هل هناك خلاف أمريكي – «إسرائيلي» حول سوريا الجديدة؟

الكاتب: أحمد علي
تتشكل فوق أنقاض الحرب السورية ملامح كيان سياسي مختلف جذرياً عمّا عرفناه منذ عام 2011، فسقوط سلطة بشار الأسد أواخر عام 2024، وصعود سلطة مدعومة من جزء من المعارضة وقوى إقليمية، فتح الباب واسعاً أمام سؤال أكبر من حدود سوريا نفسها، أي سوريا تريدها الولايات المتحدة؟ وأي سوريا تراها “إسرائيل” مناسبة لأمنها وحدودها؟
بين واشنطن وتل أبيب تاريخ طويل من التنسيق العميق، خصوصاً في الملفات الأمنية والعسكرية، لكن مع بروز حديث متزايد في مراكز الأبحاث والصحافة الغربية والعربية عن «سوريا الجديدة» بعد رحيل الأسد، بدأت تظهر على السطح إشارات إلى تباينات أميركية–إسرائيلية حول شكل هذا الكيان وحدود دوره الإقليمي، وما إذا كان ينبغي إعادته إلى الحضن العربي والدولي سريعاً أم إبقاؤه في حالة هشاشة محكومة بالضغط والعقوبات.
تبدو ملامح الخلاف الأمريكي الإسرائيلي في سوريا مرتبطة بثلاثة عناصر أساسية: كيفية التعامل مع السلطة الانتقالية، ومستقبل العقوبات وإعادة الإعمار، وحدود النفوذ الإيراني في الجغرافيا السورية. ورغم أن الجانبين يتفقان على رفض عودة سوريا إلى محور تهديد مباشر لـ “إسرائيل” أو منصة لتنظيمات جهادية، إلا أن الطريق إلى هذا الهدف ليس نفسه في العاصمتين.
الخلاف الأمريكي “الإسرائيلي” في سوريا
من حيث المبدأ، لا تزال واشنطن تؤكد التزامها بأمن “إسرائيل” وتفوقها العسكري النوعي، بما في ذلك في الساحة السورية. لكن مع نهاية الحرب وسقوط السلطة السابقة، بدأ نقاش جديد داخل الإدارة الأميركية: هل تبقى سوريا دولة «منبوذة» إلى أجل غير مسمى، أم أن من مصلحة الولايات المتحدة إعادة دمجها تدريجياً لتقليص الفراغ الذي قد يملؤه المنافسين؟
هذا النقاش انعكس في خطوات عملية، من أبرزها الاتجاه إلى تخفيف جزء من العقوبات الاقتصادية المرتبطة بقانون قيصر أو إعادة صياغتها، بهدف إعطاء الحكومة فرصة لالتقاط أنفاسها وإطلاق عمليات إعادة إعمار محدودة وموجّهة، مع استمرار العقوبات الفردية على شخصيات مرتبطة بانتهاكات حقوقية أو بشبكات تهريب المخدرات والسلاح.
في المقابل، تنظر “إسرائيل” إلى الخريطة الجديدة بعين أكثر حذراً، فبالنسبة لصناع القرار في تل أبيب، تُقاس قيمة أي «سوريا جديدة» بمدى قدرتها على منع تمركز إيران و«حزب الله» على مقربة من الجولان، وبالحد من خطوط إمداد السلاح إلى لبنان. ولهذا السبب واصلت “إسرائيل”، بل صعّدت، نمط ضرباتها الجوية ضد أهداف، تقول بأنّها مرتبطة بإيران، في العمق السوري، حتى بعد انهيار السلطة السابقة.
هنا يتجسد الخلاف الأمريكي الإسرائيلي في سوريا: واشنطن تخشى أن يعرقل التصعيد العسكري “الإسرائيلي” جهودها الدبلوماسية مع السلطة السورية والداعمين العرب والغربيين، بينما ترى “إسرائيل” أن أي تهاون سياسي وعسكري مع دمشق قد يفتح الباب لتعافي شبكات النفوذ الإيراني بأشكال جديدة أكثر خطورة.
حسابات واشنطن في الميدان
كان الحضور الأميركي في سوريا دائماً محدوداً من حيث عدد الجنود، لكنه مؤثر من حيث السياسة والعقوبات والسيطرة الجوية. فالهدف المعلن لتمركز القوات في الشمال الشرقي وفي قاعدة التنف قرب الحدود العراقية–الأردنية هو منع عودة تنظيم «داعش» وموازنة النفوذ الإيراني، مع حماية الشريك المحلي المتمثل في قوات سوريا الديمقراطية.
بعد 2024، زادت ضغوط الداخل الأميركي المطالب بتقليص الانخراط العسكري في الشرق الأوسط عموماً، ومعه في الملف السوري، ومع ذلك، توصي تقارير عديدة البيت الأبيض بعدم الانسحاب الكامل، والاكتفاء بحضور عسكري «خفيف وذكي» يتيح لواشنطن التأثير في ترتيبات ما بعد الحرب.
في هذا السياق، ترى الإدارة الأميركية أن تخفيف العقوبات المشروطة وإفساح المجال أمام استثمارات عربية محدودة في البنية التحتية يمكن أن يساعد على استقرار سوريا الجديدة وتقليص دوافع الهجرة والانهيار الاقتصادي، من دون التخلي عن أوراق الضغط الأساسية المتعلقة بملف المعتقلين والمفقودين ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الكبرى.
من وجهة نظر واشنطن، إذن، لا يتعارض هذا المسار مع أمن “إسرائيل”، بل قد يخدمه على المدى البعيد إذا نجحت سوريا الجديدة في بناء مؤسسات جيش وحدود خاضعة لسلطة مركزية أقل ارتهاناً لإيران. لكن الخلاف الأمريكي “الإسرائيلي” في سوريا يظهر عندما تشعر تل أبيب أن واشنطن تتحرك بسرعة أعلى مما يسمح به ميزان المخاطر على الجبهة الشمالية لكيان الاحتلال الإسرائيلي.
أولويات تل أبيب الأمنية
بالنسبة لـ “إسرائيل”، تبقى الصورة أبسط وأقسى في آن واحد: سوريا هي الجبهة الأوسع التي يمكن عبرها تطويق “إسرائيل” من الشمال والشرق إذا لم تُضبط المعادلة. لذلك حافظت تل أبيب خلال السنوات الماضية على سياسة ضربات جوية مكثفة ضد قوافل سلاح ومنشآت تخزين وبنى تحتية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني و«حزب الله»، من ريف دمشق إلى الحدود العراقية. وما بعد سقوط الأسد دمّرت “إسرائيل” مقدرات الجيش السوري السابق بالكامل عبر مئات الغارات المتتالية والمكثفة في عملية وصفتها هي بأنها الأولى من نوعها في الشرق الوسط.
هذه السياسة، المدعومة بتنسيق مع روسيا لتفادي الاحتكاك المباشر بين سلاحي الجو الروسي والإسرائيلي، سمحت لـ “إسرائيل” حتى الآن بحصر معظم كلفة المواجهة في الأراضي السورية بعيداً عن الجبهة الداخلية. لكنها في الوقت نفسه جعلت تل أبيب أكثر اعتماداً على استمرار «هشاشة» الدولة السورية، بحيث لا تتحول إلى قوة قادرة على فرض خطوط حمراء حقيقية على استخدامها للأجواء السورية.
من هنا ينبع جانب آخر من الخلاف الأمريكي الإسرائيلي في سوريا، فواشنطن ترى أن استمرار تدمير البنية التحتية السورية يطيل أمد الفوضى ويمنح الميليشيات مجالاً أوسع للحركة، بينما ترى “إسرائيل” أن أي توقف أو تقييد لضرباتها سيُقرأ في طهران كضوء أخضر لتوسيع حضورها العسكري والاستخباري، خصوصاً بعد انشغال العالم بحروب وأزمات أخرى.
أدوار روسيا وإيران المتشابكة
لا يمكن فهم اختلاف المقاربات الأميركية والإسرائيلية من دون التوقف عند موقع روسيا وإيران في المعادلة. فالولايات المتحدة تنظر إلى موسكو كخصم استراتيجي على الساحة العالمية، بينما تتعامل معها في سوريا كقوة أمر واقع ينبغي الضغط عليها وعزلها أو رفع كلفة وجودها قدر الإمكان عبر العقوبات والدبلوماسية.
في المقابل، ترى إسرائيل في روسيا جاراً عسكرياً مباشراً في الأجواء السورية، وتعتبر المحافظة على «خط ساخن» معها مسألة حياة أو موت لتفادي إسقاط طائرات أو انزلاق إلى مواجهة واسعة.
أما إيران، فهي بالنسبة للطرفين مصدر تهديد، لكن درجات الإلحاح تختلف، واشنطن ترى أن تقليص نفوذ طهران في سوريا جزء من سياسة أوسع لكبح دورها الإقليمي وبرنامجها النووي، لكن هذا الهدف ينافسه في الأولوية ملفّات أخرى مثل الصين وأوكرانيا والداخل الأميركي. في حين تتعامل “إسرائيل” مع الوجود الإيراني في سوريا كتهديد يومي مباشر، لأنها ترى فيه حلقة أساسية في «الهلال» الممتد من طهران إلى البحر المتوسط عبر العراق وسوريا ولبنان.
آفاق سوريا الجديدة المحتملة
أمام هذا المشهد، يصعب القول إن الخلاف الأمريكي الإسرائيلي في سوريا وصل إلى درجة القطيعة أو الصدام المفتوح. الأرجح أننا أمام اختلاف في الإيقاع والأدوات أكثر منه تضاداً في الأهداف النهائية. كلا الطرفين يريد أن يرى سوريا الجديدة أقل عدائية وأضعف قدرة على تهديد “إسرائيل”، لكن واشنطن تميل إلى استخدام مزيج من الحوافز والعقوبات والدبلوماسية، بينما تُفضِّل تل أبيب الإبقاء على الضغط العسكري والسياسي والإعلامي المباشر واعتبار أي تسوية سياسية تفصيلية شأناً ثانوياً.
مع ذلك، تملك طريقة إدارة هذا الخلاف أثراً كبيراً على مستقبل المنطقة، فإذا واصل الطرفان تنسيق الخطوط الحمراء وتبادل المعلومات الاستخبارية، يمكن لواشنطن أن تدفع قدماً مسار إعادة بناء سوريا الجديدة من دون أن تشعر تل أبيب بأن أمنها يُساوَم عليه. أما إذا اتسعت الفجوة، سواء بسبب تغيّر الحكومات في البلدين أو تصاعد التوتر مع إيران و«حزب الله»، فقد نشهد لحظات توتر علني، خاصة إذا اعتبرت الولايات المتحدة أن بعض العمليات الإسرائيلية يهدد قواتها أو مبادراتها السياسية.
بالنسبة للقارئ، ربما تكون الخلاصة الأهم أن سوريا الجديدة ليست ورقة بيد طرف واحد، فتوازنات واشنطن وتل أبيب وموسكو وطهران والعواصم العربية ستتداخل جميعاً في رسم ملامحها، لكن جزءاً كبيراً من الجواب عن سؤال «أي سوريا ستولد؟» سيأتي من قدرة السوريين أنفسهم على بناء عقد اجتماعي جديد، يحد من شهية اللاعبين الخارجيين، ويحوّل الخلاف الأمريكي الإسرائيلي في سوريا إلى عامل ثانوي أمام أولوية تعافي المجتمع والدولة.
اقرأ أيضاً: «طالع لك يا عدو طالع».. هل سيتصاعد الغضب «الإسرائيلي» تجاه سوريا؟!








