“الخرف” لدى الشباب: دراسة علمية تكشف السبب

بقلم هلا يوسف
عندما نقول مرض الخرف أول صورة تخطر في بالنا كبار السن، وهذا يعد جزء من الحقيقة العلمية، حيث أن معظم الأشخاص المصابين بالخرف يكونون من كبار السن، ألا أن الواقع في سوريا يمشف ما هو أخطر من ذلك. حيث تشير الأرقام المسجلة لعام 2024 إلى وجود 204 حالات للخرف بين عمر 19 و60 عاماً، و30 حالة بين 12 و18 عاماً، بالإضافة إلى 11 حالة لدى أطفال دون سن الثانية عشرة. أما كبار السن فسجلوا 1758 حالة، ليكون العدد الإجمالي للحالات 2003 إصابة.
وهنا لا بد من ذكر أن إصابة الأطفال أو الشباب بالخرف لا يكون بالشكل والقوة التي تصيب كبار السن، حيث أن لكل فئة عمرية أسبابها المختلفة. غير أن الأرقام السابقة قد تقودنا لحقائق علمية حول صحة الدماغ لها علاقة بالتغذية والأمراض ونمط الحياة، وبعض الفيتامينات التي يحتاجها الجسم، والتي يؤدي غيابها للإصابة بالخرف.
وعندما نقول فيتامينات نقصها يؤدي للخرف فنحن نتحدث هنا عن فيتامين B12 التي يحتاجه الجسم بكمية قليلة لكن لها مفعول السحر في تحسين الذاكرة، ووظائف الدماغ. حيث تشير دراسة حديثة نشرت على موقع ScienceDaily إلى أن هذا الفيتامين قد يفسر سبب شعور بعض الأشخاص بالتعب والتشوش الذهني حتى قبل ظهور العلامات التقليدية لنقصه.
كمية لا تُذكر… لكن الجسم لا يستطيع الاستغناء عنها
قد تكون هذه المعلومة غريبة، لكن الإنسان يحتاج إلى نحو ميكروغرامين فقط من فيتامين B12 يومياً. أي أنها كمية صغيرة جداً، أقل من أن ترى بالعين المجردة، ومع ذلك يعتمد عليها الجسم في وظائف أساسية لا يمكن أن تستمر من دونها.
حيث أن هذا الفيتامين يساعد على إنتاج خلايا الدم الحمراء، ويحافظ على صحة الأعصاب، ويساهم في تكوين المادة الوراثية داخل الخلايا.
وأهمية هذا الفيتامين ليست جديدة، حيث تعود لمئة عام مضت، عندما كان مرض فقر الدم يعد من الأمراض المميتة أو المهددة للحياة. ففي عام 1926 اكتشف الباحثان جورج مينوت وويليام مورفي أن تناول الكبد يساعد المرضى على التعافي بصورة مذهلة، قبل أن ينجح العلماء فيما بعد في اكتشاف أن السر يكمن في فيتامين B12 الموجود فيه.
ورغم هذا الاكتشاف، لا يزال نقص فيتامين B12 موجوداً حتى اليوم، خصوصاً عند كبار السن، والنباتيين، والأشخاص الذين يعانون من مشكلات تمنع الجسم من امتصاصه، مثل بعض أمراض المعدة أو بعد عمليات السمنة، وكذلك لدى من يستخدمون بعض أدوية السكري أو أدوية علاج حموضة المعدة لفترات طويلة.
لماذا يسبب نقص B12 التعب والتشوش الذهني؟
إذا كنت تشعر بالتعب طوال الوقت، أو تجد صعوبة في التركيز، فقد تعتقد أن السبب هو ضغط العمل أو قلة النوم، لكن قد يكون السبب نقص فيتامين B12. ففي السابق كان العلماء يربطون هذا التعب بفقر الدم فقط، لأن نقص الفيتامين يمنع الجسم من إنتاج خلايا دم حمراء سليمة قادرة على نقل الأكسجين بكفاءة.
لكن فيما بعد بدأوا يكتشفون معلومات أخرى، حيث أن داخل كل خلية في الجسم توجد تراكيب صغيرة تُسمى الميتوكوندريا، وهي أشبه بمحطات توليد الطاقة التي تحول الغذاء إلى طاقة يستخدمها الجسم في الحركة والتفكير والقيام بكل وظائفه اليومية.
وأظهرت الدراسة الحديثة أن نقص فيتامين B12 قد يؤثر في عمل هذه الميتوكوندريا، ويقلل من قدرتها على إنتاج الطاقة داخل الخلايا، حتى قبل أن يظهر فقر الدم بشكل واضح.
كما وجدت دراسة أخرى أُجريت على فئران مسنة أن إعطاء مكملات فيتامين B12 حسن عدد الميتوكوندريا وكفاءتها داخل العضلات، وهذا ما يؤكد فكرة أن هذا الفيتامين قد يلعب دوراً مهماً في الحفاظ على إنتاج الطاقة مع التقدم في العمر.
ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن فيتامين B12 علاج للتعب لدى الجميع، بل تفسر فقط لماذا قد يشعر بعض المصابين بنقصه بالإرهاق قبل ظهور الأعراض التقليدية.
هل يحتاج الجميع إلى مكملات فيتامين B12؟
الإجابة هي لا، في حال كانت مستويات فيتامين B12 طبيعية، فلا توجد أدلة علمية تثبت أن تناول المكملات أو الحصول على الحقن يمنح الجسم طاقة إضافية، أو يحسن الذاكرة، أو يبطئ الشيخوخة، أو يساعد على إنقاص الوزن.
أما إذا كان هناك نقص أكيد في الفيتامين، خاصة عندما يكون سببه ضعف الامتصاص، فإن العلاج يصبح ضرورياً ويصف الطبيب الجرعة المناسبة، وقد تكون على شكل حقن في بعض الحالات.
لذلك إذا كنت تعاني من تعب مستمر، أو تنميل في اليدين أو القدمين، أو ضعف في التوازن، أو تشوش في التفكير، فمن الأفضل عدم افتراض أن السبب هو نقص فيتامين B12 أو التقدم في العمر، ومن الافضل التوجه نحو الطبيب واجراء الفحوصات لمعرفة المشكلة، وتحديد العلاج المناسب لها.
وفي النهاية، قد يهمل الكثير من الناس صحتهم، خصوصاً في سوريا التي يعاني أكثر من 90% من مواطنيها من الفقر، إلا أن محاولة تناول الغذاء المفيد، ومراقبة الجسم وعمل الدماغ قد يساهم في تفادي أمراض مثل الخرف، عبر تناول فيتامين B12.
اقرأ أيضاً: الزهايمر في سوريا لا يستثني الأطفال والشباب!









