الداخل السوري بتعقيدات إقليمية، خاصة في العراق.

في حين توجهت انتقادات لاذعة لمسلسل “قيصر.. لا مكان زمان” لكونه لم يستوفي الشروط التوثيقية والإنسانية المناسبة مما أدى إلى إيقافه بعد عرض عدد من حلقاته.

إقحام السياسة وضعف الكتابة: جدل حول البناء الدرامي

لم يقتصر الجدل على مضمون الأعمال، بل امتد إلى طريقة إدخال السياسة في بعض النصوص. فقد تعرضت مسلسلات مثل “مولانا” و”عيلة الملك” لانتقادات بسبب استخدام عبارات وشعارات سياسية ضمن الحوارات، دون مبرر درامي واضح، مما جعلها تبدو وكأنها محاولة مباشرة لإثارة الجدل أو تمرير رسائل معينة، وإقحام المسلسلات التي تتناول مواضيع اجتماعية بالسياسة.

وقد أرجع عامر فؤاد عامر هذه الظاهرة إلى ثلاثة عوامل رئيسية: أولها الدافع التجاري المرتبط بموسم رمضان، حيث يسعى صناع الأعمال إلى جذب الانتباه بأي وسيلة. وثانيها وجود دوافع أيديولوجية تدفع بعض الكتاب إلى إدخال مواقف سياسية بشكل مباشر. أما العامل الثالث فهو ضعف الكتابة، حيث يتم اللجوء إلى الخطاب السياسي لتعويض غياب الحبكة المتماسكة.

وفي هذا الإطار، برز مسلسل “مولانا” كنموذج واضح على هذه الإشكالية، إذ تراجعت قوة النص فيه لصالح حضور النجم، حيث اعتمد بشكل كبير على أداء تيم حسن وكاريزميته، إلى جانب عبارات تحولت سريعاً إلى “ترند” على وسائل التواصل، رغم الملاحظات النقدية حول البناء الدرامي.

الكوميديا السوداء بين النقد والتسخيف

لم تكن الكوميديا بعيدة عن هذا الجدل، خاصة مع عرض الجزء الثالث من مسلسل “ما اختلفنا”، الذي قدم لوحات ساخرة عن الواقع السوري. بعض هذه اللوحات أثارت غضب ناشطين، اعتبروا أنها تسخف معاناة السوريين، خصوصاً عندما تناولت شخصيات سياسية أو أحداثاً حساسة بأسلوب ساخر.

وهنا دافع عامر فؤاد عامر جزئياً عن هذا النوع، معتبراً أن السخرية السياسية أداة تاريخية للنقد والمقاومة، وأن الكوميديا السوداء قد تسهم في تفكيك الخوف. لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن المشكلة تظهر عندما يغيب الهدف الواضح للسخرية، أو عندما يفشل العمل في تحقيق توازن بين الطابع الكوميدي وحساسية الحدث، مما يؤدي إلى سوء الفهم أو إثارة .

الدراما السورية من وجهة نظر نقاد آخرين

قدمت الناقدة آمنة ملحم رؤية شاملة للموسم، معتبرة أن الدراما السورية شهدت تطوراً ملحوظاً هذا العام، خاصة على مستوى الجرأة والخروج من الموضوعات التقليدية، مثل التطرق إلى عالم السجون والفساد. لكنها أكدت أن هذا التطور لا يرقى إلى مستوى حصول “قفزة نوعية”، بل يبقى ضمن إطار إعادة تقديم أفكار قديمة بأساليب جديدة.

وأشادت ملحم بعدة أعمال، على رأسها “الخروج إلى البئر”، الذي رأت فيه تجربة مميزة جمعت بين التوثيق والسرد الإنساني، إلى جانب أعمال مثل “مطبخ المدينة” الذي قدم معالجة واقعية للطبقات الاجتماعية، و”أنا وهي وهيا” الذي تميز بعمق نفسي ورصد دقيق للعلاقات العائلية، بالإضافة إلى جماهيرية “مولانا”.

لكن في الوقت نفسه لم تغفل ملحم نقاط الضعف، مشيرة إلى تكرار بعض الموضوعات مثل الصراعات العائلية وقصص الحب المستحيلة، إضافة إلى تكرار الشخصيات النمطية وضعف الإنتاج في بعض الأعمال. كما لفتت إلى أن النجومية والتسويق أصبحا عاملين حاسمين في نجاح العمل، أحياناً على حساب جودة النص.

بينما قدم الصحافي الفني جوان الملا قراءة نقدية موازية، رأى فيها أن الموسم يتميز بتنوع الطروحات، لكنه يعاني في الوقت نفسه من تكرار في أساليب المعالجة. واعتبر أن مسلسل “الخروج إلى البئر” هو الأبرز والأكثر تفرداً، متوقعاً أن يبقى في ذاكرة المشاهدين لفترة طويلة، لما يحمله من عمق إنساني وتوثيقي.

كما أشار الملا إلى مفاجآت إيجابية، مثل “ما اختلفنا 3″ الذي حقق نقلة نوعية مقارنة بأجزائه السابقة، و”أنا وهي وهيا” الذي لامس مشاعر الجمهور بعيداً عن العنف، مقدماً نموذجاً لدراما نفسية ناضجة.

في المقابل انتقد الملا أعمالاً مثل “بخمس أرواح”، الذي بدأ بقوة لكنه فقد تماسكه لاحقاً، و”سعادة المجنون” الذي عانى من مشكلات في البناء الزمني، و”بيت الأحلام” الذي اعتبره من الأعمال الضعيفة بسبب النص.

النجومية والتأثير الجماهيري

لا يقتصر الحديث عند تقييم الدراما السورية على النصوص فقط، بل تتخطاها إلى نجومية الممثلين السوريين الذي لا يختلف عليها اثنان، بالرغم من طغيان البعض على الساحة السورية. فقد اتفق النقاد على استمرار تيم حسن كأبرز نجوم الموسم، خاصة في “مولانا” بالرغم من الملاحظات النقدية، حيث ساهم حضوره القوي في إنجاح العمل جماهيرياً، خصوصاً بعد اعتماده على أسلوب “التريند” عند عرض كل حلقة. كما برزت منافسة بين نجوم مثل عابد فهد وعبد المنعم عمايري، إضافة إلى حضور لافت لعدد من الممثلات مثل كاريس بشار على الرغم من تكرار نموذج المغنية في الأدوار الدرامية.

كما تميز الموسم بعودة عدد من النجوم إلى الدراما السورية بعد غياب، مثل جمال سليمان وفارس الحلو ومكسيم خليل، وهو ما أضفى زخماً إضافياً وأعاد بعض التوازن إلى المشهد.

في الختام، من خلال الآراء السابقة نجد أن الدراما السورية هذا الموسم حققت نجاحات كبيرة، لكن لا تزال تلتمس طريق العودة إلى سابق عهدها في معالجة النصوص وكتابتها، فمشكلة الدراما السورية اليوم ليس الأداء، بل النص الجذاب والقصة المؤثرة التي تترك بصمتها في أذهان الجمهور. ولا بد هنا استذكار غياب الأعمال التاريخية التي أسست ركائز هذه الدراما، وجعلت من الفن السوري قبلة كل ممثل عربي.

اقرأ أيضاً: الدراما بأقلام الممثلين: تجربة تجمع بين الإبداع والنقد

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى