سياسة

الخلاف العائلي يتحول إلى اشتباك: من ينزع السلاح من الحياة اليومية السورية؟

الكاتب: أحمد علي

قُتل شخص وأصيب آخرون مساء الأحد 19 تموز 2026، بعدما تحولت مشاجرة بين عائلتين في حي بني زيد بمدينة حلب إلى اشتباك مسلح. ونقل الإعلام المحلي أن قوى الأمن الداخلي انتشرت في الحي واحتوت الموقف، ثم أفادت وسائل إعلام محلية بأن ملاحقة المتورطين استمرت بعد توقف إطلاق النار. ولم تنشر الجهات الرسمية أسماء الضحايا أو عدداً نهائياً للمصابين، كما لم توضح سبب الخلاف أو نوع السلاح المستخدم.

وقعت الحادثة بعد يومين من اشتباك عائلي آخر في حي الميسر. قال رئيس فرع المباحث الجنائية في حلب نجدت حسون إن الخلاف بدأ على مكان لم يحدده، بينما ربطه سكان بمحل تجاري. تبادل الطرفان النار بأسلحة خفيفة ومتوسطة بحسب الرواية المحلية، وأصيب ثلاثة أشخاص بينهم طفل، قبل أن توقف قوى الأمن جميع المتورطين. وفي اليوم نفسه الذي شهد حادثة بني زيد، أعلنت مديرية الأمن في منطقة أعزاز أن دورية تابعة لها تعرضت لإطلاق نار أثناء تدخلها لفض اشتباك مسلح داخل المدينة.

ثلاث وقائع خلال ثلاثة أيام في محافظة واحدة لا تثبت ارتفاعاً وطنياً في هذا النوع من العنف، لكنها تكشف سرعة انتقال نزاع محدود إلى إطلاق نار يهدد حيّاً كاملاً. أُغلقت محال في الميسر وتوقفت الحركة مؤقتاً، وأصيب طفل لا تشير المعلومات المتاحة إلى أنه كان طرفاً في الخلاف. هنا يصبح السؤال متعلقاً بقدرة الدولة على منع ظهور السلاح في المشاجرة، بعد أن أثبتت قدرتها على إنهائها واعتقال المشاركين فيها.

السلاح حين يدخل الخلاف اليومي

يغير وجود بندقية أو مسدس مسار النزاع منذ لحظته الأولى. يستطيع طرف غاضب استدعاء أقارب مسلحين، ويستعد الطرف المقابل لاحتمال مماثل، فتتسع دائرة المواجهة قبل وصول الشرطة. لا تكشف أخبار بني زيد والميسر مصدر الأسلحة ولا وضعها القانوني، لذلك لا يمكن الجزم بأنها خرجت من مخازن عسكرية أو كانت مرخصة أو دخلت عبر تجارة غير مشروعة. المؤكد أن استخدامها نقل الخطر من أصحاب الخلاف إلى المارة وأصحاب المحال وسكان الأبنية المحيطة.

ترتبط سهولة الوصول إلى السلاح بإرث أطول من الحوادث الأخيرة. فقد قدّر مسح الأسلحة الصغيرة وجود نحو مليون و547 ألف قطعة سلاح في حيازة مدنيين داخل سوريا عام 2017، بما يعادل 8.2 قطعة لكل مئة شخص. هذا آخر تقدير دولي واسع عثر عليه التقرير، وهو قديم ويشمل السلاح القانوني وغير القانوني وفق منهج تقديري. لا يصلح الرقم لقياس الوضع في 2026، بعدما استمرت الحرب سنوات أخرى وتفككت مؤسسات ثم أعيد تشكيلها، لكنه يوضح أن الانتشار كان واسعاً قبل التحول السياسي الذي بدأ في كانون الأول 2024.

غياب رقم حديث يترك فجوة أساسية. فلم نجد في البيانات العلنية لوزارة الداخلية على قاعدة عامة تبين عدد رخص السلاح السارية أو الكميات التي سُلّمت طوعاً أو صودرت، كما لم نجد إحصائية وطنية تفصل جرائم السلاح المرتبطة بخلافات شخصية عن أعمال الجريمة المنظمة أو المواجهات السياسية. لهذا يمكن وصف الخطر الذي أظهرته وقائع حلب، ولا يمكن تحديد حجمه على مستوى سوريا بدقة.

الأثر الاجتماعي يظهر قبل صدور أي حكم قضائي. إغلاق متجر بسبب تبادل النار يعني خسارة يوم عمل وربما تلف بضاعة، وتوقف الطريق يعطل وصول السكان إلى وظائفهم، فيما يدفع الخوف بعض العائلات إلى تجنب الشكوى أو قبول تسوية محلية لا تضمن حقها. تتكرر المشكلة إذا بقي السلاح في المنزل بعد الصلح، لأن سبباً جديداً قد يعيد الأشخاص أنفسهم إلى المواجهة.

القانون موجود والتنفيذ متقطع

لا تعاني سوريا فراغاً تشريعياً كاملاً في هذا الملف. المرسوم التشريعي رقم 51 لعام 2001 ينظم حيازة الأسلحة والذخائر ويمنع حمل المسدسات الحربية وبنادق الصيد وذخائرها من دون ترخيص مسبق. وشدد القانون رقم 14 لعام 2022 العقوبات على التصنيع والتهريب والاتجار، وعلى حمل أنواع من السلاح أو حيازتها من دون ترخيص. أبقى الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار 2025 القوانين النافذة سارية ما لم تعدل أو تلغ، ما يعني أن أصل التجريم والترخيص ما زال قائماً.

المشكلة العملية تبدأ من معرفة ما لدى الناس ومن يملك حق حمله. اجتماع وزيري الدفاع والداخلية في 6 أيار 2025 بحث بدء عمليات حصر السلاح بيد الدولة والحد من انتشاره، كما تناول منع وصوله إلى المجموعات الخارجة عن القانون وضبط التهريب عبر الحدود. وبعد أسابيع أعلنت وزارة الداخلية دمج الشرطة والأمن العام ضمن قيادة الأمن الداخلي، وقال المتحدث باسمها إن حزمة قوانين ستصدر للحد من السلاح المنفلت. وتكشف الصياغة الرسمية أن المهمة كانت في بدايتها، بينما لا تعرض البيانات اللاحقة برنامجاً وطنياً منشوراً بمواعيد محددة لتسجيل السلاح المدني أو تسليمه.

اتخذت الدولة خطوات أكثر تفصيلاً في قطاعات محددة. المرسوم رقم 55 الصادر في 10 آذار 2026 أخضع شركات الحماية والحراسة الخاصة لترخيص وزارة الداخلية، وحصر شراء أسلحتها عبر الوزارة، ومنع الحراس من حملها خارج أوقات العمل أو استخدامها خارج المهمة. يبين هذا النموذج أن تتبع السلاح ممكن عندما يعرف القانون الجهة المالكة ومكان الاستخدام ومسؤولية التخزين. لا تشمل هذه الآلية تلقائياً قطعة يحتفظ بها شخص في منزله منذ الحرب، أو سلاحاً انتقل بين عدة مالكين من دون سجل.

تدخل الأمن في الميسر أدى إلى توقيف جميع المشاركين، وهو إجراء ضروري لمنع استمرار المواجهة. لكنه جاء بعد وقوع ثلاث إصابات. وفي بني زيد وصلت النتيجة إلى قتيل قبل عودة الهدوء، بينما واجهت دورية أعزاز النار خلال أداء مهمتها. هذه الوقائع تضع فرقاً واضحاً بين السيطرة على الحادثة ومنعها. تحتاج الوقاية إلى تسجيل يمكن مراجعته، وتحقيق يصل إلى مصدر السلاح، ثم مسار قضائي يوضح للناس ما ترتب على استخدامه. لا تتضمن الأخبار المنشورة عن الميسر وبني زيد معلومات عن مصادرة القطع المستخدمة أو التهم التي ستوجه إلى الموقوفين، ولذلك لا يمكن تقييم اكتمال هذا المسار.

مهمة تتجاوز الشرطة

تقع المسؤولية المباشرة عن السلاح المدني غير المرخص على وزارة الداخلية وأجهزة إنفاذ القانون، بينما تتولى وزارة الدفاع دمج التشكيلات المسلحة ومنع بقاء وحدات عسكرية خارج قيادتها. يتصل المساران ببعضهما، لأن السلاح الذي يخرج من تشكيل منحل قد ينتقل إلى سوق خاصة، ولأن ضبط الحدود يمنع تعويض ما تصادره الشرطة بكميات جديدة. القضاء بدوره يحدد العقوبة ويمنع تحول الحملة الأمنية إلى احتجاز بلا محاسبة واضحة.

تنفيذ المهمة بصورة متساوية شرط لنجاحها. حملة تركز على حي أو جماعة وتترك السلاح ظاهراً لدى جهة أخرى ستدفع الناس إلى الاحتفاظ بما لديهم بدافع الخوف، وقد تزيد السوق غير المشروعة بدلاً من تقليصها. يحتاج التفتيش إلى إجراءات قانونية معلنة، كما تحتاج المصادرة إلى محاضر وسجلات تحدد نوع القطعة ورقمها ومصيرها. دوائر شكاوى المواطنين التي أعلنتها وزارة الداخلية ضمن هيكلتها تستطيع معالجة التجاوزات إذا كانت متاحة ويعرف الناس كيف يتابعون شكاواهم.

توضح معايير الأمم المتحدة لنزع السلاح أن جمع القطع ينجح أكثر عندما يقترن بإدارة آمنة للذخائر وبرامج محلية لخفض العنف، ويمكن أن يشمل مبادرات يقودها المجتمع وفترة عفو وطنية محددة. يصلح هذا النهج لسوريا إذا وضعته الدولة ضمن قانون واحد وواضح. يستطيع صاحب السلاح خلال مهلة معلنة أن يسلمه أو يسجله إذا كان من الأنواع القابلة للترخيص، ثم تبدأ بعد المهلة ملاحقة موحدة للحيازة المخالفة. نشر أرقام دورية عن المسلّم والمصادر والمرخص سيتيح قياس التقدم ويحد من الشائعات عن الاستهداف الانتقائي.

يملك الوجهاء ولجان الأحياء دوراً في إقناع العائلات بالتسليم وفي وقف الثأر، لكنهم لا يحلون محل الشرطة والمحكمة. كما أن الصلح بين طرفين لا يلغي حق الدولة في التحقيق باستخدام سلاح وسط منطقة مأهولة. تساعد الوساطة على منع جولة جديدة، وتبقى الجريمة خاضعة للمساءلة مهما انتهى الخلاف الاجتماعي.

أنهت قوى الأمن اشتباك الميسر وأوقفت المشاركين، ثم احتوت حادثة بني زيد بعد مقتل شخص. تحتاج وزارة الداخلية إلى برنامج وطني معلن لتسجيل السلاح القابل للترخيص وجمع القطع المخالفة، وتحتاج وزارة الدفاع إلى إكمال دمج التشكيلات وضبط مخازنها، فيما يتعين على القضاء نشر نتائج القضايا التي تبدأ كمشاجرات وتنتهي بضحايا. من دون هذه الحلقة ستصل قوات الأمن بعد وقوع الضرر في كل مرة، وسيبقى الخلاف العائلي التالي قابلاً للتحول إلى اشتباك.

اقرأ أيضاً: السلاح والمرحلة الانتقالية: كيف تحدد إعادة دمج الفصائل مصير الاستقرار في سوريا؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى