سياسة

هل هناك خلاف روسي تركي حول سوريا؟!

الكاتب: أحمد علي

سوريا بعد كانون الأول 2024 دخلت مرحلة إعادة توزيع نفوذ، فسقوط بشار الأسد، أنهى المعادلة التي كانت تمنح روسيا نفوذاً شبه مضمون وفق ما يرى البعض، وفتح المجال أمام تركيا لتصبح اللاعب الخارجي الأكثر حضوراً قرب السلطة الجديدة. هذه النقلة طرحت سؤالاً صعباً ودار كثيراً في الأذهان منذ البداية وحتى اللحظة: فهل هناك خلاف بين الجانبين حول سوريا؟ وإن كان موجوداً هل يتطور الخلاف التركي الروسي في سوريا إلى صدام، أم يبقى تنافساً قابلاً للإدارة على الأرض يومياً؟

التجربة السابقة تقول إن أنقرة وموسكو تملكان مهارة عالية في إبعاد الانفجار عبر صفقات محدودة، لكن ما بعد الأسد جعل كل صفقة مرتبطة بمستقبل الدولة نفسها، لا بخط تماس مؤقت.

الخلاف التركي الروسي في سوريا

التنافس يبدأ من تعريف كل طرف لما يعتبره استقراراً. تركيا ترى الاستقرار دولة مركزية قوية تمنع نشوء كيان كردي مسلح قرب حدودها وتضبط المعابر، بينما ترى روسيا الاستقرار نظاماً سياسياً لا يقصيها ويضمن استمرار موطئ قدمها العسكري على الساحل. ومع أن سقوط الأسد قلّص أوراق موسكو، فإن مسار أستانا قبل ذلك كان يوفّر قناة تواصل ولغة مشتركة حول وحدة الأراضي السورية ومحاربة التنظيمات المصنفة إرهابية، كما يظهر في بيان الخارجية التركية عن اجتماع أستانا في تشرين الثاني 2024.

في المقابل، تصف قراءات متعددة منها مثلاً ما تحدثت عنه رويترز في كانون الثاني من العام الفائت 2025 حول تركيا بأنها من أكثر مراكز الثقل نفوذاً في سوريا الجديدة، مستندة إلى روابطها مع قوى ميدانية وشبكات إدارة محلية وقدرتها على تقديم دعم أمني سريع. ووفق ذلك، يتشكل الخلاف التركي الروسي في سوريا كتنازع على “من يضع قواعد اللعبة” أكثر من كونه خلافاً على تفاصيل تقنية.

تركيا تبحث عن عمق أمني

أولويات أنقرة تُقرأ من الشمال: الحدود، والملف الكردي، وعودة اللاجئين. في أيار 2025 نقل عن مصادر تركية رفض أنقرة لأي ترتيبات لامركزية ترى أنها تُضعف الحكومة المركزية أو تمنح الأكراد نفوذاً سياسياً وأمنياً مستقلاً. هذا الموقف يفسر ضغط تركيا باتجاه توحيد البنية الأمنية في دمشق، وربما إبقاء هامش حركة واسع لقواتها وحلفائها في المناطق الحدودية إلى أن تتأكد من أن المخاطر تُدار من داخل مؤسسات سورية واحدة.

وعندما قال وزير الدفاع التركي لرويترز في حزيران 2025 إن تركيا تدعم الجيش السوري ولا تملك خططاً فورية للانسحاب، بدا واضحاً أن أنقرة لا تعتبر وجودها العسكري مجرد ورقة تفاوض، بل جزءاً من تصور طويل الأمد للأمن. المشكلة أن هذا التصور، مهما قُدم بوصفه دعماً، فإنه يخلق حساسية روسية وفق ما يرى البعض، بمعنى أن كل خطوة تركية إضافية تقلل المساحة المتبقية لموسكو. لذلك يظهر الخلاف التركي الروسي في سوريا أحياناً عبر رسائل غير مباشرة، مثل الاعتراض على تمدد مناطق النفوذ أو على شكل التعاون الأمني بين أنقرة ودمشق.

اقرأ أيضاً: لماذا تصر أمريكا على أنّ “تركيا حطّت وتركيا شالت” في سوريا؟

روسيا تتمسك بأوراق الساحل

وفق التحليلات الشائعة بين الناس، فإن روسيا لا تستطيع العودة إلى ما قبل 2024، لكنها تحاول تثبيت ما يمكن تثبيته. أهم هذه الأوراق القاعدتان في حميميم وطرطوس. في آذار 2025 بدأ يظهر أن دمشق الجديدة تميل إلى إعادة التفاوض على شروط بقاء القواعد، وأن روسيا قد تدفع ثمناً سياسياً ومالياً مقابل استمرارها. ومن وجهة النظر هذه، فإن هذا يعني أن علاقة موسكو بدمشق تحولت من علاقة رعاية إلى علاقة مقايضة.

في تشرين الأول 2025، خلال زيارة أحمد الشرع إلى موسكو، الشرع أبلغ بوتين أن سوريا ستحترم الاتفاقات السابقة مع روسيا، في إشارة فُهمت على أنها ضمان مبدئي للقواعد. بالنسبة لتركيا، هذا الحضور الروسي ليس تفصيلاً. فالقواعد تمنح موسكو قدرة مراقبة وتأثير، وتفتح احتمال تواصلها مع أطراف لا ترضى عنها أنقرة.

ضمن السياق السابق نفسه، وبالنسبة لروسيا، هناك من يرى أن أي محاولة تركية لتسريع تقليص الدور الروسي تعني فقدان آخر نقاط الارتكاز في شرق المتوسط، وهكذا يبقى الخلاف التركي الروسي في سوريا مرتبطاً بالساحل، حتى لو كانت الاشتباكات أبعد في الشمال.

العقدة الكردية تقلب الحسابات

يتقدم الملف الكردي ليكون بمثابة الامتحان اليومي للعلاقات بين أنقرة وموسكو وواشنطن ودمشق. وتقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي في أيلول 2025 أشار إلى اتفاق في آذار لدمج قوات “قسد” ضمن الدولة السورية بحلول نهاية 2025، مع بقاء اعتراض تركيا على أي صيغة تكرّس حكماً ذاتياً فعلياً. وما قبل نهاية 2025، تحدثت الصحف الغربية عن تسارع محادثات بين دمشق و“قسد” لإنقاذ اتفاق الدمج قبل موعد نهائي، وسط تلويح تركي بخيارات عسكرية إذا تعثرت العملية. لكن ذلك لم يجد تعبيراته على الأرض حتى اللحظة.

من منظور البعض، فإن روسيا تاريخياً تعاملت مع القوى الكردية كقناة نفوذ عند الحاجة، لكن سوريا ما بعد الأسد تحتاج إلى تجميع البلاد لا إلى فتح جبهات جديدة. لذلك تميل موسكو إلى حلول تدريجية تُبقي لها دور “الوسيط” وتقلل احتمالات انفجار كبير قرب قواعدها. أما تركيا فتريد نتيجة واضحة وسريعة تُنهي ثقل السلاح الكردي المستقل. هذا التباين يفسر لماذا يظهر الخلاف التركي الروسي في سوريا في لحظات التوتر شمالاً، حتى عندما يظل الخطاب العلني هادئاً.

مستقبل الشراكة وحدود الخلاف

على هذا الأساس، فمع بداية 2026، العلاقة أقرب إلى منافسة محكومة بسقف المصالح. رويترز، في تقرير عن الذكرى الأولى لسقوط الأسد في ديسمبر 2025، قالت إن الشرع أعاد تشكيل علاقات سوريا الخارجية، فاقترب من تركيا ودول عربية وخفف الاعتماد على داعمي النظام السابق، مع رفع جزء كبير من العقوبات الغربية. هذا يضع روسيا أمام خيار الواقعية: قبول دور أصغر لكنه مستمر، أو المخاطرة بخسارة كل شيء. ويضع تركيا أمام اختبار آخر: تحويل النفوذ الميداني إلى شراكة مؤسساتية لا تُفجّر حساسية السيادة السورية ولا تستفز موسكو إلى ردود غير متوقعة.

إلى هنا، يمكن القول إن الخلاف أو الاختلاف التركي الروسي في سوريا موجود، قد يكبر إذا تحولت القواعد الروسية إلى ملف صفري، أو إذا انهارت ترتيبات دمج “قسد” واندفعت تركيا إلى عمل واسع، أو إذا شعرت دمشق أنها مجبرة على اختيار طرف واحد. وقد يصغر إذا نجحت دمشق في لعب دور الموازن، وارتبطت القواعد الروسية بشروط شفافة، وتقدم مسار دمج الشمال الشرقي بطريقة تقلل المخاوف التركية وتطمئن موسكو بأن الاستقرار لن يكون على حسابها.

وجهة نظر ثالثة!

لكن في الخلاصة، سنذهب أبعد من القراءات الإعلامية والعامة الدارجة، لنقول ومن وجهة نظر ثالثة ربما، إن الخلاف التركي الروسي في سوريا لا يُفهم بوصفه صراعاً ثنائياً بين دولتين بقدر ما يُفهم كأحد وجوه ساحة أوسع تُدفع باتجاه إبقائها مفتوحة على الفوضى، بحيث يتحول “تقسيم الأمر الواقع المؤقت” على الأرض إلى واقع تقسيمي دائم. لذلك تتقدم فكرة أن جوهر المشكلة ليس في تباين المصالح التركية والروسية بحد ذاته، بل في توظيف هذا التباين لإطالة الأزمة ومنع إنتاج تسوية سورية مستقرة، عبر تأجيج المخاوف والهويات الفرعية وتغذية مسارات الأمر الواقع.

ومن هنا تُقرأ أهمية بقاء قنوات التفاهم قائمة، لا باعتبارها تحالفاً، بل كأداة لتقليص هوامش التخريب الخارجي ومنع الانزلاق إلى صدام يفتح الباب لسيناريوهات أكثر كلفة على السوريين ووحدة البلاد.

وبناءً على ذلك، يصبح معيار الحكم على مسار ما بعد الأسد هو مقدار ما يقترب من تسوية شاملة تُعيد القرار إلى السوريين وتغلق أبواب التدخلات عبر حل سياسي سوري سوري ضمن إطار وروح وجوهر القرار 2254، وتفاهم سوري تركي واضح على احترام السيادة المتبادلة، يترافق مع إنهاء الوجود العسكري التركي بصورة مرتبطة بتثبيت الاستقرار لا بتجميد الصراع.

وفي هذه الرؤية، الدور الروسي لا يُقاس بحجم النفوذ بل بقدرته على لعب دور الوسيط الذي يمنع التفجير ويُبقي وحدة سوريا أولوية، بينما يُعدّ تقليص الفوضى شرطاً لفتح طريق واقعي نحو تخفيف العقوبات وإعادة بناء الدولة.. هكذا لا تعود المسألة “من ينتصر” في الخلاف التركي الروسي في سوريا، بل كيف تُدار التناقضات تحت سقف يحمي وحدة سوريا ويُغلق الطريق على مشاريع التقسيم والإنهاك الطويل.

اقرأ أيضاً: مظاهرات الساحل السوري: شارعان في بلد واحد!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى